القبل لا تحبّ شفتيّ

السبت 12 يونيو 202110:29 ص

مجاز الحواس: للكتّاب حاسة إضافية هي فتنة أن اليوم يأتي كل يوم

بطعم البرتقال السكّري

دائماً كنت أتخيل رائحة حضن شادي تشبه بساتين الليمون في صباح ندي، أو بساتين برتقال أرض غسان كنفاني في "أرض البرتقال الحزين". ذهبت لأفتتح ربيع علاقتنا، كان وقتها عمري ثمانية عشر عاماً، وكان تشرين الثاني يطلق في سماء بيروت صرخات راعدة. الدفء يملؤني والرغبة ترقص كبجعة في بحيرة حولي. هو حبي الأول، يكبرني بسبعة أعوام ويعمل ضابطاً في البحرية.

جاء لقاؤنا هذا بعد عامين من التواصل عن بعد، لبعد مسافات مدننا، غير أنه أخيراً بادلني شعور الحب. ظللت عامين أحاول الاستحواذ على قلبه وإعجابه، وكان دائماً ما يثيرني ويخلق داخلي حبه، ثم يرفض مشاعري كسفاحي الحب الذين أقرأ عنهم وأشاهدهم على شاشات السينما، وحين شاء القدر وسارت مشاعرنا في طريق واحد، التقينا ليودعني، فكان عليّ مغادرة بيروت إلى تركيا صباح اليوم التالي من لقائنا.

طويلاً ما أرهقت نفسي وأنا أفكر في سحر القبلات، في طعمها وما تخلقه من مشاعر إثر حدوثها. أسئلة كثيرة، فكيف لحركة بسيطة، كانسحاق شفتين على شفتين، أن تخلق متعة سحرية؟ كيف بعد ضمّ أحد لشفتيك أن تذهب لبلاد العجائب، أن تغادر قبيلة الغربان المليئة بالرياء والبرد وتسبح في سماء بيروت حيث الصدق والدفء.

في عمر الحادية عشر كنت أسرح في بطن أمي المنتفخة بأختي الصغيرة، وأتخيل القبلة التي خلقته داخلها، ثم أسرح بالقبلة التي جاءت بي، وكيف ستكون القبلة التي سألد أنوثتي على يدها، ماذا بثّت القبلة داخل بطلة الفيلم الهندي، لتجعلها تضحي بحياتها من أجل حبيبها الذي قبلها قبلة واحدة فقط؟ ولم شويكار تفقد وعيها كلما قبلها فؤاد المهندس، فتسقط أرضاً؟

طويلاً ما أرهقت نفسي وأنا أفكر في سحر القبلات، في طعمها وما تخلقه من مشاعر إثر حدوثها.  فكيف لانسحاق شفتين على شفتين، أن يخلق متعة سحرية، وتغادر قبيلة الغربان المليئة بالرياء والبرد؟... مجاز في رصيف22 مساحة للكتابة الإبداعية

وسعاد حسني... آآه ما أجمل سعاد، كيف غفر لها بطل "غروب وشروق" كل تاريخها الأسود معه بعدما تبادلوا القبلات على سريرها؟ لم جفّت أجساد النساء من الحياة في فيلم "عرق البلح" بعدما غادر أزواجهن القرية وحرموا القبلات، فزنت واحدة وحبلت أخرى. لم خالاتي يزغردن في صباحية بنت جيراننا العروس؟ هل لأنها ستحصل على قبلة أخيراً، أو قبل كثيرة يأتي من خلالها بنات كأميرات ديزني؟ ما هذا الصوت الذي يخرج من بطلة الفيلم الأجنبي التابع لصوت قبلات البطل على جسدها؟

يبدو وكأنه صوت نابع عن ألم ولكنه يشعرني بمتعة ما، لا يستطيع عقلي الوصول إليها، كأنها ترنيمة من زمن بعيد في حب الجمال والروعة. أعضّ على شفتي ببراءة وأنا مغمضة العينين، وجسدي الصغير ملقى على سريري الذي يسبح في ظلام بطن غرفتي الكبيرة الباردة، ولا أصل لشيء أبداً، فأغفو وأنسج أملي على خيوط شمس الغد، ربما يصلني جواب.

بطعم الظلال الرمادية

أحببت شادي عامين، ويوم لقائنا كنت قد قررت أن يُقبلني، أن يقصّ شريط البداية قبل أن أغادر. طويلاً ما شغلني حبه العذري الذي جعلنا لا نلتقي لعامين. لا أريد حباً عذرياً يتغنّى بطهره ليلاً ونهاراً، أريد أن أمتلك مغامرة عاطفية حقيقة، كرهف صديقتي التي تزور حبيبها في بيته ويمارسان الحب مع الاحتفاظ بعذريتها، وتيماء التي يسافر حبيبها كل أسبوعين ليراها ويستقبلها بقبلة ويودعها بأخرى.

كنت أغرق بين أسئلة كثيرة تدور حول شادي، كيف يجعلني أتأرجح كل ليلة على كوكب المتعة، وهو يخبرني كم يشتاق أن يُقبلني ويضمّني ويعبث بجسدي ثم ينسحب من إكمال حديثه ويغيره، يقظة ما تصيبه بعدما تشتعل رغبتي التي لا أصرّح بها أبداً أو أجعله يشعر بزيارتها لي، ثم يؤكد أنه لا يريد أي تجاوزات بيننا عندما نلتقي.

كيف لا يرغب الرجل في تقبيل حبيبته حين يراها؟ ربما لم أكن جميلة ومثيرة بالنسبة له، أو هو يحسبها بشكل صحيح، وبالفعل هو يجنّبني الخطر والحرام! وكانت نفسي المسحورة بالقبل تصر على أن تفعل، وأن تحصل على إجابات لكل هذا العبث.

كان أبطال أحلامي الذين يقبّلوني طوال الليل يفتقرون لشيء ما، كنت لا أشعر بقبلهم أبداً، فهي مجرد صور فوتوغرافية مجمّعة تسير ببطء سخيف ورمادية شديدة. فتحت حقيبتي وأنا جالسة تحت ضباب بيروت أنتظر شادي. بحثت عن مرآة صغيرة لأتفقد الروج للمرة العاشرة قبل أن يصل، كنت قد اقتنيته بدون معرفة أمي، وكانت هذه المرة الأولى التي أخرج به على مرأى من الجميع.

وضعت على شفتي المزيد والمزيد، وضممتهما على بعضهما ليتوزّع جيداً كما رأيت النساء يفعلن، ثم أخذت أتأمل شفتي وهما في ثوبهما الأحمر الجديد وأنتظر الاحتفال به. أعيد الروج للحقيبة وأبحث عن عطري لأضع المزيد منه أيضاً على صدر معطفي وفستاني الذي ينام تحته.

كانت ثيابي عجيبة، أغوص في معطف رمادي، أسفله فستان يغلق صدره سحاب صغير كالذي يوضع على فساتين الأطفال، ومع هذا كان يجعلني فاتنة، وأسفل الفستان هناك جوارب بيضاء تشبه الربطات التي تخنق آخر جديلة شعري حتى تظل محتفظة بوقارها الطفولي، وحذاء كعبه عال، لونه كلون أحمر شفاهي.

أشبه حيّة عجزت عن إكمال عملية استبدال جلدها، فأصبحت عالقة بين لونين، كل منهم يدل على حقبة مختلفة في عمرها، مشروع فاتنة وطفلة بالغة. شيء ما كان ينقصني لأعود طفلة أو أصبح غاوية جميلة. ربما السن، ربما الخبرة، أو ربما القبلة، ثم هز قلبي رأسه مؤكداً أن ما ينقصني بالفعل هو القبلة.

اشتدت رمادية السماء، وأصبحت كلون معطفي الذي انتزعته عن جسدي وألقيت به على الكرسي الأمامي لسيارة شادي، جلسنا سوياً في المقعد الخلفي، بعدما ركنها في شارع فارغ من الحياة، بعيداً عن عيون بيروت، تحت ضباب السماء المثقوبة التي تهطل مطرها فوق سطح سيارتنا بشدة، جلسنا في الخلف بعدما صارحته برغبتي في معانقته. انكمشت داخل الكرسي وكان نصف جسدي من الأعلى ممدداً فوق صدره، شعرت وقتها وكأنني ممددة على طاولة جرّاح مجنون يلحم داخلي الضحك بالبكاء.

كان جسده بارداً لا يشعرني بشيء سوى الإحباط، مرت ساعة ونحن نتحدث ونضحك ونتعانق الكفوف، لكن الرغبة متربعة على عرش الموقف منذ ساعة أو سنتين وساعة، رغبة تجعل قلبي يشهق، وجلدي وحواسي يعيشون حالة من النداء. أظن أنه اختبار الشهوة الأول، لذلك أخذت خطوة تقبيله، فهو لم يفعل يومها أي شيء مثير سوى رقة حديثه ولطف معاملته.

أشبه حيّة عجزت عن إكمال عملية استبدال جلدها، فأصبحت مشروع فاتنة وطفلة بالغة. شيء ما كان ينقصني لأعود طفلة أو أصبح غاوية جميلة. ربما السن، أو ربما القبلة، ثم هز قلبي رأسه مؤكداً أن ما ينقصني بالفعل هو القبلة... مجاز في رصيف22 مساحة للكتابة الإبداعية

لم يحاول حتى إثارة إعجابي به كما كان يفعل دائماً، كان يتجنب جنوني به. لم يكن شادي وسيماً إطلاقاً، فجسده ممتلئ وغير متناسق، أملس الوجه والرأس بشرته داكنة، تملؤها الثقوب والحبوب، وعيناه يكسوهما الكحل كبدو المسلسلات، ذكوري الفكر ومتسلّط الطبع، لكنه كان رومانسياً جداً وكان قادراً على احتوائي وقتها، وأنيقاً.

اقتربت منه وأنا مغمضة العينين، وصور أمي ورهف وتيماء تقفز أمامي، فتتضخم تارة وتصبح ضئيلة جداً تارة أخرى. وضعت شفتي على فمه وانتابني شيء من الحيرة والعجز. تجمدت أطرافي، وكانت دموعي تتقاتل لتخرج من جحرها، فأبعد شادي شفتيه وجسده الذي أكره شكله عني، أشعل سيجارته ولم أجرؤ وقتها على مصارحته برغبتي في تجربة التدخين معه، كما لم أجرؤ على إخفاء مشاعري وشغفي المبتور أمامي.

كنت أراقب هروبه وتسلله مني مع تسلل دخان سيجارته خارج جسده، كنت قادرة على قراءة لغة جسده الغبي الذي أجلس بجواره لأول مرة، هو يفكر الآن فيّ بطريقة "كما تدين تدان "وبمعناها الساذج السطحي الذي زرعه فيه والده المهووس ببكارة ابنته، فشادي الآن يحب ويعبر عن حبه بقبلة، قبلة على شفتي فتاة تحبه، وبالتالي، وبحسب طبيعة حساباته، هذا سيحدث مع "زينة" أخته بشكل حتمي.

أظنه لم يكن يراني وقتها. كان يرى والده في لباس الضيعة وهو يتمتم في أذنه المراهقة: "اللي بتساويه ببنات الناس بيصير بأختك"، وبالطبع شادي لا يقبل هذا، هذا يمكن أن يقتله للأبد وهو فكرة مجردة دون أن تحدث، كانت أفكاره عقيمة غبية، تشبه قطعة بازل دخيلة على باقي قطعه ومستواه العلمي والاجتماعي.

بطعم الخيبة الغامقة

أتذكر نظرتي له بعدما أنهى حياة سيجارته وكأنني كنت أراني فيها، لفرط ما شعرت بها. كانت النظرة موجهة لعينيه، وصوتي مخنوق تملؤه الرغبة والإحباط ومحاولة خلق الأمل والمقاومة، ليخرج أخيراً بصرامة وضعف سطراً صغيراً ارتعش جسدي إثره: "شو يعني ما راح نبوس بعضنا شادي؟"، وإذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر...

استجاب شادي وضمّني بعدها بشدة وجعل جسدي تحت جسده، اعتلى شادي شفتي بشفتيه أخيراً وأخذ يقبلني قبلة طويلة، تبدو عميقة لكنها سطحية ومقززة كطعم سيجارته، دون أن يلمس جسدي الممدد تحته، فكانت يداه معلقة في الفراغ كيلا يمس جسدي، كأنه تعويذة خطرة ملعونة، وعيناه تلعنني وتلومني. نظرات شادي كانت شرسة، تنطلق نحوي كالخيول البرية. فرحت أتساءل: لم السماء تمطر ماء؟ لما لا تمطر شرنقة تلتف حولي لتفصلني عنه ثم تلقيني حيث وديان النسيان؟

اللامبالاة والعار قبضوا قلبي، ومنسوب الاشمئزاز أخذ منحنى الارتفاع بشكل مجنون داخلي، حركات باردة عشوائية بطعم المارلبورو المخلوط بروج بلون النبيذ تنزلق فوق شفتي. هذا لا يليق بحب وانتظار وشغف وشوق وترقب عامين، هذا لا يليق بأحلامي الملونة الانيقة الذي ركلها شادي حد الموت، أجهض أحلامي في لحظة، حتى أنني شعرت بدمائها تسيل بحرارة بين فخذي وتذهب حيث اللامكان واللاوطن.

تكومت فوق صدري صناديق الحسرة على الشغف به والاهتمام البالغ بتفاصيل لقائنا. أيام كثيرة صرفتها لأستقرّ على فستاني هذا، لأجد فستاناً أنيقاً لأجلي، ومحتشماً لأجل عائلتي، ويمكن فتح صدره من خلال سحاب ببساطة لأجل شادي. ألم جلدي تفاقم فجأة وأنا ممددة على كرسي سيارته وهو يفسد عذرية روحي. عانتي تؤلمني. نزعت شعرها على مدار ثلاثة أيام كما ينزع الريش عن دجاجة مسكينة، هذه أول مرة أنزع شعر عانتي وبطريقة السكر اللاإنسانية.

تحملتها لأجل الانتشاء من نظرته وهو يتمتع بملمسي الناعم، لأجل لمسات وقبلات لن تحدث أبداً. ضاقت فجأة حمالة صدري الزهرية التي انتقيتها بعناية لتكون فاتنة أكثر منها مريحة وعملية مثل غيرها لتخنقني، وتوهج جلدي بسبب الكريم المرطب برائحة الشوكولا الذي دهنت به كل جسدي، استعداداً لهذا اللقاء الوقح.

كل التفاصيل الجميلة لفظتني وثارت ضدي، مليونية هتفت لتسقط أحلامي البالية التي لا يأتي من ورائها سوى الخيبة، لتقفز صورة أمي بشكل ضخم، وهي تخرج لي لسانها، وخلفها رهف وتيماء، يسخرون مني، وهم داخل ملابسهن الداخلية الفاتنة يقبلون رجالاً وسيمين، فعبثت بين فخذي بعدما ابتعد عني شادي وألقى جسده جواري وأغمض عينيه، لأحصل على أورجازم سريع، يقضي على رغبتي القذرة في الحصول على المزيد من قُبَل هذا الوغد.

كرهت القبلات بقدر ما رغبت فيها، بقدر ما تسببت لي بأوجاع وضرر نفسي، كرهت أن أفكر وأن أقرر وأن أرغب وأن أعبّر وأن أحب وأن أتمرّد، أعادني لصفوف القطيع الذي أكرهه حتى أتجنّب رصاصة شرقيّ آخر تمزق كرامتي... مجاز في رصيف22، مساحة للكتابة الإبداعية

كانت قبلة سيئة مثل اليوم الذي ذهبت لأمي وأنا أبكي، لأخبرها بأنني وجدت بقعة دم داكنة في لباسي الداخلي، لتقتضب ملامحها وتبلغني بصرامة بأنها هكذا أصبحت تحمل الهمّ رسمياً وأصبحت أنا عاراً حقيقياً، لتشير لي بأصبعها الذي تستخدمه في التوحيد، نحو قطعة قطنية صغيرة لأتعلم كيفية استخدامها، لتلقيها بعدها في وجهي وتتركني للأسئلة والظلام.

قبلة سيئة مثل اليوم الذي سمعتها فيه تخبر جارتها بأنني بلغت، وحين عاتبتها لأنني شعرت بالخجل، قالت حتى يمنعوا أبناءهم الذكور عن اللعب معي، فشرفي "كعود الكبريت يستخدم مرة واحد فقط".

مثل اليوم الذي وضعتني أمامها لتخبرني بكنز البكارة، وتشير لمكانه في جسدي دون حياء، ثم تخبرني بأنه يجب عليّ حفظه حتى يُفضّ ليلة زفافي، وأنه أمانة من الله ووديعة في جسدي.

غادرت شادي ورائحة سيجارته تسكنني ونظرته تؤذيني. كانت معدتي تنقبض إثره. غدر شادي بحلمي الأول، كما غدر تشرين الثاني ببيروت يومها، وأهداها يوماً عاصفاً مدمراً. راقب الكون هزيمتي، وشادي يلومني على ما فعلناه، قبل أن يطمئن بأنني وصلت بيتي في هذا اليوم العاصف. كل ما يشغله هو أن يؤكد لي أنه يحبني، لكن لا يريد أن يحدث بيننا مرة أخرى ما حدث أبداً.

يقول هذا وأنا مغادرة البلاد في الصباح، ربما لا نلتقي ثانية أبداً. كيف خذله ذكاؤه وقسى قلبه؟ أي عادات هذه التي يُسحق أمامها ويسحقني معه، فيتحول فيها إلى جلاد حتى لا يشعر بالدناءة والخطيئة؟ هل حبنا دناءة والتعبير عنه خطيئة؟ قصم ظهري لومه، وضعني أمام كل ما أتمرد عليه بسبب مشاعري نحوه، وضعني أمام ميزان تعلو فيه صرامة معلمة الدين وهي تشرح فصل الزنا، وكيف تصبح الفتاة بعده سلعة رخيصة، لكنني لست زانية. أنا فقط كنت أريد حبيبي شادي، وجسدي ليس رخيصاً، جسدي يحب.

تعلو أيضاً كفة ميزان جدتي الريفية، التي عقبت على مشهد لمسلسل كنا نشاهده في مساء بارد، بأن لا رجل يحترم فتاة بعد لمسها، وهي تنظر لي لتتأكد أنني قد حفظت الدرس. لكن شادي ليس رجلاً. شادي توأم روحي التي انقسمت ليكون هو في صورته هذه، فكيف لا يحترمني. وتتوجت أخيراً كفة الحكومات التي تعتبر الحب فعلاً فاضحاً يلزمه سجن وملف في خزانة الآداب. كسرني شادي وجعل كل بيروت ترجمني، فلا حب ولا قبلات ولا شيء في بيروت.

بطعم الغربان الميتة

توجهت صباح اليوم التالي نحو المطار والحمى والمرض قد استقرّا في جسدي. كنت أخرّف طوال ساعات الليل بجملٍ أشتم فيها شادي وأخته وأهله جميعاً، ثم تآمرت محطة الراديو والعاملون فيها ضدي صباح مغادرتي للبلاد، فكانت فيروز تشغل الراديو مثل كل صباح، ولكن هذا الصباح جاءت بشادي معها، فثقب قلبي صوتها وهي تأنّ: "علقت ع طراف الوادي... شادي ركض يتفرج... خفت وصرت أندهلو... وينك رايح يا شادي... أندهلو وما يسمعني..."، ليخرج من فمي المحموم دون شعور: "الله لا يردّك. الله لا يوفقك يا شادي".

بقيت لوقت طويل أتحول لجمرة حامية بمجرد تذكّر ما حدث، أنكمش وأستعيذ بالله من رغبة القبل مرة ثانية. يهبط على حواسي الكدر كلما تذكرت شيئاً يخصّ ذلك اليوم. دمّر شادي بنظرته كل أسلحتي، وزلزل من تحت قدمي الميناء الوحيدة التي كنت أرسي عليها لأرفع علم فلسفاتي الشخصية وأشعر فوقها بالحرية.

كرهت القبلات بقدر ما رغبت فيها، بقدر ما تسببت لي بأوجاع وضرر نفسي، كرهت أن أفكر وأن أقرر وأن أرغب وأن أعبّر وأن أحب وأن أتمرّد، أعادني لصفوف القطيع الذي أكرهه حتى أتجنّب رصاصة شرقيّ آخر تمزق كرامتي، بعد أن كنت في حماس شعب قرّر أن يثور على محتلي أرضه، لأنه يؤمن ويحلم ويأمل ويريد أن يحيا كما يحب، وعندما انتصر قتلته الفوضى وانعدام الأمان. صارت كل مشاهد الحب تثير غثياني، أتمنى لو أستطيع محاكمة كل من يروّج للقبل بتهمة ترويج الكذب والزيف.

أسند ما شعرت به من سوء مع شادي أحياناً لنفسي التي ألّفت، على مدار سنوات، كذبة روعة وسحر القبلة، ولكن ماذا أفعل بحاستي السادسة، حاسة خلقها الله داخلي، تكتسح كل فضائي وتطفو على قلبي وعقلي، وتكسب الأشياء روعة، تخلق من رقع العادات البالية فساتين بألوان المارشيملوه لتستر عورات احتياجاتي، حاسة أستنشق بها ما تحت الجلد، وأتذوق الأشياء التي لا طعم لها في الأساس، وأرى من خلالها في ظلام بطن الحوت.

قبلته كانت لا تليق بحب وانتظار وشغف وشوق وترقب عامين، لا تليق بأحلامي الملونة الانيقة الذي ركلها حد الموت، أجهض أحلامي في لحظة، حتى أنني شعرت بدمائها تسيل بحرارة بين فخذي وتذهب حيث اللامكان واللاوطن... مجاز في رصيف22، مساحة للكتابة الإبداعية

ولكني أعود للحقيقة الأكثر منطقية، حقيقة أن شادي خذلني، شادي الذي لا يشبهني يوماً، شادي الرومانسي، الرقيق، الشرقي، الذكوري، النسخة البدائية من والده. والده البذرة الاولى داخل عقله، بذرة وإن سكن القمر لن تندثر داخله. شادي ضحية تضارب ماضٍ فيه أصله وحاضر يتمناه ويسير نحوه بشغف ونقاء لكن لا يمكن أن يعيشه، سيظل فيه غريب يتمتع به من بعيد، يبهره كما يبهره فيلم سينما بطلته كحوريات الجنة، لكنه يظل فيلماً وتظل هي حورية جنة.

العادات، الأفكار، والده، ثم جمع هذا كله وختمه بالدين، وشوكة حلقه زينة أخته، المسؤول هو بأفعاله عن شرفها، جعلوني أشلاء تحت عجلاته الصدئة. لو علمت أمي ما فعله به شادي ليقضي على كل رغبات جسدي، لوضعته وساماً على صدرها، وصنّفت مفعوله المنظمات الطبية بجوار الختان والخصي الكيميائي، فهو معلّم عفّة محترف.

بعد عدة سنوات ومحاولات كثيرة لاستعادة رغبتي في العاطفة والجسد ونسج الأحلام ومحاولة عيشها، أهداني القدر حدثاً غير مخطط دفعني للأمام، ليلقي بي خارج وديان شادي وعلى بداية طريق الروعة القديم، بطله شاب مصري كان زميلي في الجامعة. كنت أمرّ يومها بحالة نفسية سيئة إثر وفاة جدتي، قرر مصاحبتي ليعيدني لبيتي، اقتربت يده من يدي وأنا أجلس في الكرسي المجاور له في سيارته، ليضمّ كفي بهدوء هزني، كأنه تيار كهربائي يستطيع إنارة الكون كله.

نظرته لعيني وتأمله تفاصيلي دبّت فيّ الروح، كان في فعله شيء حقيقي هادئ وراقٍ يشبهني في زمن شادي الجميل، ارتجفت من نشوة الشعور بروعة لمسته، فأغمضت عيني خوفاً من أن يرى رأس شادي اللعينة تطل عليه بنظرة اللوم والعار كما تطل عليّ دائماً، نظرته التي لم أنسها يوماً، ظل ممسكاً بيدي حتى شعرت بالأورجازم.

شعرت بشيء رائع يحدث وبسرعة غير معقولة دون حدوث أي شيء سوى لمسته بفعل قبضه على كفي الصغير، وكأن كل كبت السنوات الناتج عن الكره والخوف خرج بسلام، أطلق عنانه عندما التقى بشيء من الرقي والتقدير والتقديس، سحبت يدي بهدوء أفسد اللحظة، شعرت بأنه ينوي تقبيلي، لكنني كنت قد اكتفيت بهذا القدر من الروعة، وخشيت أن يتحول لشادي بعدها، أو أتحول أنا لأصبح الجلاد بعد سنوات من كوني ضحية.

نظرية تبدو ساذجة ولكنها واقعية في الغالب، فطلبت منه أن يحرك السيارة نحو بيتي. كنت أشعر بنبتات الرغبة تزحف نحو قلبي، وسنين القحط تتحول لسنين خضرة، وصورة أمي وصديقاتي أمامي ضئيلة وأنا من يخرج لسانه لهم هذه المرة. وفجأة قطع احتفالي الغجري المجنون صوت فيروز المنبعث عبر إذاعة سيارة صديقي وهي تغني "أنا وشادي غنينا سوا"، فتحت عيني المغلقتين على وسعهما، حيث ازدحام المدينة والظلام والفراغ وراح فمي المنتشي يخرج دون أن أشعر: "لك يلعن أمك يا شادي".

غادرت سيارته وتركته خلفي ينطلق حيث أنوار المدينة بصحبة فيروز، وكنت أغيب في ظلمات شارعي وداخلي صخب ونور، أجرّ من جديد ذيل الرغبة التي رجعت تنمو تحت فستاني، وقناعة أن شفتي لا تحب القبل، تحولت الى أن القبل هي التي لا تحُب شفتي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard