تلميعٌ لصورة إيران أم هذه هي السياحة؟... الرحالة الإيرانية هُدى رستَمي ومشروعها المثير للجدل

الجمعة 17 يونيو 202205:25 م

قد لا نجد أمراً في إيران يتفق عليه اثنان، فكل الأشياء محتملة للاختلاف والصراع؛ ففي ظل زيادة الصعوبات والعراقيل والتضييق في الحريات الفردية والتلوث البيئي والجفاف وفقدان الأمل، أمسی المواطنون الإيرانيون علی عتبة التوتر الحاد والغضب غیر المسيطر عليهم، لا يحتملون أي رأي آخر.

ويزيد من حجم الاختلاف هذا، بروباغاندا النظام والمعارضة في الخارج، ففي اتفاق غير معلن عنه يسعی كل واحد منهما لجر المواطنين إلی تياره والطعن بمن يفصح عن رأي آخر يخالف آراءهم، مرادهم ألا يكون للإيرانيين سوی أن يندرجوا في خانة واحدة.

ما هو مشروع فَم تريب؟

الرحالة وصانعة المحتوی هُدی رُستَمي، عاشت في السويد ودرست هناك، ومن ثم قرّرت العودة إلى بلدها والعمل في مجال السياحة عام 2011، بعدما نشرت صوراً من طبيعة إيران ومعالمها السياحية، والتي قوبلت بترحيب عالمي. في عام 2019 أطلقت هدی مشروع فَم تريب (Fam Trip) من خلال اجتذاب صناع المحتوی والرحالة وناشطي مجال السياحة الأجانب بما فيهم الأوروبيين والأمريکيين للتعرف علی إيران، تحت شعار "Feel Iran"، إلا أن قضية كورونا أوقفت كل شيء.

ومع تحسن الأوضاع الصحية عادت هدی بموسم آخر من مشروعها عام 2022، قَدِمت من خلاله زمرة جديدة من المؤثرين/ات إلى إيران، التقطوا صوراً وفيديوهات تصور جماليات إيران، وعرضوها أمام متابعيهم حول العالم. ولم تمض فترة قصیرة حتى باشرت المعارضة الخارجية بحملة إعلامية ضد هُدی رستمي ونشاطها السياحي، واتهمتها بأنها تعمل في سبيل تلميع صورة النظام الإيراني وتعكس صورة غير صحيحة من نمط الحياة داخل البلاد.

تأتي هدی بزملائها من حول العالم عبر التخطيط لرحلات في شتی مدن إيران، تتمكن الفتيات المؤثرات في هذه الرحلات من الوقوف أمام الكاميرات بثياب عصرية ملونة غير ملتزمات بالحجاب المفروض بشكل تام، وذلك في أبرز معالم البلاد، لتظهر مقاطع وصور محترفة ومهنية، وفي مشاهد خلابة، تُنشر علی صفحاتهن في منصات التواصل الاجتماعي، هذا بالإضافة إلی زيارة أفخم المطاعم والفنادق والمولات والمتاجر في إيران.

هنا كل شيء غير اعتيادي

المشكلة ليست هنا، فكل ما يحدث هو روتين في أي مكان سياحي حول العالم، كما أن دول المنطقة كالسعودية والإمارات وتركيا وحتی العراق تعمل علی إبداء صور جديدة عبر هؤلاء المؤثرين، وبضخ أمول طائلة؛ ما أدى بالمعارضة على توجيه أصابع الاتهام نحو هُدى، كان الحرمان والفقر وتأجيج الوضع المعيشي والفساد وسوء الإدارة وانتهاك حقوق الإنسان في البلد، إذ اتهمتها بالمتاجرة بدم ضحايا النظام وبأنها تعمل علی تقديم صورة ورديّة للحكومة.

أعاد البعض نشر صور وفيديوهات من فتيات إيرانيات تعرضن للمضايقات من قبل شرطة الحجاب، إلی جانب صور السائحات الأجنبيات في إيران، واعتبروا أن المشروع يخدم سياسات النظام ويغطي جرائمه

وإثر ذلك زادت الانتقادات اللاذعة من الداخل خاصة علی منصة إنستغرام وصفحة المشروع @freeiran الناطقة بالإنكليزية. وكتب أحد رواد منصات التواصل الاجتماعي عن الصور التي انتشرت واعتبرها غير عادية، ولا تعكس ما يعيشه المواطنون من ضغوط حكومية.

وكتب آخر: "نحن نعيش الجفاف وأزمات التلوث البيئي والجو الترابي وغلاء الخبز، وكلّ ما حال دون السفر والرحلات في حياة الإيرانيين، ولكن ما تعكسه رُستمي من طعام وثياب، لا يتوفر سوى للقليل من السكان، لذلك فإن مشروع فم تریب في إيران أمر غير عادي".

وتحت هاشتاغ #فم_تريپ غرّد موافقو ومخالفو المشروع، كما أعاد البعض نشر صور وفيديوهات من فتيات إيرانيات تعرضن للمضايقات من قبل شرطة الحجاب، إلی جانب صور السائحات الأجنبيات في إيران، واعتبروا أن المشروع يخدم سياسات النظام ويغطي جرائمه.

ورغم أن الرحالة هدی لم تخف جذورها العربية، ولم يكن ذلك شيئاً جديداً علی متابعيها من خلال منشوراتها في الإنستغرام التي كانت تسرد رحلاتها للعراق والأردن وذكريات جدتها التي سافرت من الأردن نحو العراق للزواج من تاجر عراقي الأصول قبل 100 عام، ومن ثم ذكريات والدتها التي تركت العراق في الثامنة من عمرها (نحو إيران كما يبدو)، إلا أن رواد شبكات التواصل انتقدوا جذورها العراقية، معبرين أنها لا يحق لها أن تعكس صورة وردية عن إيران عبر إطلاق مشروع Fam Trip، وهذا بالرغم من أنها من مواليد العاصمة طهران، وتتباهى بهويتها الإيرانية.

وبعد اتهامها أنها تعمل لصالح الحكومة وأن المشروع ممول حكومي، ردت هدی رستَمي ببيان نشرته علی حسابها على إنستغرام حصل علی 21 ألف تعليق بين مؤيد ومعارض.

معجزة السفر

"مثلي ومثل كل المواطنين أعيش في هذا البلد، وقد سئمت الظروف وغاضبة أيضاً؛ أناضل كما تناضل الفتيات الإيرانيات من أجل نيل الحرية، ووقعت مراراً في قبضة دوريات شرطة الحجاب، لذلك أخالف أي حجاب إلزامي، وأعمل أينما تمكنت علی اختيار حجابي وفق معاييري. ولكن لماذا دشنت مشروعي السياحي في هذه الظروف الصعبة والسوداء، التي تصلنا فيها أنباء اليأس من كل جانب، والضغوطات تدعونا للخروج من البلد؟ لأنني بصراحة لا أعرف سوی هذه المهنة، وأنا مطلعة علی ما يمكنها أن تفعله معجزة السفر"؛ هكذا ردت هدی علی الانتقادات التي طالتها.

وأكملت أن مشروعها لا يعزل السيّاح الأجانب بما فيهم المؤثرين وناشطي قطاع السياحة عن الناس كما أشيع عنه، بل إن الضيوف يحضرون بين الناس ويتعرفون عن قرب علی مدی مشاكل المواطنين، والعراقيل التي يواجهونها.

وعن انتمائها للمؤسسات الحكومية نفت ذلك، وأعلنت أن القطاع السياحي الحرّ هو الذي يدعم هذا المشروع، ومن أهم أهدافه هو إنعاش سوق المستثمرين المحليين، وتقديم بضاعتهم للأجانب.

تحطيم كلّ من ينشط داخل إيران نزهة

لم تكن الترحيبات بحجم الانتقادات التي وردت علی المشروع، ولكن حرص البعض علی تشجيع وتقدير الرحالة هدی من أجل مواصلة عملها، والتأكيد على أنه من طبيعة العمل السياحي هو الإعلانات والدعايات التي ترکز علی جماليات البلدان کي تجذب السيّاح، خاصة الشباب منهم.

"أنا عشت مع رحلاتك، واصلي طريقك بقوة"؛ "أعتز بك أيها الفتاة! رغم امتلاكك جواز سفر سويدياً، لكنك فضلت العمل داخل وطنك. عملُك إيجابي وجميل"؛ "تحطيم كل من يعمل في إيران أصبح نزهة البعض"؛ هذه بعض التعليقات التي وردت لصالح عمل هدی ومشروع فم تريب

"كوني قوية، طريقك جميل والأعداء كثر، فلا تتوقفي"؛ "أنا عشت مع رحلاتك، واصلي طريقك بقوة"؛ "أعتز بك أيها الفتاة رغم كونك تملكين جواز سفر سويدي، لكنك فضلت العمل داخل وطنك، وعملك إيجابي وجميل"؛ "تحطيم كل من يعمل في إيران أصبح نزهة البعض"؛ هذه بعض من التعليقات التي وردت لصالح عمل هدی ومشروع فم تريب (Fam Trip)،

كما بث التلفزيون الإيراني تقريراً حول المشروع السياحي الذي يهدف لنشر جماليات البلاد واجتذاب السياح، وانتقد معارضي هذه الفكرة الذين يسعون لنشر صورة سوداوية عن البلاد، حسب تعبيره.

قصة الحجاب والكحول

وفي ظل تصاعد وتيرة الاختلافات مع الغرب، والصراع مع إسرائيل، والعقوبات الأمريكية، وقطع أي تواصل مالي دولي، وحجب معظم منصات التواصل الاجتماعي داخل البلاد، يشهد القطاع السياحي انكماشاً بارزاً عطل الكثیر من المرافق العامة التي دشنت من قبل القطاع الخاص. ويعمل بعض من الشباب/الشابات الإيرانيون/ات في شركات ناشئة ومشاريع صغيرة الحجم علی جذب السياح من خلال تدشين صفحات خاصة علی المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي.

ورغم علاقاتها السياسية والعسكرية والأمنية الجيدة مع روسيا والصين، وامتلاك هذين البلدين لنحو 19 بالمئة من سكان العالم، إلا أن إيران لم تستطع استيعاب السياح الصينيين والروس حتى اليوم. وعن سبب عدم توافد السياح الروس إلی إيران شرح السفير الروسي لدی طهران لوان جاكاریان: "أعلنت مراراً وبصراحة للمسؤولين الإيرانيين أن هناك نقطتين هامتين في عدم دخول السيّاح الروس إلى إيران؛ أولاً تعليمات حجاب النساء التي تفرض الحجاب في جميع أنحاء البلد، وحتی في موسم الصيف والحرّ؛ ثانياً منع استخدام الكحول".

وبعد تسريب أنباء عن اتفاق ايراني روسي للسماح بالسيّاح الروس باستخدام الكحول، وعدم الالتزام بالحجاب في إيران، وذلك بغية انتعاش قطاع السياحة، نفى وزير السياحة عزت الله ضَرغامي، صحة هذه الأخبار المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard