"الإعلام التلفزيوني في يد الدولة"... شركة قابضة تستحوذ على القنوات العمومية المغربية

الأحد 13 يونيو 202102:43 م

هيكلة جديدة تنتظر القطب الإعلامي العمومي المغربي، بعد إعلان وزير الثقافة والشباب والرياضة المغربي عثمان الفردوس، عن تحويل "الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة"، إلى "شركة قابضة" استحوذت على كل من "القناة الثانية" المغربية، وقناة "ميدي1"، وهما شركتين منفصلتين، عبر شراء أسهم القناتين اللتين شهدتا خلال سنوات سابقة استثمارات أجنبية وخاصة، منها استثمارات إماراتية في "ميدي1". سياسة "الاستحواذ" على النزر القليل من التنوع الذي كان يعيشه الإعلام التلفزيوني المغربي، تطرح أسئلة حول استقلالية وسائل الإعلام العمومية، خاصةً وأن هامش الحرية كان أوسع نسبياً في كل من القناتين.

دوافع مالية أم "سياسية"؟

عزا الفردوس قرار إدماج كل من "القناة الثانية" و"ميدي1"، في القطب الإعلامي المغربي، إلى تقريبهما من المواطن المغربي، وخلق هوامش جديدة للتمويل والتسويق، وتكوين الموارد البشرية.

وفي سياق متصل، كشف عضو مسؤول في الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة لرصيف22، طلب عدم الكشف عن هويته، أن الدافع الأساسي وراء قرار الإدماج، هو الأزمة المالية التي تعيشها قناتا "ميدي1"، و"القناة الثانية" (شركة صورياد دوزيم)، والتي استفحلت جراء تفشي وباء "كورونا" المستجد، ونقص مداخيلهما المالية، سواء من المعلنين، أو من المساهمين الأجانب، أو الخواص من داخل المغرب.

وذكر المصدر نفسه أن القطب الإعلامي المغربي اختار الاستحواذ على الأسهم كافة في القناتين المذكورتين، لكونه كان ملزماً لسنوات عدة بدعمهما مالياً، وبشكل مكثف لتفادي إعلان إفلاسهما، وخصوصاً القناة الثانية التي عانت من مشاكل مالية تطلبت في مناسبات عديدة تدخّل الدولة لتجاوزها.

وشدد المصدر ذاته، على أن الوزير الفردوس أشار، في معرض حديثه عن أسباب إدماج القناتين في القطب الإعلامي العمومي، إلى دواعٍ مالية مرتبطة بخلق هوامش مالية جديدة، من دون الإشارة إلى السعي لتخفيض حجم الإنتاج الخاص بالنشرات الإخبارية، والبرامج، والتخلي عن مجموعة من شركات الإنتاج التي كانت مرتبطة بعقود مع بقية قنوات القطب الإعلامي العمومي المغربي، و"القناة الثانية"، و"ميدي1"، والاتجاه لخلق خلية تنسيق مشتركة يسهل بواسطتها الاستعانة بالموارد البشرية واللوجستية للقنوات كلها، لتكملة بعضها البعض.

ويطرح هذا التجميع تحت "مظلة" القطب الإعلامي العمومي أسئلة حول الخط التحريري الجديد لقناتي "ميدي1" و"القناة الثانية".

إدماج القنوات في قطب عمومي، يدفع إلى التخوف من التحول إلى نموذج واحد بأقنعة متعددة

يرى رئيس المركز الوطني للإعلام وحقوق الإنسان إبراهيم الشعبي، أن دمج القناتين المذكورتين لن يؤثر على خطيهما التحريريين على الرغم من الاستقلالية التي تميزتا بها في وقت سابق، بما أن المؤسسات الإعلامية في المغرب جميعها تابعة لجهات رسمية، وبخطوط تحريرية متقاربة.

وأبرز الشعبي أنه وحسب معلومات حصل عليها، ستحتفظ القنوات بخطها التحريري من دون أن يطالها أي تغيير، مبرزاً أنه يتمنى الالتزام بما جاء على لسان الوزير، والإسهام في إشعاع القطاع السمعي البصري، ومواكبة التطورات الرقمية، لاستعادة ثقة المشاهد المغربي الذي هجرت نسبة كبيرة منه القنوات المغربية، واختارت متابعة قنوات أجنبية.

وثمّن الشعبي خطوة تجميع القنوات، وضمها إلى القطب الإعلامي العمومي، بما أن حرية التعبير حسب رأيه "تعرف مسبقاً نقاشاً كبيراً في المغرب بعد اعتقال صحافيين مغاربة، وبعد احتجاجات دولية على الوضعية السجنية التي يعانيها كل من الصحافيَين سليمان الريسوني، وعمر الراضي المعتقلَين منذ أشهر عدة، ومنع النقابة الوطنية للصحافة المغربية من تنظيم ندوة لتقديم تقريرها السنوي حول واقع حرية الصحافة في المغرب".

من جانبه يرى الباحث عبد العزيز كوكاس أن الجانب الإيجابي في قرار الوزير، هو حاجة المغاربة إلى خدمة عمومية حقيقية بما أن جائحة "كورونا" صالحت، حسب رأيه، المغاربة مع قنواتهم العمومية بعد أن ساهمت في توعية المواطن بمخاطر الوباء الذي اجتاح كل دول العالم.

وأشار كوكاس إلى أن الجانب السلبي في العملية هو التركيز على إدماج القنوات في قطب عمومي، في الوقت الذي كان يُنتظر فيه فتح المجال أمام قنوات مستقلة، ما دفعه إلى التخوف من التحول إلى نموذج واحد بأقنعة متعددة، وأن تتنافس القنوات في إنتاج الرداءة بدل الجودة، حسب رأيه.

وتمنى كوكاس أن تسير العملية في اتجاه ترك المنافسة بين القنوات وفق "دفاتر تحملات" (خطط عمل) محددة، وتقديم خدمة عمومية إلى عموم الجمهور بناءً على حاجة المغاربة إلى إعلام يقدّم المعلومة، ويجدون فيه أنفسهم وذواتهم، ويراعي الاختلاف بين مكونات المجتمع، ما سيساهم في تغيير نظرة المتابعين، وسيزكّي القرار الذي اتخذته الوزارة الوصية على قطاع الاتصال.

وشدد كوكاس على أن الأهم هو إعطاء المواطن الحق في الرأي، ومنتوجاً ذا جودة، وتنويع البرامج الموجهة للمغاربة بما أنهم يؤدون الضرائب التي تموّل قنوات القطب العمومي، مستبعداً أن يطال التغيير الخطوط التحريرية للقنوات، وأنه سيشمل فقط هيكلتها، إذ لكل قناة أهدافها، وجمهورها، والخط التحريري يصاغ داخل كل قناة بين المسؤولين، وبين الصحافيين، والأهم بالنسبة إلى الجمهور هو تقديم منتوج إعلامي يساهم في التنمية، وبناء رأي مستقل.

قرار أحادي

وفتح اتخاذ القرار من دون عقد اجتماعات مع الفرقاء المتدخلين في القطاع السمعي البصري، والعاملين داخل هذه القنوات، نقاشاً واسعاً، وجرّ انتقادات على أصحاب القرار، وهو ما أشار إليه الشعبي الذي استغرب تغييب الفرقاء المعنيين، مثل "النقابة الوطنية للصحافة المغربية"، أو "المجلس الوطني للصحافة"، أو "المركز الوطني للإعلام والاتصال"، و"مؤسسة حاتم"، في قرار إدماج القناة الثانية، و"ميدي1" في القطب العمومي، بما أنه يقدّم خدمة وطنية عمومية، كون التفكير الجماعي بين كل الشركاء والفرقاء يحدّ من هوامش الأخطاء، أو القرارات غير العقلانية التي يمكن اتخاذها من دون إمكانية تطبيقها على أرض الواقع، متمنياً تدارك الأمر خلال الاجتماعات التي ستُعقد لإعداد دفاتر تحملات تخص قرار الإدماج، والمؤسسات السمعية البصرية.

وشدد الشعبي على أن قرارات مشابهة يجب أن تشمل أيضاً آراء المشاهد كونه المعني الأول بالمنتوج الإعلامي الذي يتم تسويقه، سواء قبل أو بعد الدمج، مضيفاً أن القرار يجب دراسة دفاتر تحملاته بشكل معمق، لضمان إنتاج مميز يزيد من تعلق المغاربة بقنواتهم التلفزيونية.

أعلن وزير الاتصال المغربي عن صفقة لضمّ القنوات البارزة في المغرب إلى شركة قابضة واحدة. فهل تكون في قبضة من حديد؟

وكانت النقابة الوطنية للصحافة المغربية، قد أصدرت بياناً قالت فيه إنه وعلى الرغم من مناصرتها الاتجاه نحو الإصلاح، فإنها عابت عليه عدم فتح نقاش حول مشروع إدماج القناة الثانية و"ميدي1"مع كل الفرقاء المعنيين، في جميع المؤسسات الإعلامية المعنية بهذا الإصلاح.

وحاز موضوع المنافسة بين قنوات القطب العمومي بعد إتمام عملية الدمج حيزاً مهماً من النقاش، بين المهتمين بالقطاع السمعي البصري، وهو ما تطرق إليه الشعبي أيضاً، الذي يرى من وجهة نظره أنه لا مجال للتخوف من تضرر المنافسة بين القنوات، بما أنه لا يمكن الحديث عنها بين قنوات تنتمي إلى قطب عمومي موحد.

وتابع قائلاً: "لضمان منافسة شرسة بين القنوات، هناك وسيلة وحيدة، وهي فتح المجال أمام بقية القنوات المغربية الخاصة. أما في الوضع الراهن، فالمنافسة ستقتصر على قنوات القطب العمومي، والقنوات الفضائية الأجنبية فحسب، سواء العربية منها، أو الناطقة بلغات أخرى.

وذكّر الشعبي بأن المنافسة بين قنوات القطب العمومي، وبين القنوات الأجنبية، غير عادلة لأسباب عدة أهمها حسب رأيه هو رقابة هيئة الاتصال السمعي البصري، على القنوات والإذاعات المغربية، في الوقت الذي لا يمكنها أن تطال القنوات الأجنبية.

وفي السياق ذاته، قال كوكاس إن المغرب اختار بعد إعلان القرار، محاكاة النموذج الفرنسي، أو بعض قنوات القطب العمومي الأوروبي، إلا أنه لا يملك الآليات التي تتوفر عليها الدول الغربية، وأبرزها الجوانب المالية التي تتجلى في كلفة الإنتاج، أو هامش الحرية الذي تتوفر عليه على الرغم من تبعيتها لجهات حكومية.

منافسة على المحك

وفي غمرة الإعلانات التي تريد أن ترسم خريطة طريق جديدة للإعلام العمومي، أعلن المدير العام للشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة فيصل العرايشي، عن إطلاق منصة رقمية على "الإنترنت" لبث محتوى القنوات التلفزيونية. لكن المهنيين يرون أن أحلام العرايشي لن تصمد أمام صخرة الواقع.

وقال الشعبي إن المنتوج المغربي "سيجد منافسة قوية من منصات رقمية مشابهة أبرزها منصة "نتفليكس"، وهو ما سيلزم الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة بتسويق منتوج قوي المضمون والشكل"، مذكّراً بالتجربة الفاشلة السابقة التي عاشتها القناة الثانية سنوات التسعينيات من القرن الماضي، والتي كانت تلزم متابعيها بأداء واجبات اشتراك شهرية قيمتها 180 درهماً (وكانت غالبية أسهمها ملكاً لمجموعة كنال+ الفرنسية)، من دون أن تنجح في استقطاب مشتركين، وهو ما دفع القطاع العمومي للتدخل حينها، وشراء نسبة من أسهمها لإنقاذها من الإفلاس.

وأشار الشعبي إلى أنه "وعلى الرغم من تحديد واجب الانخراط في المنصة الرقمية التي سيتم إطلاقها بعشرين درهماً كواجب انخراط شهري، فيجب مسايرة التطورات التقنية لضمان حضور قوي، والمنافسة، ولو نسبياً مع المنصات الرقمية الدولية".

إلى جانب المحتوى الذي تقدّمه القنوات، استأثر، منذ سنوات، موضوع الفوارق في الرواتب التي يحصل عليها الصحافيون العاملون في القناة الثانية، و"ميدي1"، ووسائل العمل المتاحة لهم، مقارنة مع بقية الصحافيين العاملين في قنوات القطب العمومي، بنقاش مستفيض.

الضائقة المالية التي تعيشها قناتا "ميدي1"، و"القناة الثانية" دفعت الدولة إلى التدخل لإنقاذهما من الإفلاس. لكن هل يضمن هذا الحفاظ على حرية التعبير المحدودة أصلاً؟

ويرى كوكاس أن التفاوت في الرواتب، وفي الوسائل المسخّرة، انعكس في وقت سابق قبل قرار الإدماج، على التنافس بين القنوات، مضيفاً أن غياب مبدأ تكافؤ الفرص بينها ساهم في خلق ظروف عمل غير صحية.

ودعا كوكاس إلى ضرورة تأطير الوضع الاجتماعي للصحافيين، والتقنيين، وضرورة انعكاس القرار على الصحافيين والعاملين في القنوات، "وألاّ تقتصر المجهودات فقط على تنويع المداخيل، بما أن إحساس الغبن الذي طال مجموعة منهم بسبب الفوارق بينهم، وغياب الاستقرار، انعكسا سلباً على جودة خدماتهم، والتزامهم المهني"، يختم المتحدث.

ويتخوف البعض من أن يكون التقارب الجديد بين القنوات العمومية، مسماراً آخر في نعش الصحافة التي تعيش حالة تضييق واسع على الحريات، ما لا يسمح بتعدد الآراء وانفتاحها، ولا بحرية التعبير في وسائل الإعلام المملوكة للدولة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard