جرح صغير في أصل الحبّ... ستنزفين منه طويلاً

السبت 19 نوفمبر 202212:45 م

في ليلة عرسي

 

أكره فساتين الزفاف البيضاء، كما أكره الأشياء التي تبثّ فيّ الأمل، ثم تمتصّه مرّة واحدة من جسدي وتلقيه خارجه، وتتركني أعاني جفافي وأمراضي. أكره الزفاف. أكرهه لأنني اعتدت أن أستبدل حاجتي بالاستغناء، أتخلّى لكي أملك، لأملك نفسي وقلبي وأملي.

أثر الفراشة

أظن أن نظرية "أثر الفراشة" هي نظرية لشرح الفوضى التي يمكن أن تحدث وفي عدة جهات بعد حدث أولي بسيط. أشعر أن تلك الاستعارة اللفظية هي بالضبط ما يحدث بعد السقوط في الحب الذي يلازمه أمل الفستان الأبيض. تعود اللهفة داخلك نحو شخص ما، بعد سنوات من القحط، تعود بصعوبات تشبه المعجزة. يدقّ القلب بانتظام، ويسكن شرايينه الحبيب، بعدما وافق عليه العقل، ووجد فيه الحد الأدنى من كل ما أصبح يحتاجه ويدركه.

تأتي الألفة ومعها الاطمئنان، فتتحدّثين عن كل أوجاعك. تخبرينه بنضجك الجديد، ومميزاتك وعيوبك، ولمَ تركت أنت فلاناً، وكيف خُذلت وخَذلت، وكيف أصبحتِ مولودة من جديد في حضرة الألم والإدراك. تسوّقين لكيانك وتلمّعينه بمصداقية كبيرة وقليل من الزيف.

تمرّ الأيام وتزداد الأشياء لمعاناً وروعة، وثمن كل اللحظات بينكم يزيد، وتتحقق النبوءة: أخيراً هنا حبيب يليق بسنوات الألم والوحدة. تفرحين بنفسك كثيراً لأنك ثابرت وأصبحت حبيبة جيدة، خرجت خارج ذاتك تماماً، وتقبّلت كل ما قيل فيك في الماضي، حتى الذي كان افتراء. ستسيطرين على المشاكل التي تظهر بينكما في نقاط واضحة، وتتخلّين عن غضبك، وتكتشفين كم أصبحت عاقلة وصبورة وهينة، وكيف احتفظت بعطائك وما زلت حنونة، وستصلين ليقين كبير بأنك أفضل نسخة الآن من نسخك القديمة، ونسخ كل العشاق، وكل البشر، وفي يوم وليلة، ومن دون أي مقدمات، سينتهي كل شيء، وتعود مواسم القحط والجوع.

تعود تلك الليلة التي يسقط فيها قلبك لسابع أرض، وينبت مكانه قرص كالشمس، لا يشفيه طبٌّ ولا آيات. تصبح دقاته تؤلمك وكأنها تسير بشكل عكسي، تصاب المنطقة الخارجية لقلبك بالحمّى، الألم سيفرض نفوذه عليك، ستنتهي كل الألوان، لأن لا أحد يرى في السواد.

تبحثين من جديد عن أفضل الأطباء النفسين في المدينة، وعن الأصدقاء القدامى السخفاء، للاختباء في أحضانهم. سيشرد عقلك عن مسلسلك المفضل كل ثانية، وستمضين الليلة تعيدين المشاهد، وحين تتأملينها ستصبح خنجراً جديداً مسموماً يصيب قلبك. كل مشهد رومانسي سيشعرك بالكراهية وسترسلين لصنّاعه اللعنات، كل مشهد يتحدث عن المتاعب، سترتجف أطرافك أمامه، لأنه سيدعم داخلك حقيقة صعوبة الحياة.

ستسيطرين على المشاكل التي تظهر، وتتخلّين عن غضبك، وتكتشفين كم أصبحت عاقلة وصبورة وهينة، وكيف احتفظت بعطائك وما زلت حنونة، وستصلين ليقين كبير بأنك أفضل نسخة الآن من نسخك القديمة، ونسخ كل العشاق، وفي يوم وليلة، ومن دون أي مقدمات، سينتهي كل شيء، وتعود مواسم القحط والجوع... مجاز

أيام، ويعود الحبيب للاتصال بك، والتحايل على الموقف مرّة وألف، ستغفرين له من قبل أن يعتذر، ويعود قلبك مستقرّاً، وجلدك بارداً، وروحك طليقة، وكأنك لم تحترقي حتى الرماد، وقبل أن تمر الدقيقة الخامسة من المكالمة، سيلقي بداخلك قنبلة مسيلة لكل الحياة التي عادت لك. يعود يعانقك الصمت والبكاء، وتحلّق عليك مبرّراته، سيخبرك بأن غضبه من العمل، وتصدّقينه، مشاكله كثيرة وأنت لا تعلمين عنها شيئاً، وتصدّقينه، ثم تأتي مرحلة قلب طاولات نقاشاتك، ورفض ألمك ومبرّراتك، وتصبح كلماتك مستفزّة للأعصاب.

صوتك محتقن وهذا ممنوع، دموعك كثيرة وهذا مؤذٍ، كلماتك تدل على أحكام عليه وهذا غير مقبول، حتى ألقاب الدلال دمها أصبح ثقيلاً ومثيراً للاشمئزاز. صوته الحنون سيرتدي عباءة مرعبة، ويبثّ في قلبك الخوف والاضطراب، حنانك سيعتبر محاولة لتعتيم القضية، النميمة المشتركة بينكم ستصبح عادة سيئة، وسينصحك بالتوقف عنها، تفاصيلك جميعها هي كراكيب دخيلة على حياته ومكانها الصحيح هو المخزن. سيهبك جسده طوال الليل، حتى لا يشعر أبداً أنه السبب في الخراب، وفي الصباح سيذكر أنه فقد قدرته على الانبساط بشكل عام، وفقد شغفه وكل طاقته.

سينصحك أحدهم بأن تظلي محتفظة بقلبك النقي، وستسألك أخرى إن كنت بقلب نقي فعلاً؟

 كل مواهبك غير حقيقة، وكل هواياتك بلا جدوى، كل مواقفك التي تبنّاها سابقاً هي بالتأكيد مؤلفة، وكل شي سيصبح ضدك وكأنك قتلت الأرض جميعاً. تعودين للبكاء والنحيب والتعهد بعدم العودة، ستصبح الفائدة الوحيدة لنضجك هي مواساة نفسك، وإيقاف الأذى، والمبادرة بالانسحاب. ستتحدثين لنفسك عن مميزاتها أناء الليل وأطراف النهار، ستنهضين لممارسة عملك بأفضل إمكانيات، ستواعدين أصدقاءك يومياً، وتطلّين عليهم بأرقى مظهر لك، ولن تتحدثي معهم أبداً عن ألمك، وفجأة تسيطر عليك مشاعر كراهيتك لنفسك، وتصدقين فيها كلّ سيء وكل شيء مهما كان لا يمت للحقيقة بشيء.

تعودين فجأة لتأكلي من قمامة العلاقات، سترفضين من يحاول التعرّف عليك في البداية، ثم ستسلّمين له حتى ينتشلك من البرد، ستمضين أياماً معه بشغف، تظنّين فيها أنك قد نجوت، وسريعاً ستنتهي، وتكتشفين كم أنت شخص متألم ومملّ وضعيف، وسيثبت لك حبيبك الوهمي كم هو الآن حبيبك الذي تركك في نعيم، ستظلّ الأشياء تتكالب عليك، ستفقدين وزنك، ونضارة وجهك، ستصبحين مدخّنة بشراهة، وعصبية بغرابة، وكئيبة بغرق، سوداوية لدرجة قاحلة.

ستطرق بابك الأمراض النفسية، وستضعين كل واحدة منها في سرير، وتسمحين لها باستضافة أقاربها: "الرهاب الاجتماعي، البانيك أتاك، القلق المزمن، الأرق الطويل"، وفي ظلّهم ستفقدين كل أصدقائك، وكل إمكانياتك في التواصل، لأنك هشّة وحساسة، ووحيدة وسخيفة، ومخذولة ومسكينة... مجاز

ستفقدين ثباتك الانفعالي وستتحدثين عن جرحك لكل العابرين: زميل جديد، سائق التاكسي، ممرض الاستقبال، وتتحوّلين لشخص يتغذّى على الألم، حتى يمضي عام واثنان، وتأتيك اليقظة، وتلتئم جروحك، وتقفين على قدميك، وتصلّبين ظهرك، وتعودين لترممي صورتك بصعوبة لا يمكن تصورها، بعدما حفظتك العيادات، والحانات، والشوارع، بعدما أنفقت نصف معاشك على المناديل، والنصف الآخر على الأدوية وقطرات العيون، وحين تصبح جذورك اليابسة على ماء خفيف، وأوراقك المصفرّة زارها الأخضر، ستعودين للحياة، لكن قدرتك على الإثمار والازدهار مستحيلة.

امتداد الأثر

شفاء جرحك وأنت بالغة وناضجة يشبه التعايش مع الأمراض المزمنة، لا علاج نهائي للألم، أي إهمال صحي أو تعرض للخطر، ستعودين مريضة مقيمة في الفراش. لن تعودي للحب، بل للبحث عن إجابات حولك. سيخبرك طبيبك النفسي بعد أول ربع ساعة من الجلسة المائة، أنك أصبحت تفهمين نفسك جيداً، وتفهمين أبعاد ونفسية من كان حبيبك، وكل من حولك، وستدركين أن العلة الآن لا علاج لها. ستعودين للبيت بكيس مليء بالأدوية التي تساعد على استقرار المزاج والهدوء، وتحسين النوم، فقط.

ستسائلين صديقتك أين المشكلة؟ وستخبرك أنها فيك، وفي فرط عطائك، وأخرى ستخبرك بأنها فيهم لأنهم ضعفاء أو مرضى. سينصحك أحدهم بأن تظلي محتفظة بقلبك النقي، وستسألك أخرى إن كنت بقلب نقي فعلاً؟ وتصبح كل مزحة جرحاً غائراً يعمّق مدى انعدام استحقاقك، وتصبح كل فكرة عابرة فيروساً يضع بيضه المقزّز فوق جرحك، ليفقدك مناعتك، وتموتين ببطء رهيب، وتعود رغبة البحث عن مخرج، فتصابين بتشويش أنك قادرة على الكتابة. ستدفعين مبالغ طائلة لتتدربي على أداء الصوت، وعلى العزف، وتعلّم اللغات، ولن تجني منها سوى المزيد من شعور اليأس والمرارة والإحباط، لأن ما يدفعك هو ديدان الألم.

الجميع كان يرى أنه من الأفضل أن يحدث ذلك، ولا يحدث ذلك لك. الجميع كان على يقين من تلك النهاية عدا أنت، والجميع أيضاً كان لديه أمل بأن تكملي لوحة حبك، لكنك أفسدتها بعصبيتك، بأفكارك النسوية، وكأنك ظلّ فارغ جالس حولهم. أخبرتهم في يوم بأنك تحبين فلاناً، وستظلين ليوم موتك تبرّرين لهم لماذا رحل فلان.

وكل شي سيصبح ضدك وكأنك قتلت الأرض جميعاً.

ستتعلّمين كيف تقرأين من حولك، فتزداد وحدتك حدّة، ستقرأين الأنانية والجبن والنرجسية، وستجدين تطبيقاً طويلاً عريضاً لمعنى الهروب. ستكتشفين أن علّتك وعدوك اللدود اسمه انعدام الثقة في النفس والمواقف، وستتعرفين على دور الضحية والمنقذ الذي لبسك سنوات، وستعيشين أخيراً دور الجاني بوعي حتى لو لم تقصدي، ستطرق بابك الأمراض النفسية، وستضعين كل واحدة منها في سرير، وتسمحين لها باستضافة أقاربها: "الرهاب الاجتماعي، البانيك أتاك، القلق المزمن، الأرق الطويل"، وفي ظلّهم ستفقدين كل أصدقائك، وكل إمكانياتك في التواصل، لأنك هشّة وحساسة، ووحيدة وسخيفة، ومخذولة ومسكينة. ستخاف صديقاتك على أزواجهن منك، وعلى أبنائهن من عيونك الحاسدة، وستصبحين ابنة الكرة الأرضية المنبوذة، ستتوه الأسباب، وتعجز الإجابات، وتفقدين ذكرى البداية، ومعرفة النهاية.

زفاف المراهقة الملكي

ستجبرك الأيام والوحدة واليأس على التحايل على نفسك، على العودة ببلوغك للوراء، ستصبحين مراهقة مرهقة، ترتكب حماقات ولكن بوعي متعب وقلق طويل، لتُزفّي في حفل ملكي، وتجلسين على عرش الملكات، بين وصيفاتك وشعبك العريق، وتشعرين بالأنس وأنت بجوار شخص بالغ، عاد أيضاً ببلوغه إلى الوراء، هو الآخر مراهق مرهق، وسترتدين الأبيض، وستظل عيناك خلال الزفاف ترفضان كل شيء حولهما، تريان وتستوعبان وتدركان فقط، نظارات وشرود وتيه البالغات، اللواتي يرون أن فستانك حلم بعيد لم يتحقق أبداً، إلا بعودتهن مراهقات.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard