شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ساهم/ ي في صياغة المستقبل!

"راجعي قسم الأورام"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة نحن والنساء

الاثنين 31 أكتوبر 202204:20 م

تبارك الثقافة العربية الثدي الذي يؤدي دور الرضاعة، وتحفّز المؤسسات الطبية هذه الممارسة لدورها في تقليل خطر إصابة النساء بسرطان الثدي. ومؤخراً صار المجتمع يخاطب المرأة بطريقة طبية -ليضمن قبول خطابه- عن دور الرضاعة في تعزيز صحة الثدي أولاً والرحم ثانياً.

لعل الرضاعة الطبيعية من أكثر الممارسات خصوصيةً وحميميةً لدى النساء، إلا أن الحديث عنها متاح وطبيعي في المجتمعات العربية، حتى أن بعض الرجال في وسعهم إسداء النصائح إلى النساء حول هذه التجربة من دون الانتباه إلى خصوصية الأمر. إلا أن أي اعتلال يصيب صحة هذا الثدي كفيل بأن يُصمت الجميع، ويقلل من إمكانية الحديث عنه ولو بصورة طبيّة.

اللحظة الأولى لي في غرفة فحص الثدي بجهاز الألتراساوند كانت عاديةً، ولم تحمل معها أي مشاعر، فقد حولتني طبيبتي النسائية لإجراء هذه الصورة للاطمئنان على صحتي بعد أن استفسرت منها عن حالة أصابتني في الشهر الأخير، لكن اللحظة التي بدأ فيها الطبيب بالحديث معي عن تاريخ عائلتي المرضي، وركّز على تاريخ عائلتي من جهة والدتي، أشعرتني بأن هناك أمراً غير جيد يحدث في جسدي.

لكن اللحظة التي بدأ فيها الطبيب بالحديث معي عن تاريخ عائلتي المرضي، وركّز على تاريخ عائلتي من جهة والدتي، أشعرتني بأن هناك أمراً غير جيد يحدث في جسدي

"لديك ورم ليفي. لا تقلقي وراجعي قسم جراحة الأورام في مشفى كذا"؛ هذه الجملة القصيرة جعلتني أبكي وقلت للطبيب ومساعدته إنني في حاجة إلى أمي، فقد شعرت وكأني لم أُفطم بعد، وتمكن الخوف من السيطرة عليّ، ثم صرت أسأل الطبيب عن كل شيء. وللأمانة لا أتذكر الآن أياً من أسئلتي أو أجوبته. غادرت العيادة مذعورةً، أفكر في نفسي وابنتي وزوجي.

الطريق من المشفى إلى البيت كان لحديث أجريه مع نفسي عن هذا الثدي الخاص بي وحدي، وكنت متعجبةً من خوفي من أن أخبر أحداً بما يحدث، وبما ربما سيحدث، خاصةً زوجي، بالرغم من أن احتمال أن يكون ورماً حميداً، كبير.

الطريق من المشفى إلى البيت كان لحديث أجريه مع نفسي عن هذا الثدي الخاص بي وحدي.

ثمة خوف يتعاظم بسبب الحب، وخوف آخر يتبدد للسبب نفسه، لكن حالة الخوف مما يمكن أن يصيب منطقةً خاصةً وجماليةً في الجسم، وتتبع نتائج هذا الحدث، أمر صعب، خاصةً أن المُطَمئِن في حالتي كان زوجي، الذي يعرف حق المعرفة مدى عمق علاقتي بجسدي، واحتفائي به، بالرغم من هواجسي الدائمة حول الأورام الخبيثة، ويعرف أكثر أن الأسئلة ستأكلني حتى موعد إجراء الخزعة، لكنه اختار أن يظل صلباً، واخترت أنا لأسباب لا أفهمها أن أمزح وأضحك فحسب، وقد نجحت بصورة ما في المحافظة على هذه الطاقة المرحة، مما انعكس على زوجي، وتصدّرت أخيراً جملة "الحياة رايحة" عند الحديث عن أي شيء في البيت، فهي تضحكني وتضحكه وتالياً تبهج ابنتنا.

كتبت اليوم لأفكك حالة الخجل التي أصابتني بعد معرفتي بأن لدي كتلةً في ثديي الأيمن، فأنا لديّ ادعاء قديم نوعاً ما حول ملكيتي لجسدي، هذه الملكية التي تبدأ بالتلاشي حين يجيء سؤال نظرة الشريك إلى جسدي الذي ربما سيتغير شكله حسب نتيجة الخزعة، ولأسئلة لها علاقة بتقبّلي لاحتمال تغيير واضح في شكلي الخارجي، والغريب أن أسئلةً كهذه حاصرتني قبل أن تحاصرني أسئلة أهم تتعلق بوضعي الصحي في السنوات القادمة.

كتبت اليوم لأفكك حالة الخجل التي أصابتني بعد معرفتي بأن لدي كتلةً في ثديي الأيمن، فأنا لديّ ادعاء قديم نوعاً ما حول ملكيتي لجسدي

ثمة إشكالية في ترجيح كفة الصحة على كفة الجمال، فالأولى حالة داخلية تنعكس على الخارجية بنسبة جيدة، لكنها لا تغيرها بما يكفي، لكن الثانية حالة تتحقق بالصحة أولاً ثم العمل على تحسين الشكل الخارجي، فتكون متكاملةً أكثر، وتالياً مريحةً ومُرضيةً، والكتلة الموجودة في صدري الآن هي الإثبات القاطع بأن شكلي الخارجي يفوق في أهميته بالنسبة لي أي أمر آخر، وتالياً أنا لم أصل إلى مرحلة التصالح مع الجسد التي ظننت أنني بلغتها في فترة ما.

أنجلينا جولي "قطعت العرق وسيّحت دمه"، فهي بمجرد أن علمت بوجود "جين" في جسمها يرفع من احتمال الإصابة بسرطان الثدي، قامت بجراحة استئصال الثدي بالكامل، وحل مكانه ثدي جميل -بطبيعة الحال- ويؤدي غرضه على جميع المستويات، لكنه لا يصاب بالسرطان طبعاً. على الجهة المقابلة، هناك نساء منهن أنا، لسنا أنجلينا جولي، ولسنا ثريات، وليست لدينا خيارات جريئة في ما يتعلق بأشكالنا، لكن أسئلة الجسد واحدة في اعتقادي، ونتائج هذه الأسئلة هي المتغير بحسب الثقافة والتنشئة.

هناك ضحك كثير في كل أمر بالغ الجدية كالذي يحدث في حياتي اليوم، فالرعب الذي أصابني حين دخلت قسم الأورام في المشفى، قلّت هيبته بسبب قيام شخص ما برسم جملة (قسم الأورام) على الحائط بألوان ذهبية لامعة وشكّل الجملة بالفتحة والسكون بلون زهري لامع. في الواقع كدت أضحك، فالمراجعون في القسم تكاد وجوههم أن تنطق من شدة شعورهم بالضيق والتعب، ثم تذكرت أن عمّي وعمّتي وعمّة والدي رحلوا بسبب سرطان الثدي، لكن الطبيب يقول إن عائلة أمي هي التي تتحكم باحتمال الإصابة. أي مزحة سمجة هذه!

 فالرعب الذي أصابني حين دخلت قسم الأورام في المشفى، قلّت هيبته بسبب قيام شخص ما برسم جملة (قسم الأورام) على الحائط بألوان ذهبية لامعة وشكّل الجملة بالفتحة والسكون بلون زهري لامع

حتى اللحظة لا أعرف ما مصير الكتلة التي تسكن في ثديي، وليست لدي توقعات واضحة عما يمكن أن يحدث في الفترة القادمة، لكنني أوقن أن لدي حباً كبيراً لجسدي وإن كان الحب هذا خاضعاً لشروطي الخاصة، ولدي في المقابل حالة دفاع عن نفسيتي عبر السخرية من نفسي ومن المرض ومن مفاجآت الحياة وكثافتها، وأعرف أن الحميمية التي بثّها هذا الجسد للحب، ومن خلال الحب، كافية ليظل قوياً وجميلاً في أي ظرف وفي كل الظروف.

يتبع...


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

رصيف22 من أكبر المؤسسات الإعلامية في المنطقة. كتبنا في العقد الماضي، وعلى نطاق واسع، عن قضايا المرأة من مختلف الزوايا، وعن حقوق لم تنلها، وعن قيود فُرضت عليها، وعن مشاعر يُمنَع البوح بها في مجتمعاتنا، وعن عنف نفسي وجسدي تتعرض له، لمجرد قولها "لا" أحياناً. عنفٌ يطالها في الشارع كما داخل المنزل، حيث الأمان المُفترض... ونؤمن بأن بلادنا لا يمكن أن تكون حرّةً إذا كانت النساء فيها مقموعات سياسياً واجتماعياً. ولهذا، فنحن مستمرون في نقل المسكوت عنه، والتذكير يومياً بما هو مكشوف ومتجاهَل، على أملٍ بواقع أكثر عدالةً ورضا! لا تكونوا مجرد زوّار عاديين، وانزلوا عن الرصيف معنا، بل قودوا رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم، وأخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!.

Website by WhiteBeard