جناب اللواء وأرخص دكتوراه في العالم (1 من 2)

الخميس 17 نوفمبر 202208:41 ص

كان اكتشافاً مربكاً، لكنه كان أيضاً اختباراً مبكراً لقدرتي على الرفض التي أدين لها بالكثير.

بدأت الحكاية مع بداية الإجازة الصيفية التي أعقبت عامنا الجامعي الثالث، حين دعانا أستاذنا الجليل إلى لقاء عاجل بمكتبه الجديد الذي افتتحه في أحد شوارع "وِسْط" القاهرة، فظننا أنه سيفتتح مركزاً على الضيق للخدمات الصحفية والإعلامية وأننا مدعوون للعمل فيه، خاصة أنه كان يعرف أنني وصديقي الأعز نعمل في بعض مكاتب الصحف الخليجية في القاهرة والتي كانت وقتها مصدر الرزق الأبرز لأغلب صحفيي مصر من مختلف الأجيال، لكننا اكتشفنا أن الموضوع ليس فيه صحافة ولا إعلام، وأن أستاذنا قرر أن يتحول إلى مقاول أنفار في مجال البحث العلمي.

دون مقدمات، قطع الدكتور عِرق الحياء الأكاديمي وسيّح دمه، وقال إن المهمة التي يريدنا فيها ليست صعبة على الإطلاق، ومع ذلك "مكسبها حلو وأبرك من التنطيط بين مكاتب الجرايد عشان ملاليم".

دون مقدمات، قطع الدكتور عِرق الحياء الأكاديمي وسيّح دمه، وقال إن المهمة التي يريدنا فيها ليست صعبة على الإطلاق، ومع ذلك "مكسبها حلو وأبرك من التنطيط بين مكاتب الجرايد عشان ملاليم"، وحين قرأ على وجوهنا أن دخلته كانت أنشف من اللازم، قرر العودة إلى المقدمة التي كان قد تخلى عنها، وقال إنه في الآخر "من السيدة"، ولذلك حدثنا بلغة أولاد البلد الذين لا يحبون اللف والدوران، وأنه لم يخترنا لهذه المهمة فقط لأننا أكفاء ومنجزين، بل لأنه أيضاً يثق في رجاحة عقولنا وأننا لن نفهمه غلط، وهو ما ترجمناه فوراً إلى أنه يظن إذا رفضنا عرضه السخي، لن نسيء إلى سمعته المرموقة ونسيّح له في الكلية.

قبل أن يروح بالنا لبعيد، قال إنه أنشأ المكتب مع شريك له، للقيام بخدمات بحثية للباحثين العرب والأجانب الذين لا تتيح لهم ظروفهم المجيء إلى القاهرة لإنجاز ما تتطلبه دراساتهم الأكاديمية من زيارات إلى المكتبات والأرشيفات ودار الوثائق ومعهد المخطوطات العربية، بالإضافة إلى زيارات لبعض الشخصيات التي يتطلب الأمر مقابلتها والحصول منها على إجابات أو توضيحات، وأضاف أنه يتعاون في هذه المهمة مع زملاء له يلعبون دور الوساطة مع الباحثين، وحين أضاف إن المسألة ليست بعيدة عما نقوم به في عملنا في المكاتب الصحفية العربية، استدرك صديقي وقال له إن هناك فارقاً مهماً وهو أن أسماءنا لن تنشر على الأبحاث التي سنشارك فيها، غضب الدكتور وقال إنه لن يرضى أبداً بأكل حقوقنا الأدبية، ولذلك سيصر على توجيه شكر لنا في مقدمات الأبحاث والرسائل العلمية التي سنشارك فيها، مشدداً على أن مشاركتنا ستقتصر على مهام مساعدة ومحددة، لكن الجهد البحثي الأكبر سيبذله صاحب الدراسة الذي لم تسمح له الظروف بالقدوم إلى القاهرة.

لم تستهوِ المهمة صديقي الذي يستثقل ظل كتب التراث، لكنني رجوته أن يؤجل اعتذاره لكيلا تطير منا المهمة التي نويت أن أستقدم الفتاة التي أحبها لكي تشاركنا فيها، وتكون تلك فرصة لكي أراها في شهور الصيف التي يعزّ فيها اللقاء

كان المقابل المادي الذي عرضه من أجل إنجاز المهمة الأولى فاتحاً للشهية ومسكتاً للتحفظات، فقد كان يعادل قيمة عمل ستة شهور في "أجعص" مكتب عربي، والمهمة نفسها كانت جديدة ومثيرة للفضول: المشاركة في تحقيق مخطوطات سيحصل بها باحثون خليجيون على الماجستير، ومثيرة للفخر أيضاً لأنني توهمت أنني سأنتقل خبط لزق من مجال التحقيقات الصحفية إلى مجال تحقيق المخطوطات لأصبح زميلاً لـ "كبارات المجال" عبد السلام هارون والشيخ شاكر وإحسان عباس ومحمود الطناحي وغيرهم من الأفذاذ الذين كنت أعتز باقتناء الكتب التي تحمل توقيعهم.

لم تستهوِ المهمة صديقي الذي يستثقل ظل كتب التراث، لكنني رجوته أن يؤجل اعتذاره لكيلا تطير منا المهمة التي نويت أن أستقدم الفتاة التي أحبها لكي تشاركنا فيها، وتكون تلك فرصة لكي أراها في شهور الصيف التي يعزّ فيها اللقاء، وتعهدت لصديقي بأنني سأقوم عنه بأغلب العمل مع الاحتفاظ بنصيبه في المكافأة، حتى تحل حبيبتي خلفاً له، وحاججت بأن التردد على معهد المخطوطات العربية لساعات محددة كل يوم، أرحم وأبرك بكثير من التنطيط طيلة اليوم بين المسارح واستديوهات التصوير لالتقاط أخبار زهيدة الثمن والمضمون، والتحايل على الفنانين والفنانات للتغاضي عن كوننا طلبة نكرات، ومنحنا حوارات صحفية لا يعرفون ـ ولا نعرف ـ من سيقرأها.

ولأننا كنا ملزمين بإنجاز حد أدنى من الصفحات كل يوم، فقد اتضح لنا سريعاً أن ما سنكسبه من هذه المهمة، سيروح أغلبه على علاج العيون والرقاب وعظام الظهر وعضلات السواعد التي ستلعننا بعد عمر قصير

حين ذهبنا إلى شارع محيي الدين أبو العز الذي يقع فيه المعهد التابع لجامعة الدول العربية، وبدأنا في استخدام أجهزة الميكروفيلم الذي يحتفظ بعدد مهول من المخطوطات، اكتشفنا أن المهمة أغلس وأصعب مما تخيلت، كنت قد اكتشفت قبل ذلك أنها أبعد عما يقوم به الأكابر والأصاغر من محققي التراث، فقد أعطانا الدكتور نسخة مصورة من مخطوطات دواوين شعرية قديمة حصل عليها الباحثون الذين نعمل معهم من المكتبة الظاهرية في دمشق ودار الوثائق في اسطنبول، وكان علينا أن نقوم بمقارنة النسخ المصورة التي لدينا بالنسخة الموجودة في مصر، ونرصد أي اختلافات بين النسخ، حتى لو كانت نقطة أو فاصلة، أما كل ما يعقب ذلك من تفسيرات للاختلافات أو شرح للمفردات أو السياقات، فهو أمر لا علاقة لنا به، ولأننا كنا ملزمين بإنجاز حد أدنى من الصفحات كل يوم، فقد اتضح لنا سريعاً أن ما سنكسبه من هذه المهمة، سيروح أغلبه على علاج العيون والرقاب وعظام الظهر وعضلات السواعد التي ستلعننا بعد عمر قصير.

قبل نهاية الصيف، وحين فشلت قصة حبي التي اتضح أنها من طرف واحد أهبل، بدا أن التنطيط بين المسارح والاستوديوهات ألذ وأمتع بكثير من تمقيق العيون في الخطوط المبهمة والحروف المدغمة.

قبل نهاية الصيف، وحين فشلت قصة حبي التي اتضح أنها من طرف واحد أهبل، بدا أن التنطيط بين المسارح والاستوديوهات ألذ وأمتع بكثير من تمقيق العيون في الخطوط المبهمة والحروف المدغمة، ولذلك قررت اللحاق بصديقي الذي "فيّص" وأعلن استسلامه بعد أول أسبوع، واعتذرت للدكتور الذي استقبل اعتذاري بابتسامة كاظمة للغيظ، وقال إن اعتذاره أكد له صحة انطباعي عن كوني فقرياً يفضل الهلس على الانضباط، وأن الحياة الأكاديمية التي سألتحق بركابها بوصفي الأول على دفعتي، تتطلب التدريب على التصاق المؤخرة بالكرسي واستعواض ربنا في العيون والظهر والرقبة والذراعين، ولم يكن من اللائق أن أصارحه بأنني أؤمن أن "الحياة هي في مكان آخر" بعيداً عن الجامعة وعقمها، واكتفيت بلوم عزيمتي الرخوة وهمتي الكسولة، واستأذنت في الانصراف قبل أن يعود لوصلة بايخة من اللوم والتقطيم، لاعناً شقة مكتبه التي ظننت أنها ستكون ملعباً لغرامي الملتهب، فلم أنل منها إلا خيبة الأمل وطلوع ثمانية أدوار كل مرة، لأن الدكتور وشريكه رفضا نتانة منهما دفع فلوس الأسانسير.

لم أكن أعرف أن المخطوطة اليتيمة التي شاركت في تحقيقها ستنال إعجاب الباحث الخليجي، لأنني بفعل هوس التجويد الذي يتملكني، قررت أن أتصدى لكتابة أوراق تشير إلى باقي ما يوجد لصاحب المخطوطة من مخطوطات في المعهد وفي دار الوثائق والكتب القومية، ناقلاً بعض ما جاء عنه من معلومات في كتب أخرى وجدتها في مكتبة المعهد، اعتقدت أنها ربما لا تكون متاحة للباحث في مكتبات بلاده، وهو ما أسعده فطلب من أستاذي أن يوصلا لي تقديره مصحوباً بمكافأة إضافية، وهنا قرر شريك أستاذي أن يستغل الفرصة، فيعرض عليّ الاشتراك في كتابة رسالة دكتوراة لباحث خليجي تأخر إنجازها بسبب مشاغله، ولأن الرسالة ستكون في مجال الإعلام، ملعبي، فلن يكون إنجازها صعباً على جهبذ مثلي تخرج للتو بترتيب الأول على دفعته وبمرتبة شرف شجعت الباحث الخليجي على تفضيل التعاون معي في مهمة لا علاقة لها بالشرف.

حين تلقيت ذلك العرض في ذات المكتب اللعين، كان أستاذي وشريكه قد تحسنت أحوالهما، فاشتركا في الأسانسير، وجددا أثاث المكتب الذي وجدته عامراً بطلبة مستجدين ليس لديهم فرص أفضل، لكن أستاذي نفسه لم يكن موجوداً يومها، ليس لأنه كما عرفت فيما بعد كان يتشكك في قبولي للعرض الكريه، بل لأنه لم يرد أن يرتبط حضوره بعرض صفيق لا يمكن تبريره أو الدفاع عنه، أما شريكه فقد كان يظن أنه لن يحتاج إلى تبرير أو تنظير، بمجرد أن أسمع رقم الخمسة وعشرين ألف جنيه الذي عرضه ثمناً للقيام بالمهمة.

كان من شأن ذلك المبلغ أن يغير حياتي بشكل كامل في تلك الأيام من صيف 1995، يعني، أقل شيء كان سيتيح لي شراء شقة في الحارة التي كنت أسكنها في الجيزة

كان من شأن ذلك المبلغ أن يغير حياتي بشكل كامل في تلك الأيام من صيف 1995، يعني، أقل شيء كان سيتيح لي شراء شقة في الحارة التي كنت أسكنها في الجيزة، ويخرجني مؤقتاً من الضنك الذي وعدني شريك أستاذي أنني لن أعود إليه أبداً لو "سِبْت له نفسي"، وهي عبارة قالها بجدية تامة، لكنني رأيت على الفور قرنين نابتين من رأسه، كالذين وضعهما صلاح أبو سيف خلف محجوب عبد الدايم بطل فيلمه (القاهرة 30)، فانفجرت في ضحك حاد وضعت فيه غضبي وإحساسي بالقرف والإحباط، وغادرت المكتب مسرعاً ليكون آخر ما سمعته من شريك أستاذي عبارة: "طب نخليهم تلاتين".

...

نكمل الحكاية الأسبوع القادم بإذن الله.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard