أعلن أنه السفياني المنتظر الذي سيعيد مجد الأمويين... ثورة المبرقع اليماني

الأربعاء 23 نوفمبر 202210:09 ص

في العام 227هـ/ 843م، قاد رجل يدعى "أبا حرب" ثورة فلاحين في فلسطين ضد الدولة العباسية، بعدما تدهورت أحوالهم، وساءت معيشتهم تحت وطأة ثقل الجباية والتهميش السياسي والاجتماعي، وأعلن أنه السفياني المنتظر الذي سيقضي على العباسيين ويعيد أمجاد الدولة الأموية.

ويقال إن سبب خروج أبي حرب، ويسمّى بـ"المبرقع اليماني"، على الخليفة، هو أن جندياً أراد النزول في داره أثناء غيابه، فمانعته زوجته، فضربها بسوط وأصاب ذراعها، فشكت الأمر إلى زوجها، فأخذ سيفه وسار نحوه وقتله ثم هرب وألبس وجهه برقعاً، وقصد جبال الأردن، وأقام فيها، وكان يظهر نهاراً متبرقعاً، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويعيب على الخليفة أفعاله.

ويذكر عبد العزيز محمد اللميم في الجزء الأول من كتابه "نفوذ الأتراك في الخلافة العباسية وأثره في قيام مدينة سامراء من 221 – 279هـ"، أن قوماً من فلاحي تلك النواحي استجابوا له، واعتقدوا أنه السفياني، ولما كثر أتباعه دعا أهل البيوتات الكبيرة هناك فاستجابت له جماعة من رؤساء قبائل اليمانية، ومنهم رجل مُطاع في قومه هو ابن بيهس الكلابي.

شرارة الانتفاضة

يرفض جمال العبدولي حصر دوافع الانتفاضة بأسباب شخصية تمثلت في الاعتداء على زوجة المبرقع، ويذكر في دراسته "انتفاضة المبرقع اليماني في فلسطين 226 – 277هـ / 842 – 843م"، أن الرجل كان زعيماً ذائع الصيت، ونجح في كسب ولاء العديد من القيادات العربية البارزة مثل ابن بيهس الكلابي من دمشق وغيره من النافذين في منطقة بلاد الشام عامة، ما يؤشر على المنزلة العالية التي كان يحتلها في محيطه الاجتماعي، وإنْ كان الجمهور العريض من أنصاره قد تشكل أساساً من العناصر الكادحة والمستضعفة.

ويشير العبدولي إلى أن المبرقع اليماني كان قد أعلن العصيان في وجه السلطة العباسية، وكان يعد العدة للانتفاض، لكن شاع خبره حتى بلغ مسامع رجال الدولة العباسية، فأرسلوا كتيبة من الجند إلى داره من أجل اعتقاله.

ويرّجح أن الجندي العباسي الذي اعتدى على زوجته كان قد كُلّف بمهمة اعتقال المبرقع، فتوجه إلى داره وحين منعته الزوجة من الدخول وأبت مدّه بأي معلومات، ألحق الجندي الأذى بها.

وبناء على ما تقدم، يرى العبدولي أن إقدام المبرقع على قتل الجندي لم يكن سوى الشرارة التي عجّلت بخروج انتفاضته من الطور السري إلى الطور العلني، بعد أن افتُضح أمره وصار مطلوباً من أعوان السلطة العباسية، وذلك خلافاً لما يذهب إليه بعض الدارسين الذين اكتفوا بحصر أسباب الانتفاضة بدوافع شخصية.

على كلٍ، لم تلقَ دعوة المبرقع رواجاً واسعاً بين جموع القبائل اليمنية والعربية القاطنة في منطقة فلسطين مثل "لخم" و"جذام" و"بلقين" و"عاملة"، ولا بين جمهور الفلاحين وأهل القرى، وهم على الارجح سكان الأجزاء الجنوبية من بلاد الشام منذ فترة ما قبل الإسلام من عرب وسريان ومسيحيين.

السفياني المنتظر

أعلن المبرقع اليماني أنه السفياني المنتظر، مما أكسبه تأييداً شعبياً ما كان ليحصل عليه لولا ذلك، بحسب عصام مصطفى عقلة في كتابه "الأمويون في العصر العباسي 132 – 334هـ / 750 – 945م".

ويشرح عقلة أن السفيانية هي حركة أموية سياسية ذات صبغة دينية، ترتكز على أساس انتظار ظهور رجل من نسل أبي سفيان يقوم بإعادة الدولة الأموية، ويقضي على العباسيين، ويتخذ من بلاد الشام قاعدة لملكه.

ويعود أصل هذه الحركة إلى انتقال الخلافة الأموية من الفرع السفياني إلى الفرع المرواني، سنة 64هـ/ 683م. حينذاك، ترك استبعاد خالد بن يزيد بن معاوية عن الخلافة عليه أثراً كبيراً، فوضع عقيدة السفياني المنتظر حتى يبقى أهل دمشق ينظرون إلى الفرع السفياني كمرشح للخلافة.

وبحسب عقله، تطورت حركة السفياني على يد علماء بلاد الشام، بعد سقوط الدولة الأموية، من وسيلة معارضة سفيانية للمروانيين إلى عقيدة توحّد أهل الشام ضد العباسيين، ثم تطورت الحركة بتطور الظروف المحيطة بأهل الشام، وراحت تبشّر بظهور أموي من نسل أبي سفيان في فترات الخلاف والصراع بين العباسيين، فيقوم هذا الأموي بالسيطرة على بلاد الشام، ثم يتوجه إلى العراق، فيدمر الكوفة، مركز أعداء الأمويين من شيعة علوية وعباسيين.

قاد رجل يدعى "أبا حرب" ثورة فلاحين في فلسطين ضد الدولة العباسية، بعدما تدهورت أحوالهم، وساءت معيشتهم تحت وطأة ثقل الجباية والتهميش السياسي والاجتماعي، وأعلن أنه السفياني المنتظر الذي سيعيد أمجاد الدولة الأموية

وبعد النكسات التي حلّت على ثوراتها، تطورت الحركة إلى التبشير بقيام تحالف بين السفياني المنتظر الذي سيظهر في بلاد الشام، وبين الدولة المروانية في الأندلس، والتي سترسل جيوشها إلى بلاد الشام، فيتحالف الجانبان للقضاء على الدولة العباسية.

ولقيت هذه الحركة تأييداً واسعاً بين القبائل العربية اليمينة في بلاد الشام، خاصة قبائل قضاعة، وكذلك بين صفوف قبيلة "تنوخ" التي كان أبناؤها يحتفظون بسيوف أجدادهم التي قاتلوا فيها في موقعة صفّين مع معاوية بن أبي سفيان ليقاتلوا بها مع السفياني عند ظهوره، حسبما نقل عقلة عن كتاب "بغية الطلب في تاريخ حلب" كمال الدين بن العديم.

ولقيت الحركة أيضاً دعماً كبيراً من العلماء الشاميين في العصر العباسي، وكانوا، شأنهم شأن معظم سكان بلاد الشام، يعارضون الحكم العباسي، ويسعون إلى القضاء عليه، وأبرزهم إسماعيل بن عياش الحمصي (ت. 181هـ/ 797م)، والوليد بن مسلم (ت. 195هـ/ 811م)، وبقية بن الوليد الكلاعي (ت. 197هـ/ 813م)، وأبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر الغساني (ت. 218هـ/ 833م). وبلغ هؤلاء من الحماسة أن اشتراك العديد منهم في الثورات المنبثقة عن حركة السفياني، كما روى عقلة.

وطأة الشعوبية والسفياني المنتظر

إقدام الجندي العباسي ذي الأصل التركي على إلحاق الأذى بزوجة المبرقع اليماني، والذي كان بمثابة فتيل أشعل الانتفاضة، لا يستمد أهميته من حجم الأذى الناجم عنه، بحسب العبدولي، وإنما مما يحمله مصدره التركي من رمزية ودلالة تشي بحالة الذل والهوان التي آل إليها العرب، بعد أن سلّط عليهم المعتصم مواليه الأتراك.

وكان من تداعيات هذا الوضع أن زاد تأجج المناخ السياسي والأيديولوجي المشحون أصلاً بروح الشعوبية، وأدى إلى تنامي حركات فكرية وسياسية مناهضة لخلافة بني العباس، طالبت بإحياء خلافة بني أمية عبر القول بفكرة السفياني المنتظر أو الأموي المنتظر، والذي سيظهر يوماً ويعيد للعرب مجدهم وعزتهم، وهي الفكرة ذاتها التي تبناها المبرقع اليماني كمرجعية لحركته، حين ادّعى أنه السفياني وصدّقه في ذلك جمع غير قليل من أتباعه.

التقيّة والتخفي كنهج ثوري

ألبس المبرقع وجهه برقعاً كي لا يُعرف، ولجأ إلى جبل من جبال الأردن، وكان يظهر في النهار فيقعد على الجبل متبرقعاً، فيراه الرائي ويأتيه، فيذكّره ويحرضه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويذكر السلطان ويعيبه، ينقل العبدولي عن كتاب "الروض المعطار في خبر الأقطار" لمحمد بن عبد الله الحميري.

ويستنتج العبدولي من ذلك أن المبرقع رسم لحركته نهجاً ثورياً يعتمد على أسلوب التقيّة والتخفي، وهو نهج معروف وشائع في الثقافة السياسية الإسلامية، واشتهر به على وجه الخصوص آل البيت، لا سيما العلويون منهم، وبفضله نجح العباسيون في الوصول إلى سدة الخلافة.

رسم المبرقع اليماني لحركته نهجاً ثورياً يعتمد على أسلوب التقيّة والتخفي، وهو نهج معروف وشائع في الثقافة السياسية الإسلامية

ومن مميزات هذا النهج أن صاحبه لا يكتفي بخلق مبررات شرعية تبرر خروجه على السلطان فحسب، وإنما يضفي أيضاً على شخصيته نوعاً من قداسة دينية وهالة روحية تمنحه الكاريزما اللازمة لكسب مزيد من الانصار والأتباع.

ولتحقيق هذا الغرض، اختار المبرقع ارتداء زي نسائي مميز لسكان منطقة فلسطين، لا فقط لغرض التخفي عن عيون السلطة العباسية، وإنما أيضاً لغرض التميز والتأثير في نفوس ومشاعر أتباعه، عبر إضفاء نوع من الهيبة النفسية على شخصه.

وعبر هذا الزخم الديني والأيديولوجي الذي أضفاه المبرقع اليماني على شعاراته، نجح في إكساب حركته مزيداً من الانتشار الجماهيري والجغرافي حتى بلغ صداها أغلب الأجناد الشامية، ابتداء بفلسطين والأردن ووصولاً إلى دمشق، ذكر العبدولي.

ثورة اجتماعية سياسية

ويذكر صالح الحمارنة في كتابه "الناس والأرض/ دراسات في تاريخ جنوب بلاد الشام في القرون الثلاثة الهجرية الأولى"، أن ثورة المبرقع اليماني كانت اجتماعية وسياسية، اجتماعية لأنها كانت تطالب بمطالب اقتصادية للفلاحين ضد الغبن الواقع عليهم، وسياسية لأنها رفعت شعار "السفياني" والسعي لإرجاع السلطة إلى أرض الشام.

ويرى أن هذه الثورة كانت امتداداً لانتفاضات رؤساء القبائل في الشام الذين كانوا يهبّون بين الحين والحين مطالبين باسترجاع امتيازاتهم السابقة، ويطمحون لاسترداد نفوذهم الغابر، ومنها ثورة أبي محمد السفياني عام 132هـ/ 750م، وثورة العباس بن محمد السفياني عام 133هـ/ 750م، وثورة أبو العميطر بن عبد الله السفياني عام 195هـ/ 811م.

بيد أن ما يسترعي انتباه الحمارنة أكثر هو الأعداد الكبيرة من الفلاحين والمزارعين الذين اشتركوا في الثورة، وهم أبناء القبائل العربية الذين استقروا في بلاد الشام قبل وبعد الفتوحات الإسلامية، وصاروا أصحاب القرى والعاملين في أراضيها.

ويذكر أن معاوية بن أبي سفيان، والي الشام في خلافة عثمان بن عفان، أقام حاميات قوية على طول ساحل البحر وحول الموانئ الأساسية، وأقطع جنود هذه الحاميات قطائع حتى يضمن استمرار بقائهم، وكانت هذه القطائع من الأراضي التي جلا عنها أهلها، واستمر الأمر بعد ذلك على هذه الشاكلة.

ومع مرور الوقت، تكوّنت الإقطاعات الكبيرة وملكيات الأراضي الواسعة، وكان جُل ملاكي هذه القرى من الأمراء الأمويين، وبينهم بعض الأشراف من رؤساء القبائل ومؤيديهم، كما تكونت الملكيات الصغيرة التي يملكها الفاتحون الصغار المنتشرون في القرى المتعددة. وبعد سقوط الدولة الأموية، انتقل كثير جداً من أملاك بني أمية في بلاد الشام إلى البيت العباسي.

لذا، لم يكن من الغرابة أن تشارك في الثورة أعداد كبيرة من الفلاحين الذين أصبح كسبهم يأتي عن طريق الأرض وزراعتها، وأصبحت الأرض مصدر رزقهم الرئيسي، فأخذوا يطالبون بخفض الخراج عنهم ورفع الضرائب أو تخفيفها عن كاهلهم.

القضاء على الانتفاضة

يروي اللميم أنه لما علم الخليفة المعتصم بالله بأمر المبرقع اليماني، سيّر إليه جيشاً بقيادة قائده العسكري رجاء بن أيوب الحضاري في زهاء ألف رجل من الجند، كما يذكر محمد بن جرير الطبري في "تاريخ الرسل والملوك" وابن الأثير في "الكامل في التاريخ"، إلا أن ابن كثير في "البداية والنهاية" يشير إلى أن المعتصم بعث بمئة ألف جندي. والتقدير الأول هو ما اتفق عليه كثير من الإخباريين.

أياً يكن الأمر، سار الحضاري وعسكر أمام المبرقع، فرأى أن لا قبل له بمحاربته وهو في جمع عظيم من الأتباع يزيدون على مئة ألف رجل، فرأى من الحكمة التريث ريثما ينفضّ عنه بعض أتباعه، حينما يحين موعد الزراعة والحرث، فيضطر الكثير منهم إلى التخلي عنه للعمل.

وهذا ما كان، إذ لم يبقَ معه سوى ألفي رجل، بحسب اللميم. والتقى الجمعان، واستطاع العباسيون أسر المبرقع وأخذوه أسيراً إلى سامراء حيث مقر الخلافة العباسية، وأودع في السجن قبل أن يُقتل خنقاً عام 227هـ/ 843م.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard