"لدي أمور أهمّ من كرة القدم"... إنه مونديال مختلف للمنتخب الإيراني

السبت 19 نوفمبر 202212:43 م

لا فرحة في طهران قبيل بدء مباريات المنتخب الإيراني التي سيواجه فيها منتخبات إنكلترا وويلز وأمريكا، ضمن مجموعة B من كأس العالم 2022. ففي غضون وصول الفريق الإيراني إلى الدوحة، كشف أسطورة كرة القدم السابق  علي دائي، عن عدم قبول دعوة الفيفا للتواجد في مونديال قطر، فنشر أشهر نجوم الرياضة الإيراني على حسابه في إنستغرام: "في هذه الأيام التي قلوبنا حزينة فيها، رفضتُ دعوة الفيفا والاتحاد القطري الرسمية التي وُجّهت لي ولأسرتي، كي أبقى إلى جانبكم في الوطن، ولأعلن عن تضامني مع العوائل التي فقدت أحبتها في الأيام الماضية".

وعلى غرار علي دائي، أعلن الكابتن السابق جواد نِكونام، رفضه لدعوة قطر والفيفا للحضور في المونديال تضامناً مع المتظاهرين. أما الأسطورة السابق علي كريمي، والذي حوّل حساباته إلى منصة لأصوات المتظاهرين منذ شهرين، وتتهمه السلطات بأنه مثير للشغب، نشر دعوةَ رئيس الاتحاد القطري حمد بن خليفة بن أحمد آل ثاني، وهكذا رد عليها:

"شكراً للسيد محمد فخرو الذي أرسل هذه الدعوة عبر مدير أعمالي، بعد ما أخفاها عني اتحاد الجمهورية الإسلامية لكرة القدم. كما تعلمون، الشعب الإيراني يخوض فترة عصيبة وخاصة جداً، والإعلام الدولي لا يعكس نضالنا. ففي الوقت الراهن لدي أمور أهمّ من كرة القدم؛ أريد أن أبقى إلى جانب مواطنيّ، وأكون صوتهم". 

ومع استمرار حالة الاحتجاج القائمة في البلاد منذ شهرين ضد قوانين النظام الإسلامي التي تستهدف حريات النساء والشباب منذ ثورة 1979 حسب قول المتظاهرين، يختلف هذا العام الترقب الإيراني لأجواء كأس العالم في نسخته القطرية عن ما سبقه في العقود المنصرمة، فهناك من يرى أن ساحة المباريات ستتحول إلى ساحة  تضامن مع الاحتجاجات، وهناك من يطالب المنتخب أن ينأى بنفسه عن التوتر في البلاد.

36 ألف مشجع إيراني

يقول وزير الرياضة والشباب الإيراني حميد سجادي، إن 36 ألف إيراني سيحضرون قطر لمشاهدة المباريات، منهم 22 ألف سيتوافدون من داخل البلاد، و9 آلاف من الجالية الإيرانية المقيمة في الدوحة، و5 آلاف من الجالية الإيرانية حول العالم.

ثمة مراقبون للشأن الإيراني، يرون أن الجماهير من المحتمل أن تحول فرصة كأس العالم ذات الشعبية الواسعة عالمياً واللافتة للأنظار والإعلام الدولي، إلى فرصة لإبراز مخالفتهم مع سياسات طهران، والتضامن مع المحتجين داخل إيران.

"كما تعلمون، الشعب الإيراني يخوض فترة عصيبة وخاصة جداً، والإعلام الدولي لا يعكس نضالنا. ففي الوقت الراهن لدي أمور أهمّ من كرة القدم؛ أريد أن أبقى إلى جانب مواطنيّ، وأكون صوتهم"... اللاعب الإيراني علي كريمي

وقالت سَحَر، إحدى المشجعات الإيرانية، لقناة بي بي سي الناطقة باللغة الفارسية: "نذهب إلى قطر ولكن ذهابنا سيكون فقط من أجل صوت الشعب الإيراني، وشعارنا (المرأة، الحياة، الحرية)، كي يصل هذا الصوت إلى مسامع العالم".

ولا يُستبعد أن يمتدّ هذا التضامن إلى خارج الملاعب، وإلى وسط شوارع الدوحة،  أمام أعين الشعوب وكاميرات التصوير، وليس مستبعداً أيضاً أن تشهد مدرجات الملاعب، صراعَ  الأقوال والهتافات واللافتات بين داعمي الاحتجاجات من جهة، وبين أنصار الحكومة من جهة أخرى.

قبل أسابيع ومع بدء شرارة الاحتجاجات في طهران، عمل جزء من المعارضة الإيرانية في خارج البلاد على استبعاد المنتخب الإيراني من المونديال، كما دعمت هذا الطلبَ السلطاتُ الأوكرانية، احتجاجاً على المسيّرات الإيرانية التي تستخدمها موسكو في الحرب القائمة في تلك المنطقة، لكن الاتحاد الدولي لكرة القدم لم يردّ على هذه المطالب، بل دعا الدول المشاركة في المونديال إلى عدم الانجراف للأحاديث الأخلاقية  والسياسية في قطر.

في حين أن هناك ترقباً من نوع آخر؛ عيون المتفرجين في الملاعب، وأمام شاشات التلفاز، سوف تركز على اللاعبين، فالفوز على الغريم وحتى التأهل للدور الثاني، بات لا يحمل فخراً ولا فرحة لبعض منهم، بل ما يقع في دائرة الضوء الآن، هو عدمُ ترديد النشيد الوطني وعدم الاحتفال بعد تسديد الأهداف، تضامناً مع حالة الاعتراض السائدة في إيران.

قراءة النشيد الوطني تحت المجهر

في آخر مباريات ودية للمنتخب الإيراني ومنتخب نيكاراغوا قبل أسبوع من اليوم، تمرّد لاعبو كرة القدم على ترديد النشيد الوطني، سوى اثنين منهم، وهي حالة تضامنية سلمية مارسها الكثير من الرياضيين هذه الأيام في البطولات الوطنية والدولية. فقد امتنع كلٌّ من لاعبي المنتخب الإيراني لكرة الطائرة من وضع الجلوس، وفريق كرة القدم الشاطئية، ومنتخب كرة السلة، عن ترديد النشيد الوطني في الآونة الأخيرة.  

لا يحظى النشيد الوطني الإيراني، والذي يحمل عنوان "مِهر خَاوَران" (شمس المشرق)، ويشيد بنظام الجمهورية الإسلامية وقيَمِها، بمباركة جميع أطياف الشعب الإيراني، فالمعارضون والمحتجون يعتبرونه نشيدَ النظام، وليس نشيد الوطن. وطالما ردد الكثير من الإيرانيين في المنفى نشيد "إِيْ إيران" (يا إيران)،  والذي يستذكر الوطن وتاريخه وحضارته دون ذكر السياسة.

لا توقُّفَ لنشاط الرياضيين في دعمهم لمطالبات المحتجين بأشكاله المنوعة، بين من رفع الكأس دون احتفال وبهجة، ومن سدّد الهدفَ وقام بحركة رمزية تشير إلى الاحتجاجات، وبين من مارست نشاطها في السباق دون غطاء الرأس.

وكانت البداية مع الرياضية متسلقة الصخور إلناز رِكابي، التي شاركت دون غطاء الرأس، خلال بطولة آسيا في كوريا الجنوبية، ثم الرياضية بارميدا قاسِمي، التي اعتلت منصةَ الجوائز في دوري الرماية المحلي دون حجاب وعلى مرأى المسؤولين الإيرانين، في تحدٍّ صارخ لهم.

ولاقت كلُّ تلك أنواع التضامن في الميادين الرياضية، ترحيباً واسعاً  على منصات التواصل الإيرانية، في حين لم تمرّ أفعالهم/هن دون عقاب، فمعظم هؤلاء الرياضيين والرياضيات، تحملوا ضغوطاتٍ حكومية تطلب منهم/ن تقديمَ اعتذارات لانتهاكم/ن قوانين البلاد، حسب وسائل إعلام إيرانية معارضة.

كما طالبت وسائل إعلام حكومية، منها وكالة "فارس" للأنباء، وصحيفة "جَوان"، إضافة إلى بعضٍ من ممثلي المرشد آية الله علي خامنئي في المدن، بمعاقبة ومحاسبة الرياضيين الذين أساؤوا للنشيد الوطني أو قانون الحجاب، في الفعاليات الرياضية.  

وحول مخاوف الحكومة من عدم ترديد النشيد الوطني من قبل لاعبي المنتخب الإيراني في قطر وأمام أعين العالم، صرحت صحيفة "شرق" الإيرانية أن نواب البرلمان والمسؤولين الرياضيين أبدوا مخاوفهم من هذا الأمر، وقد حصل ذلك منذ المباريات الودية التي جرت بين فريق إيران ونيكاراغوا والتي لم يردد اللاعبون فيها  النشيد الوطني.

وفي مقال لها أكدت صحيفة "جوان"، على ضرورة التنسيق المسبق مع شرطة دولة قطر كي يتم منع دخول "المعاندين"، أو الحد من أفعالهم على المدرجات، أو منع دخول الأشياء المثيرة، ومنها الأعلام الإيرانية التي ترفعها المعارضة خارج البلاد، إلى الملاعب القطرية.

يسعى الاتحاد الإيراني على استبعاد أعضاء الفريق من الأحداث المتوترة في البلاد، ويمانع من أي تصريح أو حديث لهم مع وسائل الإعلام، ويحذر حتى من نشر أي منشور على صفحاتهم الشخصية في هذا المجال، بيد أن المحتجين يطالبون بدعم اللاعبين للاحتجاجات

أما مقال صحيفة "فَرهيختِگان" فقد تناول العلاقاتِ الحسنةَ بين إيران وقطر، وطالب السلطاتِ أن تجري مفاوضاتٍ لاستبعاد وتغيير محل إقامة الصحافيين المعارضين الإيرانيين من فندق "الريان"، حيث يقيم أعضاء المنتخب الإيراني. 

كما يسعى الاتحاد الإيراني على استبعاد أعضاء الفريق من الأحداث المتوترة في البلاد، ويمانع من أي تصريح أو حديث لهم مع وسائل الإعلام،  ويحذر حتى من نشر أي منشور على صفحاتهم الشخصية في هذا المجال، بيد أن المحتجين يطالبون بدعم اللاعبين للاحتجاجات.

وفي لقاء المنتخب مع رئيس الجمهورية قبل مغادرة البلاد، أشار إبراهيم رئيسي إلى أن البعض لا يريد فوز ونجاح الشباب الإيراني، لذلك يبحثون عن تشويش ضد تركيز المنتخب، وطالب أعضاء الفريق أن "ينتبهوا جيداً لكيلا تصرف بعضُ التيارات أو الأمور توجهاتِهم في سبيل كسب النتائج المشرّفة".

ولكن ثمة انتقادات طالت لاعبي الفريق الذين التقوا بالرئيس، وتحدثوا إليه، والتقطوا صوراً تذكارية معه، منها ما صرح به مدرب نادي برسبوليس الشعبي يحيى گُل محمدي،  الذي أعرب عن أسفه لصمت اللاعبين عن ذكر مأساة الشعب أمام الرئيس، كما رسم رسامُ الكاريكاتير الشهير هادي حيدري، رسمةً ساخرة للصورة الشهيرة التي نشرها مكتب رئاسة الجمهورية ويظهر فيها اللاعب رُوزبِهْ تشِمي مطيعاً أمام الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي.

قطر ساحة التضامن

تبقى عيون الإيرانيين محدقة بأفواه نجوم كرة القدم، متساءلة إن كانوا سيرددون النشيد ليعلنوا موافقتهم مع الحكومة، أم سيتمردون ليفصحوا عن تضامنهم مع الاحتجاجات؟ فيبدو هذا الانتظار المتحمس والذي سيأخذ أبعاداً كبيرة على شبكات التواصل الاجتماعي، هو الأهم في أجواء مباريات إيران والمنتخب البريطاني يومَ الاثنين المقبل.

وخلافاً للمونديالات السابقة، فقد امتنع نجوم الغناء والسينما من مرافقة المنتخب الوطني، تحسباً لغضب الشارع منهم، حيث نفى نجم الموسيقى الإيرانية  محمد مُعتَمِدي، مرافقتَه للمنتخب في قطر، بعد ما أعلنت إحدى وسائل الإعلام الحكومية أنه فنان المنتخب الرسمي، مصرحاً: "منذ اليوم الذي لم يهدأ وطني فيه، لم أعد قادراً على الكلام، فما بال الغناء؟".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard