احتفاء يأتي بعد الموت أحياناً... المنسيون من تكريمات "القاهرة السينمائي"

الأربعاء 23 نوفمبر 202203:02 م

وقفت الفنانة المصرية لبلبة، أمام الحضور وبين يديها جائزة الهرم الذهبي لإنجاز العمر من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، أهمّ وأعرق مهرجان في الشرق الأوسط، وخلفها يعرض مشوارها الفني الحافل منذ أن كانت طفلة في عُمر الخامسة وحتى اليوم. هذه هي المرة الأولى التي تُكرَّم فيها الفنانةُ لبلبة والتي تبلغ من العمر 76 سنة الآن.

شهدت لبلبة خلال مشوارها الفني جميع دورات مهرجان القاهرة السينمائي، والتي يبلغ عددها 44 دورة، وفي كلّ مرة كانت لبلبة أو "نونيا" (اسمها الحقيقي والذي كانت تحب والدتها أن تناديها به)، تنتظر أن يتذكرها المهرجان ويكرمها.

لبلبة من تكريم القاهرة السينمائي 2022

لم تكن لبلبة تنتظر هذا التكريم وحدها، فأمام الجميع ذكرت حرصَ والدتها وحلمَها بأن تكون ابنتُها ضمن المُكرَّمين من القاهرة السينمائي، وفي كل دورة من دورات المهرجان تؤكد لها الأم، أن لا أحد قدم هذا العام أفضل مما قدمتْ هي، فمن الطبيعي أن تكون لها جائزة، ولكن لا جوائز ولا تكريمات تحدث.

في العام 2010، توفيت والدة لبلبة، أكبر الداعمين لها والحالمين معها بجائزة من مهرجان البلد التي أفنت حياتها في إحياء الفنّ الخاص به.

استكملت لبلبة مسيرة الانتظار وحدها، حيث تم ترشيحها لجائزة في العام 2012، لكنها لم تحصل عليها، هي أو أيّ من المرشحين معها، بسبب الأحداث السياسية التي كانت تمرّ بها البلاد وقتها.

لكن حتى بعدما استقرت الأمورُ، وعاد المهرجان للانعقاد، لم يتدارك القائمون عليه هذا الموقفَ وتقديم الجوائز لمن يفترض أن يتم تكريمهم خلال الدورة الفائتة.

في بلادنا العربية تنتشر ثقافة تكريم المبدعين من الموتى أكثر من محاولات تكريمهم وهم على قيد الحياة، حتى أن من يحالفه الحظ وهو في المحطة الأخيرة من قطار العمر، يتنفس الصعداء ويشكر الله لأنه ربما أحسن حظاً من كثيرين غيره

تطلب الأمر 12 سنة كاملة حتى تقف لبلبة على خشبة المسرح، ويعرض أمام الجميع تاريخها الفني الحافل، منذ أن كانت طفلة صغيرة وحتى اليوم، وتسمع بأذنها أصوات التصفيق، وترى السعادة مرسومة على وجوه الجميع، كي تشعر أخيراً أن شيئاً من الشكر يقدَّم لها بعد مسيرة فنية حافلة امتدت لأكثر من سبعين عاماً. والأهم أنها استطاعت أن تشاهد هذا التكريم وهي ما زالت على قيد الحياة.

في بلادنا العربية تنتشر ثقافة تكريم المبدعين من الموتى أكثر من محاولات تكريمهم وهم على قيد الحياة، حتى أن من يحالفه الحظ وهو في المحطة الأخيرة من قطار العمر، يتنفس الصعداء ويشكر الله لأنه ربما أحسن حظاً من كثيرين غيره.


حسن حسني، تكريم القاهرة السينمائي 2018

"الحمد لله إنهم لحقوا يكرموني وأنا لسه عايش"؛ بهذه الكلمات تحدث الفنانُ الراحل حسن حسني، عن تكريمه من القاهرة السينمائي، وهو صاحب رصيد كبير من الأعمال السينمائية الناجحة، التي وقف فيها إلى جوار الفنانين الشباب، بل وكان عنصراً أساسياً في نجاح هذه الأفلام.

لكن الفنان القدير، والذي توفي في آذار/مارس 2020، أي بعد أقل من عامين فقط من تكريمه بمهرجان القاهرة السينمائي، كشف النقاب عن تجاهل تكريم الكثير من الفنانين، ليكون في الغالب بعد وفاتهم، ومنهم من لم يحالفه حظُّ التكريم حتى بعد الوفاة.

تُمثِّل الجوائزُ قيمةً مهمة في حياة المبدعين، فهي تقدِّم إليهم رسالةً ضمنيه بأن مجهودهم الفني لم يذهب في اتجاه الرياح بغير رجعة، لذلك يُعتبر الاحتفاء بهم بعد الموت، هو إحياء لمن قتلوهم وهم على قيد الحياة.

محمود يس

محمود يس، هذا الفنان الكبير الذي قدَّم للسينما أعمالاً مهمة، بلغ رصيده منها أكثر من 170 فيلماً، وهو رقم ضخم، خاصة إذا ما نظرنا إلى القيمة الفنية التي تقدمها معظم هذه الأعمال، توفي في تشرين الأول/أكتوبر عام 2020، وتوقع الجميع أن تهدى له دورةُ مهرجان القاهرة السينمائي، الذي كان من المقرر أن يعقد بعد أقل من شهر من تاريخ وفاته، لكن، محمد حفظي، المنتج السينمائي ورئيس المهرجان، فاجأ الجميع بأنه لا تكريمات لمن رحلوا من الفنانين هذا العام.

صدمة عدم تكريم محمود يس لم تكن في الأوساط الفنية فقط، وإنما امتدت لتشمل الجمهور الذي عبر عن غضبه على وسائل التواصل الاجتماعي، ودفع أسرةَ الفنان الراحل إلى التعبير عن استيائهم أيضاً من تجاهل اسمِ والدهم الراحل.

"الحمد لله إنهم لحقوا يكرموني وأنا لسه عايش"؛ بهذه الكلمات تحدث الفنان الراحل حسن حسني، عن تكريمه من القاهرة السينمائي، وهو صاحب رصيد كبير من الأعمال السينمائية الناجحة، بل وكان عنصراً أساسياً في نجاح هذه الأفلام

هذا الصخب الذي صاحبَ عدمَ التكريم، دفع الناقد طارق الشناوي إلى التصريحِ بأنه سوف يكون هناك تكريمٌ استثنائي للفنان محمود يس في ختام القاهرة السينمائي في دورته الـ42، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث.

وهنا نجد أنه حتى الاحتفاء بعد الموت ليس ضرورياً أن يحدث في كثير من الأحيان، حتى وإن كان الفنان الراحل ذا مكانة كبيرة. تعلل حفظي وقتها بأن محمود يس، تم تكريمه في مهرجان آخر، ولن يقلد تجارب مشابهة لتجارب أخرى.

قارن هنا حفظي مهرجانَ القاهرة بتاريخه العريق والممتد لأكثر من أربعين عاماَ وله صفة الدولية، بمهرجانٍ ناشئ خاص لم يكن يتجاوز عمره الخمس سنوات وقتها، وتوقفت نسخته عن الانعقاد في ما بعد.

تاريخ عريق للقاهرة السينمائي الدولي

يعد مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، أول مهرجان دولي يعقد في العالم العربي، وخرج للعالم في نسخته الأولى من القاهرة، مصر، عام 1976.

في ذلك الوقت كانت مصر لا تزال في مرحلة التعافي من التبعيات التي خلفتها حربُ أكتوبر، وعلى الرغم من ذلك، كان للفن مكانه الذي يشكل جزءاً هاماً من الهوية المصرية على مدار تاريخها.

يوم 16 آب/أغسطس 1976، كان اليوم الأول لفعاليات الدورة الأولى من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، والتي تم تنفيذها على يد الجمعية المصرية للكتاب والنقاد السينمائيين.

وبعد هذا التاريخ بنحو سبع سنوات، أي في عام 1983، أسندت إدارة المهرجان مناصفة بين وزارة الثقافة واتحاد نقابات الفنانين، ليتولى رئاسة المهرجان في هذه المرحلة أحدُ أهم عمالة ورموز الفن في هذه المرحلة، وهو الفنان سعد الدين وهبة.

توفي  محمود يس في تشرين الأول/أكتوبر 2020 وتوقع الجميع أن تهدى له دورةُ مهرجان القاهرة السينمائي، الذي كان من المقرر أن يعقد بعد أقل من شهر من تاريخ وفاته، لكن رئيس المهرجان فاجأ الجميع بأنه لا تكريمات لمن رحلوا من الفنانين هذا العام

وتسلمها من بعده الفنان حسين فهمي لمدة أربع سنوات كاملة من عام 1998 إلى عام 2001، وانقطع بعدها عن رئاسة المهرجان، كي يتولاها في هذه المرحلة عدد من الأسماء الأخرى، أبرزها الفنان عزت أبو عوف، ليعود الفنان حسين فهمي، بعد مرور 21 عاماً إلى رئاسة المهرجان في دورته الـ44.

الكُتاب والمخرجون كان لهم نصيب كبير من عدم التكريم في القاهرة السينمائي، بل هم أشد تجاهلاً وتهميشاً من الممثلين أبطال الأعمال الفنية. السيناريست بشير الديك، والذي قدم للسينما العديد من الأعمال السينمائية المهمة، برفقة صديق عمره ورفيق مشواره الفني المخرج عاطف الطيب، عدداً كبيراً من الأفلام التي كانت تعبر بشدة عن الواقع المصري بداية من أفلامه الأولى "مع سبق الإصرار" (1979)، و"سواق الأتوبيس" (1982)، إلى فيلم "الكبار" (2010).

السينارست بشير الديك

بشير الديك، الذي يقترب من عامه الثمانين، قضى معظمها في تقديم أعمال جيدة للسينما، حصل على عدد من التكريمات، عدا تكريم القاهرة السينمائي.

في عام 1990، أعلن الاتحاد الدولي لجمعيات المنتجين السينمائيين عن أهم ثلاثة مهرجانات للعواصم، فجاء القاهرة السينمائي الدولي في المركز الثاني، بعد مهرجان لندن، بينما جاء مهرجان ستوكهولم في المركز الثالث.

"من قدم أعمالاً فنية هامة لا بد أن يكون له نصيب من التكريمات"

تقول ماجدة خير الله، الكاتبة والناقدة السينمائية، في تصريح لرصيف22، إن مهرجان القاهرة السينمائي، له طابع دولي، وهو مهرجان مهم على مستوى العالم، فمن غير المنطقي أن تُكرّم جميع الأسماء في دورة واحدة.

الناقدة والكاتبة ماجدة خير الله

وتضيف أن المهرجان يكرم فنانين من داخل مصر وخارجها، وإذا ما حرص المهرجان على تكريم الكثير من الأسماء الفنية المصرية، سوف يكون المهرجان منغلقاً على أهل الدولة، وبالتالي سوف تنتزع منه صفته الدولية.

وترى أن جميع الأسماء التي قدمت أعمالاً مهمة فعلاً، سوف يكون لها نصيب من التكريم، ولو مرة واحدة على الأقل، سواءً كان خلال دورات المهرجان الماضية أو المقبلة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard