لم يعد في الـ"القرية" إلا الهجرة أو السمّ… فيلم "من وإلى مير"

الأربعاء 22 يونيو 202211:00 ص

عند مشاهدتك للتسجيلي "من وإلى مير" لمخرجته ماجي مرجان، سوف تعتقد في البداية أنه فيلم عن الحنين واستدعاء ذكريات قديمة، عن مكان رحل عنه الناس وهم يحملون حكاياتهم وتاريخهم معه، ولكن بمرور الوقت تكشف الحكايات عن مكان يضيق على أهله ويلفظهم بسبب قلة موارده ورزقه، أو يكتم أنفاسهم ويدفعهم إلى طريق لا مفر منه.

عُرض الفيلم لأول مرة في مهرجان أسوان لسينما المرأة 2021، وحاز على جائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم تسجيلي أكثر من 15 دقيقة في المهرجان القومي للسينما المصرية في دورته الرابعة والعشرين. ومع عرضه مؤخراً، من 25 مايو/ أيار إلى 21 يونيو/ حزيران، ضمن فعاليات أيام القاهرة السينمائية، الذي يقام في سينما "زاوية" بقلب العاصمة، وفعاليات أسبوع أفلام "غوتة"، الذي يقيمه المركز الثقافي الألماني في القاهرة والإسكندرية، لاقى احتفاءً من النقاد والجمهور على حدّ سواء، منفعلين بالشحنات العاطفية والمشاعر المتضاربة التي اشتعلت بها حكايات الناس، ورأوا فيه وجوهاً تنضح بالأمل والرجاء، وكذلك خيبته، والحزن الذي احتل قسماتهم بعد رحيل الأعزاء.

تبدأ المخرجة رحلتها إلى مير في 2008، وهي قرية صعيدية صغيرة تابعة لأحد مراكز محافظة أسيوط الجنوبية، مثلها مثل قرى هذه المنطقة وأغلب قرى مصر، محرومة من التنمية، وتعاني من ندرة فرص الرزق إلا إذا كان الشخص مالكاً لمساحة لا بأس بها من الأراضي الزراعية، تمكّن صاحبها من حياة مريحة، يمكنه من خلالها النفقة على أولاده، وتعليمهم، وتزويجهم.

تذهب المخرجة إلى البلدة التي لم تزرها من قبل، مدفوعة بحكايات جدتها، مثلما تذكر في تعليقها الصوتي الذي يصاحبنا منذ بداية الفيلم، لترى الأماكن التي عاشت فيها جدتها طفولتها وشبابها قبل أن تتزوج وتهجرها إلى الإسكندرية، مثلما فعل بقية أفراد العائلة والعائلات الكبيرة في القرية، خاصةً ممن تعلموا وذهبوا للبحث عن مستقبل أفضل في القاهرة أو في الغرب، لتتمزّق صلاتهم بالبلدة الصغيرة شيئاً فشيئاً، وتصير بعد ذلك ذكرى دافئة، ومورداً للحكايات عن الماضي الجميل، وأيام البراءة الأولى للأبناء والأحفاد.

الحلقة الأضعف

ينقسم النصف الأول من الفيلم بين زيارات المخرجة إلى البيوت والأماكن التي وردت في حكايات جدتها عن "مير"، يحركها فضولها نحو رؤية جزء من هذه الحكايات متجسداً على أرض الواقع، والتي لم تجد منها سوى بعض الأطلال، وبين حكايات بعض أفراد عائلتها، من الأجيال التي سبقتها، ممن ولدوا في مير ورحلوا عنها أو الذين ولدوا، وتربوا بعيداً عنها، وربطهم حديث الذكريات بها، فذهبوا هم أيضاً لاستكشافها، وأصبحوا يزورونها بين الحين والآخر.

يبدأون في الحديث عن رؤيتهم لمستقبلهم بلا مبالاة، لا تليق بأطفال، تسألهم المخرجة السؤال التقليدي: "تحب تطلع إيه؟"، فيجيبها الطفل "أطلع الكويت... أجيب فلوس"، وحينما تلح عليه المخرجة: "مش عايز تبقى مهندس؟"، يجيبها: "الفلوس هي المهم... هي اللي بتعمي عيون الناس"

تمزج المخرجة في هذا القسم بين رحلاتها في هذه القرية، والتعرف على أهلها دون التوغل كثيراً في حكاياتهم، والتنقل بين بيوتهم وبين الأسواق والموالد، بينما تصحبها في هذه الرحلات عائلة "عبد التواب"، وهي أسرة صغيرة مكونة من ثلاثة أطفال وأب يعملون بالأجر في أراضٍ وبيوت القرية، وبين لقاءاتها مع مهاجرين من عائلتها في القرية، يحكون عن روابطهم بالبلدة الصغيرة، وذكرياتهم فيها، وكيف تركوها أو تركها آباؤهم.

يعد هذا النصف هو الجزء الأضعف من الفيلم، فما نراه على الشاشة ليس سوى القرية ببيوتها وأراضيها وعادات أهلها، من وجهة نظر شخصية وُلدت ونشأت في المدينة، تتطلع إلى حياة أهل الريف بانبهار سائح، يتجول في الأزقة ويشاهدهم في السوق وفي المولد، ويؤكد على هذه الفكرة تنقلها السريع بين اللقطات، التي صورتها المخرجة في هذه الأماكن، ووجوه رفاقها، والنساء اللائي كانت تتعرف عليهن أثناء الرحلة، ما يجعلنا لا نشعر بالتماس أو التوحد مع هذه الشخصيات أو مع ذكريات أفراد عائلتها.

يتحدثون عن مستقبلهم بلا مبالاة

ترافق عائلة "عبد التواب" المخرجة منذ بداية الفيلم تقريباً، لكن يظل حضورهم هشاً إلى منتصفه، إذ يقتصر ظهورهم على الشاشة في النصف الأول على تتبع لهو الأطفال وضحكاتهم وتنزهاتهم في الأماكن التي يحبون، رغم استخدام مشاهدهم كرابط بين لقاءاتها مع أفراد عائلتها وأهل القرية، لكن بدا وجودهم واهناً ومشوشاً في البداية.

مع النصف الثاني، يصبح حضورهم أكثر قوة وتأثيراً، حينما يبدأون في الحديث عن رؤيتهم لمستقبلهم بلا مبالاة، لا تليق بأطفال لم يتخطوا الرابعة عشر، رغم مرحهم الطفولي وابتساماتهم البريئة، فتسألهم المخرجة السؤال التقليدي: "تحب تطلع إيه؟"، فيجيبها الطفل: "أطلع الكويت... أجيب فلوس"، وحينما تلح عليه المخرجة: "مش عايز تبقى مهندس؟"، يجيبها: "الفلوس هي المهم... هي اللي بتعمي عيون الناس"، وكأن الفقر في هذه البلاد النائية يُنضِج الأطفال قبل أوانهم، يسحق أحلامهم البريئة ويجعلهم مدركين لواقعهم الأليم، فلا سبيل لهم للحلم أو الترقي في التعليم بمواردهم القليلة.

يرفض الطفل لجوء الناس إلى الانتحار لإنهاء أزمات حياتهم، وعندما تعود المخرجة بعد 12 عاماً تكتشف أنه مات مسموماً، بالطريقة التي يلجأ إليها المنتحرون في القرية

السفر أو الرحيل عن القرية بمعنى أوضح هو الفكرة الرئيسية التي يتمحور حولها الفيلم، تبدو في البداية كخاطر عام غير واضح الملامح، لكن مع ولوج المخرجة إلى حكايات الناس عن حياتهم ومشاكلهم وأحلامهم، والمقابلة بين مفهوم أو رؤية أفراد عائلتها عن الرحيل عن القرية، ومفهوم البسطاء من أهل القرية، تبدأ الفكرة في التبلور والوضوح.

رحيل الأغنياء وغربة الفقراء

"مير"، كما ذكرنا سابقاً هي قرية محرومة ومنعزلة، من أراد أن يكمل تعليمه أو رغب في مستقبل أفضل أو مورد رزق يجب أن يخرج منها، وهي بلدة طاردة للجميع، الفقراء والأغنياء، لمن يملك فيها أو لا يملك، الجميع متفقون على ضرورة الرحيل، لكن بالطبع هناك فروق كبيرة في الهدف والوجهة، تعود بشكل أساسي إلى التمايز الاجتماعي الكبير بين البسطاء، والعائلات الكبيرة من الأغنياء.

فالرحيل عن القرية بالنسبة لأبناء العائلات الكبيرة من الأغنياء هو هجرة بلا رجعة للعيش في مكان أفضل، يناسب مستواهم الاجتماعي والتعليمي، أو استئناف تعليمهم في جامعات أوروبا أو لتحقيق مكاسب مهنية لن يتسنّى لهم تحقيقها ببقائهم في هذه البلدة الصغيرة؛ فكونهم مُلّاكاً لأراضٍ وبيوت كبيرة وقصور ما عاد يتناسب مع طموحاتهم العلمية، خاصةً وأن منهم أطباء وأساتذة جامعيين وأشخاصاً ذوي مناصب علمية مرموقة.

أما الرحيل بالنسبة للفقراء، فهو سفر مؤقت إلى مكان يتيح لهم سبل رزق أكثر سعة مثل دول الخليج، وهو أمر ضروري ليتمكنوا من تربية الأبناء، وتلبية حاجاتهم الأساسية، وتزويج الفتيات، ومع ذلك فهو ليس بالأمر الهيّن، سهل التحقيق، ولكن عليهم أن يبذلوا الجهد والوقت في انتظار تحقيق هذا الأمل، والمحظوظون فقط هم من تُزف لهم آمالهم.

قرار الانتحار

تبدو "مير" في حكايات الراحلين عنها مكاناً يحملون له الكثير من الحب والتقدير، ويتذكرونه بحنين إلى أوقاتهم الحلوة التي قضوها به، لكن ماذا عن الموجودين بها، الذين لم يُكلل مسعاهم بالنجاح، ولم يهدهم الحظ جواز الرحيل أو السفر من أجل لقمة العيش؟

ربما لا يُطرح السؤال عليهم بشكل مباشر ليتحدثوا عن مشاعرهم تجاه بلدهم، لكن تشي حكاياتهم عن المنتحرين، ممن ضاق بهم الحال، بأنها مكان يسوقهم إلى الموت، قد لا يكون فشلهم في الرحيل عنها سبباً مباشراً في اتخاذهم قرار الانتحار، لكن يظل بقاؤهم فيها قاهراً وقاتلاً للكثير منهم، خاصةً الشباب، فهناك المرأة التي تقتل نفسها بسبب سفر زوجها وزواجه من أخرى، والشاب الذي لم يستطع الوفاء بحاجات أسرته الصغيرة، فأحرق نفسه، وغيرهم.

يتجلى الانتحار كشبح يطارد شباب "مير" الذين لم يستطيعوا الخروج منها، حتى بالنسبة للذين كانوا يستنكرونه، فحينما تتحدث المخرجة مع أحد أطفال عبد التواب عن هذه الظاهرة المنتشرة في القرية، يبدو رافضاً للجوئهم إلى الانتحار بسبب ضيق أحوالهم، لكن حينما تعود المخرجة إلى القرية مرة أخرى بعد 12 عاماً، تكتشف موته مسموماً، في إشارة للطريقة التي يلجأ إليها معظم المنتحرين في القرية، وكأن "مير" تُسيّر الباقين فيها إلى مصير محتوم: إما الرحيل أو الموت.

عند مشاهدتك لـ "من وإلى مير" ربما يتنازعك العديد من الأفكار والمشاعر المتضاربة حوله، فهو فيلم يصعب عليه إرضاء الذائقة الفنية، لافتقاره إلى العناصر الجمالية السينمائية، والسرد البصري الذي تُروى به حكايات المكان والناس عبر الصورة، فضلاً عن الطريقة التي تم بها بناء الحكي، والتي تظهره في البداية كتوثيق سطحي، لكن مع استئناف المشاهدة، وخاصة منذ النصف الثاني من الفيلم، إذ تبدأ المخرجة توغلها في حكايات الناس، لا تملك إلا أن تتورط شعورياً معهم، وتتماهى مع حكاياتهم، وتأسى لحالهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard