ختام قمة المناخ يتعثَّر في حرب المفاوضات

السبت 19 نوفمبر 202202:00 م


أعلن وزير الخارجية المصري سامح شكري تمديد أعمال مؤتمر المناخ في مدينة شرم الشيخ إلى اليوم، السبت 19 نوفمبر/ تشرين الثاني، والتي كان مقرراً لها أمس الجمعة 18، أملاً في الوصول إلى اتفاق ملزم بين الدول المتقدمة والنامية فيما يتعلق ببند الخسائر والأضرار، ووفاء الدول الغنية بالتزاماتها، والوصول إلى تسوية بشأن الصراع على إدراج الالتزام بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري. 

قرار تمديد الدورة الـ27 من مؤتمر المناخ، تأتي بعد أيام من المفاوضات البطيئة، ومحاولات مصر بصفتها رئيس الدورة الحالية، للعب دور في التوفيق بين أجندات الدول المختلفة وضغوط جماعات الحقوق البيئية والنشطاء المصرين على عدم التراجع عن اتفاقية باريس الإطارية، وفقاً لنشطاء مناخ اطلعوا على كواليس المفاوضات وتحدثوا إلى رصيف22 قبيل ساعات من نهاية المؤتمر المقام في شرم الشيخ. 

وصفت حنين شاهين عضو شبكة العمل المناخي سير المفاوضات بـ "طريق وعر"، والدليل هو إطالة مدة المؤتمر حتى اليوم السبت، وقالت إن الإدارة المصرية للمفاوضات كان يجب أن تتم بشكل أسرع مما ظهرت عليه "وتنجز حاجات أكتر من كده"، وكان يمكن لها أن تقوي موقف الدول الإفريقية الأكثر تضرراً من آثار تغير المناخ. 

بحسب شاهين ونشطاء آخرين تحدثوا إلى رصيف22 أو اطلعنا على آرائهم عبر الشبكات الاجتماعية، فإن أبرز نقاط الخلاف في المفاوضات هي تشكيل آلية تمويل الخسائر والأضرار تحت مظلة الأمم المتحدة، والتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري للحد من ارتفاع درجة الحرارة دون 1.5 درجة مئوية، وزيادة الالتزامات الخاصة بالتكيُّف، إذ من المرجح إعادة صياغة البيان الختامي بعد اتفاق شامل وموافقة ما يقرب من 200 دولة على كل شيء.

المديرة التنفيذية ل"عرينبيس" الشرق الأوسط: شركات الوقود الاحفوري والدول التي يعتمد اقتصادها على البترول والغاز الطبيعي، تمارس ضغوطاً هائلة للتقليل من أهداف قمم المناخ المتفق عليها في السابق 

الخسائر والأضرار

تضغط الدول النامية منذ فترة طويلة لتشكيل آلية تمويل لمعالجة أضرار المناخ، وخلال الساعات الأخيرة في مؤتمر المناخ، قدمت مجموعة الـ"77+الصين" - وهو تحالف من الدول النامية - لإنشاء "صندوق لمساعدة الدول النامية على تغطية تكاليف الخسائر والأضرار الاقتصادية وغير الاقتصادية المتعلقة بآثار تغير المناخ السلبية الناتجة عن الانبعاثات التاريخيّة والحالية للغازات الدفيئة"

 وبحسب غِوى النكت -المديرة التنفيذية لمنظمة غرينبيس الشرق الأوسط وشمال إفريقيا- ، الولايات المتحدة ونيوزيلندا وكندا والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي تمارس ضغوطاً لتأجيل هذا الاتفاق، بحجة الحاجة إلى وقت إضافي لدراسة الاحتياجات المالية اللازمة لتمويل الخسائر والأضرار. وبرأي غِوى النكت تعترض هذه الدول على تمرير الاتفاق خلال مؤتمر كوب 27 مفضلة تأجيله لغاية كوب 29.

لكن صباح اليوم السبت، أعلنت دول الاتحاد الأوروبي التزامها وطالبت الولايات المتحدة والصين والسعودية بإعلان التزامهم أيضاً ملف الخسائر والأضرار.

المقترح الذي تدفع به الدول النامية لتأسيس صندوق لتمويل الخسائر والأضرار، ليس الخيار المفضل للاتحاد الأوروبي، وفقاً لكبير مسؤولي الاتحاد الأوروبي بشأن المناخ فرانس تيمرمانز، الذي أبدى استعداد الاتحاد الأوروبي لحل وسط بشأن آلية التمويل، لكنه مرتبط بشرط وهو أن يستفيد من المال الدول الأكثر عرضة لآثار تغير المناخ، بما يعني إقصاء الصين أكبر مصدر للانبعاثات من تلقي أي تمويل، بل على العكس يريد الاتحاد الأوروبي أن تساهم الصين في نظام التمويل المقترح.

ظهر هذا الطرح رسمياً من جديد صباح اليوم السبت، إذ أعلنت دول الاتحاد الأوروبي موافقتها على صندوق تمويل الخسائر والأضرار، وطالبت على لسان فرانس تيمرمانز الولايات المتحدة والسعودية ومعهما الصين بإعلان التزامها أيضاً نحو ملف الخسائر والأضرار.

 

تقول حنين شاهين إن المفاوضات التي جرت فيما يخص الخسائر والأضرار أسفرت عن ثلاثة خيارات: "إنشاء صندوق لتمويل الخسائر والأضرار وهذا المقترح تم رفضه من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي (تراجع الاتحاد الأوروبي اليوم عن رفضه). أما الخيار الثاني فهو إنشاء نظام تأمين جديد تحت مسمى الدرع المناخية للكوكب Global shield بتسهيلات تذهب لدول "V20"، وهي مجموعة الدول الأكثر عرضة لآثار التغيرات المناخية، بشرط ضمان أن تدفع الصين في المساعدات كونها أكبر دولة تصدر انبعاثات ملوثة في العالم، على أن يؤجل الحديث عنها في كوب 28 في الإمارات العام القادم". 

وينظر إلى مبادرة الدرع المناخي Global shield التي تحدث عنها الرئيس الأمريكي جو بايدن في زيارته لشرم الشيخ، وأعلن عن تقديم 500 مليون دولار من الولايات المتحدة عبرها، على أنها حيلة من الدول الغنية لتجنب المزيد من التمويل الشامل للدول المعرضة للخطر، والذي لا يزال يمثل قضية رئيسية في المفاوضات الجارية. 

اللافت أن دول الشرق الأوسط، التي تشهد التقارير العلمية أنها من أكثر دول العالم تضرراً من الاحتباس الحراري، تساهم بشكل كبير في الضغط من أجل الاستمرار في ممارسات اقتصادية وبيئية تزيد من الاحتباس الحراري، لكسب المزيد من الأموال

وتحذر مجموعات المجتمع المدني ووكالات الإغاثة أيضاً، من أنه لا ينبغي استخدام خطة التأمين لتشتيت الانتباه عن الجهود الأوسع نطاقاً لجعل الملوثين الكبار يدفعون ثمن الخسائر والأضرار التي تسببوا فيها، بسبب غازاتهم المسببة للاحتباس الحراري.

 أما الخيار الثالث بحسب شاهين، فهو إدخال مزيد من التسهيلات على نظام التمويل الحالي، ويؤجل الحديث عنه -أيضاً- إلى الدورة القادمة بالإمارات، وحتى كتابة هذا التقرير لم يتم الاتفاق على أي خيار.

 

الوقود الأحفوري

 أصابت المسودة الأولية لكوب27 نشطاء المناخ بخيبة أمل شديدة، بسبب "تجاهل" التخلص من الوقود الأحفوري وعدم تجاوز 1.5 درجة مئوية في النص الأوليّ، وهو هدف أكدت عليه اتفاق باريس 2015، وتفسر غِوى النكت سبب عدم تضمين الوقود الأحفوري في المسودة الأولية بأنه "ناتج عن التأثير الذي تمارسه كارتيلات وجماعات الضغط التابعة لهذا القطاع خلال المؤتمر".

تقول النكت: "تضغط بعض الدول العربية بشدة لعدم ذكر هدف 1.5 درجة مئوية كحد أقصى لارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية في البيان الختامي، أو أي نص يذكر التخلي التدريجي عن الوقود الأحفوري، وهو استمرار في نمطها المعتاد في عرقلة أي نتائج طموحة للمؤتمر فيما يخص خفض الانبعاثات والانتقال العادل إلى مصادر الطاقة المتجددة النظيفة".

ما تقوله النكت أكدته تصريحات تيمرمانز كبير مفاوضي الاتحاد الأوروبي بشان المناخ في مؤتمر الصحافي الذي عقد صباح اليوم، السبت، إذ قال المسؤول الأوروبي أن الاثنتي عشرة ساعة الأخيرة، أي المفاوضات التي استمرت طوال الليل، شهدت ضغوطاً مقلقة بشإن هدف 1.5 درجة مئوية التي اتفق عليها خلال قمة غلاسكو. وأن الاتحاد الاوروبي لن يوافق أبداً على تلك الضغوط.

وتخشى دول الاتحاد الاوروبي من موجات نزوح واسعة من منطقة الشرق الأوسط بالذات بسبب استمرار انهيار الظروف المناخية. واللافت أن دول الشرق الأوسط نفسها ممثلة بدول الخليج ومعها إيران ومصر هي التي تضغط من أجل استبعاد هذا الشرط، وكذلك تتفق على وقف الجهود الرامية إلى الإحلال التدريجي للوقود الأحفوري (البترول والغاز الطبيعي) الذي تعتمد عليه ثروات تلك الدول.

 تخشى دول الاتحاد الاوروبي من موجات نزوح واسعة من منطقة الشرق الأوسط بالذات، بسبب استمرار انهيار الظروف المناخية. واللافت أن دول الشرق الأوسط نفسها ممثلة بدول الخليج ومعها إيران ومصر  تشارك في الضغط لوقف الجهود الرامية إلى الإحلال التدريجي للوقود الأحفوري 

وقدّرت مجموعة Global Witness أن أكثر من 600 من جماعات الضغط "اللوبي" العاملة في مجال الوقود الأحفوري قد تم تسجيلها في كوب 27، أي بزيادة قدرها 25% عن العام السابق، وقالت المجموعة إن الإمارات العربية المتحدة، الدولة البترولية التي ستستضيف قمة كوب 28 العام المقبل، كان لديها أكبر عدد من أي دولة - 1070 مندوباً رسمياً. 

امديرة التنفيذية ل"غرينبيس" الشرق الأوسط: "الرئاسة المصرية للمؤتمر قدمت نفسها كممثل عن موقف الوفود الإفريقية، ولكن لم ينعكس ذلك في أي من النصوص التي رأيناها، وفي المحصّلة هذا هو المطلوب لإنجاح المؤتمر فعليّا"

من جانبها، قالت حنين شاهين إن كوب27 من أكثر المؤتمرات التي شهدت حضوراً لجماعات الوقود الأحفوري الذين جاءوا إلى شرم الشيخ بين الوفود الرسمية لدولهم، وربطت هذا الحضور الكثيف بأزمة نقص الطاقة في الدول الأوروبية، وحاولت تلك الجماعات الترويج لنجاحاتها في استخراج "الطاقة النظيفة" وربطها بنشاطها في الوقود الأحفوري، وهو ما يسمى بالغسل الأخضر Green washing أي غسيل السمعة باستخدام مبادئ وأنشطة العدالة البيئية. ومقارنة بالعام الماضي في غلاسكو فإن قمة شرم الشيخ شهدت حضوراً لافتاً لهذه الجماعات، إذ بدأ المؤتمر المناخي وكأنه معرض عام لشركات ولوبيهات البترول والغاز بدلاً من مؤتمر تفاوضي، وفقاً لشاهين.

وترى الناشطة البيئة إن هناك اتجاهاً لدى حكومات الدول الغنية لإقحام القطاع الخاص في عملية التمويل ترسيخاً لمبداً "إحنا مش هنقدر ندفع كحكومات فندخل القطاع الخاص"، وهذا سلاح ذو حدين لأن أكبر الشركات من القطاع الخاص هي شركات نفطية وتشارك في التلوث البيئي.

ويرفض مجلس الولايات المتحدة للأعمال التجارية الدولية أي اقتراح بضرورة فرض قيود على مصالح الشركات في محادثات المناخ ، قائلاً إن هذا من شأنه أن "يضر ويبطئ التنفيذ، ويهمش أحد أكثر الفئات المستهدفة مركزياً في عملية اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ".

ولذلك، لا تستطيع مصر منع حضور جماعات الضغط في المؤتمر، "لكن كان ممكن تقدر تتحكم بقدر أكبر من ذلك، بحيث لا يحدث هذا الزخم الكبير من شركات الغسيل الأخضر"، وفقاً لحنين شاهين. 

صورة تظهر حجم التقدم في الملفات المطروحة في كوب27 حصلنا عليها من حنين شاهين

حيل وتكتيكات

  يشير نشطاء البيئة والمناخ إلى أن الدول الأوربية الغنية تستخدم تكتيكات لإضعاف موقف الدول النامية ومنع تحركها ككتلة واحدة خلال المفاوضات، تقول غِوى النكت إنه من المتوقع أن تقوم الدول الغنيّة بمحاولة تقسيم مجموعة الـ"77+الصين" لإضعاف موقفها الموحد.

وتتفق معها حنين شاهين، وتضيف أن بعض الدول الغنية عقدت اتفاقيات ثنائية مع دول إفريقية للاستثمار في الوقود الأحفوري واستخراجه كحل في ظل أزمة نقص الطاقة في أوروبا، وهذه الاتفاقات شتت موقف الدول النامية في إفريقيا، وجعلتها لا تتفق على موقف واحد مما جعل الدول الغنية تسيطر على الدول الفقيرة.

وتكمل: "حتى تستطيع مصر توحيد مواقف الدول النامية كان عليها أن تنشأ "لوبي" كبيراً يقوم بالضغط وتوحيد موقف الدول النامية، لكن هذا العمل من الصعب تنفيذه في أسبوعين فقط. بينما ترى غوي النكت إن الرئاسة المصرية للمؤتمر قدمت نفسها كممثل عن موقف الوفود الإفريقية، ولكن لم ينعكس ذلك في أي من النصوص التي رأيناها، وفي المحصّلة هذا هو المطلوب لإنجاح المؤتمر فعليّا".

وتضيف: "لقد تم ترشيح مصر من قبل التجمع الإفريقي لبراعة فريقها في المفاوضات ودورها القيادي في المنطقة، وعلى فريقها اليوم العمل الجاد لتحمّل المسؤوليّة خلال هذه المرحلة المفصلية في تاريخ قضية المناخ وتبوؤ موقع ريادي وشجاع في حل الأزمة التي نواجهها جميعاً، والتأكد من عكس مطالب واحتياجات دول ومجتمعات الجنوب العالمي الأكثر عرضة لآثار الأزمة في نص البيان الختامي، والذي مازال مخيباً للآمال في نسخته الحالية.

توقعات البيان الختامي

نشرت وكالة (د ب أ ) الألمانية مساء الجمعة، مسودة الإعلان الختامي التي شجعت على الخفض التدريجي للفحم من دون إشارة للنفط والغاز، بينما ينادي نشطاء المناخ والدول المتضررة بالحد من الوقود الأحفوري (الفحم والغاز الطبيعي والنفط).

غوي لرصيف22: أي بيان نهائي للمؤتمر لا يبني على ما تم التوصل إليه العام الماضي في غلاسكو سيُحكم عليه بالفشل، ومن الضروري أن يعكس الاتفاق العلمي السائد والحاجة إلى الانتقال العادل من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة النظيفة

 وتوقعت حنين شاهين سيناريوهين للبيان الختامي، وهو ألا يقدم جديداً فيما يتعلق بالتخلص من الوقود الأحفوري، وبذلك سننتظر حتى كوب 28 في الإمارات لطرح نفس الأجندة. أما السيناريو الثاني فهو الاتفاق على تسهيلات للدول الأكثر عرضة لآثار المناخ، على أن يناقش هذا البند في الإمارات أيضاً، كما توقعت عدم إضافة بند 1.5 درجة مئوية في البيان الختامي الصادر عن مؤتمر شرم الشيخ، طبقاً للمسودة المنشورة فقد خلا البيان من هذا البند.

في السياق نفسه، تتحدث غوي النكت عن أن نص البيان الختامي يجب أن يشير إلى الحد من ارتفاع درجة الحرارة دون 1.5 درجة مئوية بحلول عام 2100 وهذا هو التفسير الأوحد المقبول لاتفاقية باريس، ويجب أيضاً أن تقر بمواعيد الإيقاف التدريجي لإنتاج واستهلاك الفحم والغاز والنفط.

وتقول إن نجاح مؤتمر كوب 27 هذا العام يتمثل في إنشاء صندوق خاص لتعويض الخسائر والأضرار تحت مظلة اتفاقية الأمم المتحدة الإطاريّة المعنية بتغيّر المناخ وإيجاد مصادر والتزامات جديدة لتمويل جهود التكيف والانتقال العادل نحو الطاقة المتجددة والاتفاق على التخلي السريع عن الوقود الأحفوري للحد من ارتفاع معدل درجات الحرارة دون 1،5 درجة مئويّة.

وتؤكد أن أي بيان نهائي للمؤتمر لا يبني على ما تم التوصل إليه العام الماضي في غلاسكو سيُحكم عليه بالفشل، ومن الضروري أن يعكس الاتفاق العلمي السائد والحاجة إلى الانتقال العادل من الوقود الأحفوري إلى مصادر الطاقة المتجددة النظيفة.

 

وتختم شاهين: "إذا لم يحقق المؤتمر أي حلول في القضايا العالقة، فسيمكننا القول إن المؤتمر فشل على صعيد الرئاسة".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard