شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
عمرو دياب

عمرو دياب "الذي صنع السفينة بمفرده"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مجاز

السبت 5 نوفمبر 202201:10 م

حياكة الكلام


 

مشهد 1 "نهاري خارجي" وسط البحر

سفينة كبيرة للغاية يوجد بها جموع كبيرة من البشر، يرقصون ويغنون ولا يعبأون أنهم في وسط البحر الذي تتلاطم به الأمواج يميناً ويساراً، وبداخل الأمواج شاب يافع يجدف بيديه بقوة، ويقاوم الأمواج ويأبى أن يتحرك مع قرب السفينة، بل يتحرك بعيداً عنها كأنها ستذهب به إلى النسيان.

_قطع _

مشهد 2 "نهاري خارجي" هيئة قناة السويس

سفينة ضخمة يفرغ حمولتها عدد كبير من العمال، يقف واحد منهم مستنداً بظهره إلى الخلف، يجرى شخص إليه ليعلن عن مولد ابن له أسماه عمرو.

_قطع _

حياة عمرو دياب تشبه ربان السفينة الذي أبى أن يركب السفينة، لأنه يعلم أنها سوف تغرق ويبحث كل من فيها عن طريق للنجاة، فقرّر أن يبنى سفينته بمفرده، ولأنه ولد فى بورسعيد، مدينة ساحلية مشهورة بالميناء، لأب يعمل فى شركة قناة السويس، منبع ومعبر السفن والبضائع، كان البحر والسفن هما خير تعبير عن حياة عمرو دياب الذي رفض ركوب السفينة وأراد صنعها بمفرده.

البدايات والزمن ملهوش صاحب

مشهد 3 "نهاري خارجي" وسط البحر

سفينة كبيرة للغاية ولكنها فارغة من البشر الذين يتساقطون واحد تلو الآخر، بعضهم يحاول العوم وبعضهم يسحبه شيء خفى من تحت المياه، أما الشاب فهو يقاوم بشدة، وقلبه تزيد ضرباته بشكل كبير وهو يحاول أن يبتعد عن مصدر الخطر الذي يضيع فيه الأشخاص من حوله ويختفون. يكمل الشاب عومه ويلاطم الأمواج كسباح ماهر، مكملاً طريقه إلى الأمام.

_قطع _

فى عام 2020، أطلق عمرو دياب ألبومه "سهران"، ومن ضمن أغانيه واحدة باسم "حلوة البدايات". تبدو الأغنية ساخرة بعض الشيء، فمطربها بدايتها نفسه لم تكن حلوة بالمعنى الحرفي، إنما كانت جافة وصعبة بعض الشيء إلى النجاح. البداية لعمرو كانت في الثمانينيات، فبعيداً عن الوضع العام المتخبط، كان الوضع الفنّي سيزيفياً وغير واضح المعالم، منذ أن ظهرت أسماء غنائية جديدة، ومحاولات إحياء مطربين قديمين، ومن محاولات البعض إحداث ثورة في عالم الغناء، والمناداة بالخروج عن المألوف، وأن يكون الغناء غناء للحظة، ليس عن الحب والمحبوبة في آناء الليل وأطراف النهار.

حياة عمرو دياب تشبه ربان السفينة الذي أبى أن يركب السفينة، لأنه يعلم أنها سوف تغرق ويبحث كل من فيها عن طريق للنجاة، فقرّر أن يبنى سفينته بمفرده... مجاز

في وسط تلك المرحلة المتقلبة، الغارقة في القلق العام من كل شيء، ومحاولات البعض للتجديد الحداثي والوسطي والتغير الثوري، ظهر عمرو دياب.

بداياته كانت عادية للغاية. لم تحدث ضجة واختلاف غنائي كمنير الذي كان مختلفاً كشكل وطبيعة غناء، إنما عمرو كان نسخة عمن سبقوه. أربعة ألبومات تمثلت في "ياطارق" و"غنّي من قلبك" و"خالصين" و"هلا هلا". ألبومان يبدو فيها عمرو متأرجحاً، يبحث عن لونه، يبحث عمن سيكون ربان سفينته الذي سيكون بجانبه ليكمل العبور إلى برّ النجاة أو النجاح ، رغم ذلك كانت فترة فيها تعاون مع أسماء مميزة، مثلاً هاني شنوده وعبد الرحيم منصور، وحتى مجدى النجار الذي سيكمل معه رحلة طويلة للغاية.

في تلك الفترة حقق عمرو دياب المطلوب، وهو التواجد، فأصبح معروفاً للجميع، فكللّ تواجده بدور في فيلم "السجينتان". التواجد كان الأهم لعمرو دياب قبل أن يظهر نجاحاً حقيقياً مع ألبوم "ميال" الذي وجد فيه عمرو ليس رباناً واحداً للسفينة، بل قباطنة سيمرون به من الطوفان، وكانوا عادل عمر، مجدى النجار وطارق مدكور، والأهم في تلك المرحلة والتي تلتها: حميد الشاعري.

النجاح بدايته تمرد على الوضع الحالي

مشهد 4 "نهاري خارجي" منطقة سفاجا، البحر الأحمر

عبارة ضخمة تتهاوى في البحر الأحمر بشدة. تتلاطم بها الأمواج. يسقط بها من يسقط ويترك نفسه للموج ويستسلم للوضع من يستسلم. في وسط كل هذا، كان هناك شاب ضعيف الجسم، يضع طوق نجاة أمامه ويستند عليه، ويحاول أن يدفع المياه ويكمل في عومه، لكنه يتوقف لدقائق ليبكي بشدة، ثم يكمل العوم مرة أخرى.

مشهد 5 "نهاري خارجي" منطقة جليم، الإسكندرية

على الشاطئ خمسة شباب في العشرينيات، كلهم حيوية ونشاط. يحمل أربعة منهم آلات موسيقية، وفي المنتصف يغني شاب، ويتمايل الجميع مع الألحان.

بين هذا وذاك عام واحد. عام حصلت فيه الكثير من الأحداث، من عبارة غرقت ومئات ماتوا، لحرب خليج جديدة، لبداية آخر عقد في القرن، وما تبعه في تغيرات موسيقية وفنية عامة، وأصبح السوق مسرحاً للأصوات الشبابية التي كان البعض ينادي بأنها تهدم الذوق العام. عمرو دياب عرف مع من سيكمل النجاح منذ نهاية الثمانينيات، مجدى النجار وحميد الشاعرى وطارق مدكور سيكملون معه لفترة ليست قصيرة. تعاون مع أسماء مهمة، مثل فتحى سلامة ومدحت العدل وحسام حسني.

عمرو لم يكن يبحر فقط، إنما كان يجري، ففي عام 1990 في بطولة أمم إفريقيا، أحيا حفل الافتتاح، وجرى بطول الستاد ليؤكد شبابه وحيويته. كل هذا كان قبل الوصول إلى "سيف"، بطل فيلم "آيس كريم في جليم" الذي تحول فيه عمرو إلى سيف، وتمرّد فيه على وضعه الحالي. حقاً أصبح أكثر حرية في اختيار الأغاني والكلمات وحتى الألحان. من كان يتخيل أن يعيد سيد السمان إلى عالم الموسيقى مرة أخرى؟ من كان يتوقع أن يجلب معه حسين الإمام وطلعت زكريا في فيديو كليب؟ ولكن عمرو كان يعرف كيف يتمرد وعلى من.

تحرر عمرو دياب من فترة التسعينيات، بل وتحرّر من صوت الدلتا كلها حينما أصبح جزءاً من عالم الفن، ويحدث معه التغيير، ليس في طريقة الغناء إنما "اللوك" الذي أظهر عمرو بشكل أكثر شباباً. أصبح المظهر أقرب لعمرو دياب نفسه... مجاز

في السنوات اللاحقة، تحرر عمرو دياب من فترة التسعينيات، بل وتحرّر من صوت الدلتا كلها حينما أصبح جزءاً من عالم الفن، ويحدث معه التغيير، ليس في طريقة الغناء إنما "اللوك" الذي أظهر عمرو بشكل أكثر شباباً. أصبح المظهر أقرب لعمرو دياب نفسه، وليس لشخصية سيف التى كانت مجرد فترة ورحلت. التحرر أنتج ألبومات مميزة، مثل و"يولومني" و"نور العيون" و"قمرين" وصولاً إلى "علم قلبي" عام 2003.

الألفينات وأي حاجة تيجي من ريحة الحبايب

مشهد 6 "نهاري خارجي"، وسط البحر

البحر ممتلئ بأشياء عديدة .ممتلكات وأوراق وأشياء كثيرة على السطح، وفي القاع عبّارة ضخمة هبطت لأسفل ولم تطف. هبط معها المئات لتصعد روحهم إلى السماء. وفي وسط كل هذا. يستيقظ الشاب من سباته مرة واحدة، يدفع طوق النجاة للأمام حتى يكمل في طريقه، غير عابئ بما حوله، ولا يتعجب حتى من الفوضى التي أصبح البحر عليها.

_قطع _

مشهد 7  فوتومونتاج

شارع

 *رجل بيبع الجرائد. يمسك منه أحد الأشخاص الجورنال، ويفتح الصفحة الأولى. مكتوب فيها: "غرق عبّارة السلام".

بيت

* فتاة تضع الآيبود في أذنيها وتستمع لعمرو دياب، لتفاجئ بأمها تبكى أمام التلفاز الذي يعرض خبر غرق العبارة.

_قطع _

مثلما أثرت الأحداث العامة على شكل الفن عموماً في كل المراحل، أتت الألفينات لتكمل المسيرة،  لتشهد ظهور السى ديهات والكمبيوتر، وتبعه الهاتف الذكي وMP3. التطورات لم تكن تقنية فقط، إنما في نوعية الغناء وظهور أنواع جديدة ومطربين جدد، والتطور لم يقتصر على التكنولوجيا ونوع الغناء فقط، انما في تواجد مراكز القوى الإنتاجية، فتحولت مراكز الإنتاج الموسيقي إلى الخليج، وتحديداً إلى شركة روتانا التي ضمّت أغلب المطربين الناجحين، وبالطبع كان على رأسهم عمرو دياب الذي وقع معها عقداً.

تطور عمرو جعل منه نجماً للجيل، يؤدي المضمون ويلعب على النجاح. يصنع سفينة تبحر بدون غرق، يكون هو ربانها الأول والأخير. يرى السفن من حوله يتساقط منها الجميع، إلا سفينته تكمل طريقها إلى الأمام.

ذكريات عشنا فيها

مشهد 7 "نهاري خارجي" وسط البحر، إحدى السفن

البحر هادئ والموج بسيط. يكمل الشاب عومه ويبدو عليه التعب الشديد. يدفع طوق النجاة بأعجوبة إلى الأمام. يغفو قليلاً ليستفيق على صوت عمرو دياب يأتي من سفينة بجواره. يرقص ويرقص معه الناس. ينظر الشاب إلى السفينة، يحاول أن يصل إليها، ويدفع الطوق، لكنه يحاول فقط، لتبتعد السفينة كلما يقترب.

_قطع _

تعرّف النوستالجيا على أنها حالة حنين إلى الماضي، وهى حالة عاطفية يميل فيها الناس إلى تذكر ما مضى من ذكريات جدية، وفي حالة عمرو دياب، فهو كمطرب لم يقدم أي جديد منذ عقد، ربما أكثر من عقد ونصف. ألحان مكرّرة، كلمات متشابهة، ولكن له جمهور يحبه ويدافع عنه كما لو أنه قائد ثورة غنائية ومواكب للتطور، وقسم آخر يعيش على ذكريات الماضي، فيبحث في أغانيه عن بقايا ألبومات الماضي. ولكن بين هذا وذاك، يظل عمرو دياب هو عمرو دياب الذي أبى أن يكون نسخة عمن سبقوه، وأن يصنع سفينة مجده بمفرده.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel
Website by WhiteBeard