شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
ضد قُبلات هند رستم... قوانين مشاهدة التلفزيون في الريف المصري في مواجهة "نتفلكس"

ضد قُبلات هند رستم... قوانين مشاهدة التلفزيون في الريف المصري في مواجهة "نتفلكس"

حياة نحن والحريات الشخصية

الثلاثاء 15 نوفمبر 202202:35 م

في ليالي الشتاء القارصة من سبعينيات القرن الماضي، كان منزلنا هو مجمع الأسرة وملتقى الأحباب، يومياً مع حلول الليل بظلامه الداكن في القرية التي تفتقر إلى خدمات إنارة الشوارع إلا من مبادرات فردية، كانت الدنيا تمطر علينا الكثير من الأحبة والأصدقاء واحداً تلو الأخر، فبيتنا هو البيت الوحيد في القرية الذي يحظى بشاشة تلفزيون صغيرة، تستقبل بث التلفزيون الحكومي الذي لم يخرج عن قناتين اثنتين، كنا محظوظين بسفر أبي ضمن مزارعين مصريين كثيرين عملوا في هذه الفترة في العراق، قبل أن تتورط الدولة الخليجية البالغة الثراء في حروب عبثية، كان المصريون لها ضحايا أيضاً، ولكن لهذا حديث آخر. 

اشترى أبي جهاز التلفزيون وأتى به من العراق، وبفضله، ظل منزلنا حتى منتصف الثمانينيات تقريباً مقصداً لأهل القرية وملتقاهم، وفي تجمعهم، ولدت قوانين وعادات ظلت راسخة سنوات طويلة، حتى مع تطور البث وزيادة عدد القنوات وبداية عصر الفضائيات، حتى ما قبل ظهور تقنيات البث الرقمي حسب الطلب والذي صارت "نتفلكس" علماً عليه. 

اشترى أبي جهاز التلفزيون وأتى به من العراق، وبفضله، ظل منزلنا حتى منتصف الثمانينيات تقريباً مقصداً لأهل القرية وملتقاهم، وفي تجمعهم، ولدت قوانين وعادات للمشاهدة ظلت راسخة سنوات طويلة، حتى ظهور تقنيات البث الرقمية الجديدة

طقوس المشاهدة المتكررة كانت تتضمن التحديق في الشاشة الصغيرة على ضوء النار المشتعلة أسفل براد الشاي في جانب من الحوش الكبير أمام المنزل، بينما يتسلق شاب يبلغ العشرين بالكاد جدار المنزل غلى السطح ليضبط الإشارة. ولكن ما بين الحين والآخر، تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، لتفسد اللمة بفراغ بطارية التلفزيون، أو بمشهد "ساخن" في فيلم السهرة، لا يتعدى غالباً قبلة بين البطلة والبطل. في البداية كان يعلو الذهول الوجوه، ومع الوقت، حل محله الخجل أو الضيق، كون المشاهدين المتحلقين يعتبرون في هذا الفعل الحميم خروجاً على العادات والتقاليد يستوجب غلق التلفزيون وانفضاض الجمع أحياناً.

ما قبل التغريب

 في دراستها "دور المرأة بين التراث والتغريب الثقافي" المنشورة ضمن المؤل الأكاديمي "بحوث ودراسات شعبية"، تتناول الدكتورة سمر سعيد شعبان ألواناً شعبية للترفيه، تراجعت كثيراً مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي طالت الريف المصري، وتراجع معها المزاج الشعبي عموماً والريفي خصوصاً نحو المزيد من المحافظة. 

"كان منزلنا يومياً يعج بالعشرات من أصدقاء أبي وعمي لمشاهدة التلفزيون، لذا كانت مهمتي اليومية هي أن استقل حماري وأتوجه إلى المركز من أجل شحن بطارية التلفزيون لليوم الجديد"

بحسب دراستها ترصد شعبان ما تسميه "حالة من هستيريا التقليد الأعمى" ظهرت في جميع جوانب الحياة في الريف المصري، "في مأكلهم ومشربهم وملبسهم وكافة أنماط معيشتهم، ما جعلهم يبتعدون عن الجذور الثقافية التي ينتمون إليها ومحاولة التخلي عن كل ما هو موروث ثقافي كان يظهر طبيعة كل مجتمع وتميزه عن الآخر من خلال مجموعة من العناصر الهامة المؤثرة في حياة الفرد".

عودة إلى ماضٍ قريب

 في قرية صغيرة بدلتا مصر، عاش محمد سامي الرجل البالغ من العمر 50 عاماً، في صباه، كان موكلاً من قِبل عمه بمهمة شحن بطارية التلفزيون من المركز القريب من قريتهم، وذلك لعدم وجود كهرباء بتلك القرية الصغيرة التي يعيشون بها. 

يروي محمد ذكريات طفولته في حديثه لرصيف22: "كان هذا في أوائل الثمانينيات، حيث يعيش الجميع في عتمة الظلام الداكن طوال الليل، أو على ضوء قنديل نيرانه خافته تتلاعب بها الرياح، إلى أن عاد شقيق أبي من العراق بحوزته تلفزيون جلبه من هناك، ويعمل ببطارية يتم شحنها يومياً، حيث كان منزلنا يومياً يعج بالعشرات من أصدقاء أبي وعمي لمشاهدة التلفزيون، لذا كانت مهمتي اليومية هي أن استقل حماري وأتوجه إلى المركز من أجل شحنها لليوم الجديد".

 يتذكر الرجل الخمسيني كل شيء، ومن أهم ما يتذكره، مساحة وجود النساء في تلك التجمعات. يقول: "هذا التجمع اليومي في حوش منزلنا الكبير كان يحتضن بعض نساء العائلة، لذا كانت هناك قوانين وعادات تحكم الجميع في المجلس، مثلاً عدم التلفظ بأي كلام خارج المألوف، أو المزاح بطريقة شبابية لا تعتد للحياء كما يحدث في جلسات الرجال عادة، يمتد هذا للمواد التي نشاهدها في التلفزيون، فوجود النساء بيننا يعني ألا نشاهد أفلاماً أو مسلسلات فيها قصص حب أو تلامس بين الرجال والنساء أو أي شيء يخالف تقاليدنا التي تربينا عليها".

من الأمثلة الدالة التي يذكرها محمد، واقعة مشهد في فيلم "صراع في النيل" الذي صودف عرضه ذات ليلة في صباه "كنا نميل إلى الأعمال السينمائية أو الدرامية التي تدور أحداثها في الصعيد أو الريف، لأنها كانت تشبهنا ونتعاطف معها. وذات مرة، اجتمعنا لمشاهدة فيلم (صراع في النيل) للفنان رشدي أباظة، وعمر الشريف، وهند رستم، وعاش الكل مع أحداثه الجميلة حتى جاء مشهد القبلات الحارة بين محسب (عمر الشريف) ونرجس (هند رستم) فقام عمي على الفور وأغلق التلفزيون لأن نساء العائلة كن يشاهدن فيلم السهرة معنا، ولا يجوز مشاهدة هذه الأمور في وجودهن".

 بحسب المصادر التي تحدثت إلى رصيف22 من قرى مصرية في الدلتا والصعيد، لا تزال اللغة تشكل حاجزاً فائقاً بين سكان الريف والتعرض للمضامين الأجنبية حتى وإن عرضت مصحوبة بترجمة، خاصة بين من تخطوا مرحلة الشباب

تغيرات اجتماعية وتكنولوجية

 مع بداية التسعينيات، لم يعد وجود التلفزيون شيئاً نادراً بالقرى، ولم يعد وجوده مقتصراً على بضعة بيوت في كل قرية، الانتعاشة الاقتصادية الناجمة عن إسقاط بعض الديون المصرية وما نالته مصر من منح جديدة نظير مشاركتها في حرب تحرير الكويت، جعلت إمكانية الحصول على أجهزة تلفزيون صغيرة أمراً ممكناً لدى كثير من البيوت المصرية، فتراجعت التجمعات الكبيرة وصار تجمع الأسرة الواحدة حول التلفزيون هو العادة الجديدة، ومع اتجاه السياسة الإعلامية إلى التوسع في الدراما التلفزيونية المحافظة بطبعها مقارنة بالاعمال السينمائية، بات التجمع حول شاشة التلفزيون مناسباً أكثر للمزاج المحافظ للريفيين وابناء الطبقة الوسطى في المدن.

 يقول أحمد رجب الشاب الثلاثيني الذي عاش طفولته في سوهاج بصعيد مصر، إن مشاهدة التلفزيون كان لها نمط معين في بيوت القرى الصعيدية، وإن كان الراديو يحتل لديهم مكانة أكبر بكثير من تلك التي احتلها التلفزيون قبل عصر الفضائيات الذي قاد بدوره إلى بعض التحولات في أنماط المشاهدة.

يقول رجب إن التلفزيون كان يلعب دوراً مهما في التجمع الأسري اليومي، لأن الريف بطبعه يتسم بالهدوء على خلاف المدن، فلم يوجد في القرية أماكن للتنزه يذهب إليها الشباب، وبالتالي كان التلفزيون خلال الثمانينيات والتسعينيات هو أهم وسائل الترفيه والتجمع الأسري، لكن مشاهدة الأفلام السينمائية المعروضة على الشاشة الصغيرة ترتبت له قواعد مختلفة، منها قرار كبير الأسرة بشأن الفيلم ومن يسمح له بالسهر لمشاهدته إن كان الفيلم معروفاً عنه وجود بعض المشاهد الحميمة التي لا تعدو غالباً قبلة بين البطلين أو تلميحاً إلى الحميمية بينهما.

لكن كيف يواجه رؤوس الأسر التغيرات التكنولوجية التي جعلت تلفزيون الدولة وقنواته القليلة الرسمية المحافظة تغيب عن الشاشات لصالح فضائيات لا تتمتع بذات القدر من الرقابة وتعامل الأجيال الأصغر سناً مع أنماط المشاهدة الرقمية الجديدة؟

بعض من تحدث إليهم رصيف22 وجد أرباب أسرهم الحل في منع مشاهدة أية افلام أو مسلسلات أجنبية عبر الشاشات مكتفين بمشاهدة قنوات الافلام العربية التي تعرض الافلام الكوميدية الحديثة أو الأفلام السينمائية القديم (الأبيض وأسود)، البعض الآخر لم يعد قادراً على السيطرة خاصة مع تحول شاشات الموبايل والتابلت والكمبيوتر إلى شاشات مشاهدة مستقلة في غرف الأبناء.

الأهم من ذلك أن نمط تجمع الأسرة في مواقيت محددة لتناول الطعام ومشاهدة التلفزيون معاً قد تراجع بدوره إلى حد كبير.

في دراسته المعنونة "القنوات الفضائية وتأثيرها على تغير أنساق القيم الاجتماعية وانماط السلوك الاستهلاكي في المجتمع المصري"، يرصد الباحث خالد الغمراوي ذلك الأثر عبر البحث الميداني في ضواحي القاهرة من دون التركيز على المناطق الريفية التابعة لها، ووجدت دراسة الغمراوي المنشورة في 2010 أن هناك نمطاً من الابتعاد عن البرامج والدراما الأجنبية المعروضة في الفضائيات بسبب حاجز اللغة، فهل تغير ذلك في العقد الأخير؟ 

بحسب المصادر التي تحدثت إلى رصيف22 من قرى مصرية في الدلتا والصعيد، لا تزال اللغة تشكل حاجزاً فائقاً بين سكان الريف والتعرض للمضامين الأجنبية حتى وإن عرضت مصحوبة بترجمة، خاصة بين من تخطوا مرحلة الشباب.

ربما لا يزال الآباء حريصين على التقاليد الريفية المحافظة في المشاهدة، ويحاولون معاندة التطور التكنولوجي وما يقدمه من وعود بالحرية في المشاهدة، على أمل أن "ينجوا بأبنائهم من الوقوع في شباك (الإباحية) من وجهة نظرهم. لكن التكنولوجيا الجديدة لا تضمن لهم الانتصار طويلاً 

الشباب يكسرون الحواجز

في حديث شبابي عن التطور التكنولوجي وعن الكثير من المنصات التي تعرض الأفلام الحديثة حالياً، فتح علي حسن قلبه ليطلعنا على "المأساة التي يعيشها مع والده" على حد وصفه، وكيف أنه لا يمكنه مشاهدة التلفزيون بأريحية كبقية أصدقائه، وذلك بسبب حرص والده على عدم عرض أي مشهد "خارج" سواء في مسلسل أو فيلم، وحتى لو قبلة صغيرة بين البطل والبطلة، كما يقول علي.

يقول الشاب العشريني لرصيف22، إن والده "ذو خلفية ريفيه جداً، يلتزم حتى الآن بجميع العادات والتقاليد التي توارثها طوال الوقت، فيحرص على أن لا ترى شقيقاتي أي مشهد مُخل أو غير مناسب من وجهة نظره، وحين نجتمع لمشاهدة التلفزيون يمسك في يده الريموت ليكون مستعداً إذا حدث أي شيء يراه غير ملائم، فيغير القناة سريعاً. حاولت مراراً كسر هذا الحاجز، وإقناع والدي أن الأمر صار طبيعياً، خاصة أنني رأيته يشاهد هذه المشاهد في التلفزيون حينما يجلس منفرداً ولا يغير القناة".

يتابع علي: "مع التطور التكنولوجي وحمل الهواتف المحمولة مع الجميع، أصبح الأمر سهلاً لمشاهدة أي فيلم، وهذا ما لا يستطيع والدي فهمه حتى الآن. فقد حاولت أن أكسر هذه الحواجز بيننا لنستمتع بمشاهدة التلفزيون معاً، دون أن نفقد بعض تفاصيل الفيلم أو المسلسل لمجرد مشهد بسيط قد لا يؤثر على عاداتنا وأخلاقنا التي تربينا عليها، لأن ما لا تستطيع شقيقتي رؤيته برفقتنا أثناء جلوسنا، يمكنها مشاهدته وحدها عبر الهاتف دون أن يراها أحد".

ربما لا يزال الآباء حريصين على التقاليد الريفية المحافظة في المشاهدة، ويحاولون معاندة التطور التكنولوجي وما يقدمه من وعود بالحرية في المشاهدة، وهم بهذا يضحون بعادة تجمُّع الأسرة والمشاهدة الجماعية على أمل أن "ينجوا بأبنائهم من الوقوع في شباك (الإباحية) من وجهة نظرهم. لكن التكنولوجيا الجديدة لا تضمن لهم الانتصار طويلاً.

الحريات لا تتجزأ. لا يمكنكم الانتقاء منها. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

نؤمن بأن للإنسان الحق في التفكير وفي الاختيار، وهو حق منعدم في أحيانٍ كثيرة في بلادنا، حيث يُمارَس القمع سياسياً واجتماعياً، بما في ذلك الإطار العائلي، حيث أكثر الدوائر أماناً، أو هكذا نفترض. هذا الحق هو الخطوة الأولى نحو بناء مجتمعات ديمقراطية، فيها يُحترم الإنسان والآخر، وفيها يتطوّر وينمو بشكل مستمر. لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard