"الأعباء الاقتصادية والمشاكل أكبر"... سوريات يعتبرن الكشف المبكر عن سرطان الثدي رفاهية وسط الهموم

الاثنين 19 أكتوبر 202002:50 م

على عكس الكثير من دول العالم، يبدو ما يوفّره تشرين الأول/أكتوبر المخصص للتوعية حول سرطان الثدي وأهمية الكشف المبكر عنه، غير متاح لعديد من السوريات هذا العام.

وحسب تقديرات عدد من الأطباء السوريين الذين التقاهم رصيف22، فإن السيدات اللواتي أجرين الفحص المبكر خلال هذا الشهر لا يشكلن 4% من الأعداد التي قصدت المشافي والمراكز الصحية في السنوات السابقة.

وللأمر أسباب عديدة، فالاهتمام الحكومي شبه معدوم، وليس هناك سوى بعض المبادرات المجتمعية الخجولة، مع توجه بوصلة المجتمع المدني نحو الأزمات المعيشية وفيروس كورونا، والحرائق التي اشتعلت أخيراً في عدة محافظات، كما أن معظم النساء يجدن مجرد التفكير بالأمر رفاهية بعدما أثقلت كاهلهن الهموم اليومية.

الذهاب للمشافي الحكومية مخاطرة

خلال الأشهر الأخيرة، تحول الذهاب للمشافي الحكومية أو المراكز الصحية إلى ما يشبه المخاطرة لكثير من السوريين/ات، مع التخوف من التقاط العدوى بفيروس كورونا هناك.

في لقاء مع رصيف22، تقول دانيا حلاق، وهي سيدة ثلاثينية متزوجة ولديها طفلان: "المشافي الحكومية في الأحوال العادية منبع للتلوث والأمراض وقلة النظافة، وفي الظروف الراهنة نسمع ما تتناقله الأخبار عن أن الطاقة الاستيعابية وصلت لذروتها بسبب الأعداد الكبيرة لمرضى كورونا، مما يعني أن احتمال العدوى شبه مؤكد هناك".

من جهة أخرى، تشير دانيا إلى تعذر الانتظار في طابور جديد من طوابير البلاد للفوز بصورة ماموغرام مجانية، أو حتى صورة إيكو للاطمئنان على صحتها. تقول: "الأمر يشكل آخر اهتماماتي في الفترة الراهنة، فالأعباء الاقتصادية وهمومنا أكبر".

وترى ريما الحمصي في الكشف المبكر عن سرطان الثدي أمراً مخصصاً "للناس الفاضية والراضية" حسب تعبيرها، "ونحن شعب غير راضٍ ولا يستطيع التفكير بأكثر من حاجاته اليومية. عندما أريد أن أهتم بصحتي فسوف أعالج أمراضي وأمراض عائلتي التي أعجز عن نفقاتها في الفترة الراهنة، ولن أبحث عن سبل الوقاية والكشف المبكر عن سرطان الثدي"، تضيف السيدة الأربعينية في حديثها لرصيف22.

حسب تقديرات عدد من الأطباء السوريين الذين التقاهم رصيف22، فإن السيدات اللواتي أجرين الفحص المبكر خلال هذا الشهر لا يشكلن 4% من الأعداد التي قصدت المشافي والمراكز الصحية في السنوات السابقة

كورونا هو السبب

يبرر الطبيب عصام الأمين مدير "مشفى المواساة" الحكومي هذا الأمر لرصيف22: يقول: "تراجع موضوع التوعية والفحص المبكر لسرطان الثدي بسبب الاهتمام بحالات كورونا، فنحن الآن في ظل جائحة ونحاول تخفيف الازدحام قدر الإمكان في المشافي. أول من بادر في السنوات السابقة بالاستقصاء والكشف المبكر عن سرطان الثدي كان "مشفى المواساة"، بينما نحاول في الفترة الراهنة ترشيد الأعداد الموجودة في المشافي".

ويضيف: "في وقت الذروة كان لدينا 115 سريراً امتلأت جميعها، أما الآن فإن عدد مرضى كورونا في انخفاض، مما يعني قدرة المستشفى على استيعاب النساء اللواتي يرغبن في إجراء الكشف، ولكن الإقبال لا يزال منخفضاً".

وينتقل الطبيب للحديث عن "افتتاح وحدة خاصة لمعالجة سرطان الثدي متكاملة ومجانية في المستشفى خلال أسبوع، تتضمن كوادر طبية متكاملة، وتقدم كل الخدمات من إجراء الخزعات واستقبال الحالات واتخاذ الإجراءات المناسبة لكل حالة حسب مرحلتها، سواء كانت جراحة أم علاجاً كيماوياً".

جهود المراكز الخاصة

حاولت بعض المراكز الخاصة سد الثغرة وفق إمكاناتها البسيطة، منها مركز الأمل التخصصي لمعالجة الأورام في دمشق، بمشاركة بعض الجمعيات والمؤسسات المجتمعية التي تعنى بشؤون المرأة، حيث يستقبل المركز السيدات ويجري الفحوص لهن بشكل يومي ومجاني مع إقامة محاضرات للتوعية بضرورة الفحص المبكر عن سرطان الثدي.

الطبيب حسن عبد القادر حسن، الاختصاصي في معالجة الأورام الشعاعية والدوائية في المركز، يقول لرصيف22: "نستقبل كل يوم نحو 50 امرأة لإجراء الفحص بصورة مجانية بالتعاون مع الجمعيات التي ترشح لنا السيدات. وتشمل خدماتنا الفحوص السريرية وفحص الإيكو وصور الماموغرام حسب الحالة".

إضافة لذلك، يقدم أطباء المركز خلال شهر التوعية محاضرات يومية للنساء اللواتي أجرين الفحوص، تتضمن معلومات تثقيفية عن طرق الوقاية والفحص الذاتي، وتُبثّ هذه المحاضرات مباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي ليستفيد منها أكبر عدد ممكن، بالإضافة لنشر نصائح ومعلومات وفيديوهات توعوية.

ويرى الطبيب بأن الإقبال على المشافي الحكومية شبه معدوم، وخصوصاً أنها كانت مخصصة لاستقبال مرضى كوفيد-19 في الفترة السابقة، والناس أصبح لديها تخوف من دخول المشافي العامة، ويضيف: "نحن في المراكز الخاصة استطعنا أن نضبط موضوع العقامة بصورة أكبر من خلال استقبال عدد أقل وحرصنا على التباعد المكاني، والحفاظ على فترات منفصلة بين موعد وآخر، بالإضافة إلى تعقيم الأجهزة بعد كل مريضة. هذه الإجراءات من الصعب تنفيذها في المستشفى الحكومي".

وتؤكز الأرقام المتوافرة لدى الطبيب حسن أن النساء اللواتي قمن بإجراء الفحص المبكر خلال هذا الشهر لا يشلكن 4% من الأعداد في السنوات السابقة. 

"الجهات الحكومية في الأحوال العادية تجمع مبالغ ضخمة لإقامة حملات التوعية والفحص المبكر، تدفع جزءاً ضئيلاً منها والباقي لا نعلم أين يذهب، وهذه السنة كان اتجاه المساعدات لجائحة كورونا، لذلك أُهمل هذا الجانب"

التوعية لرفع نسبة الشفاء

ترى لبنى البدوي، وهي ناشطة سورية وباحثة في قضايا المرأة والجندر، أن الندوات والمحاضرات هامة لأن الكشف المبكر عن سرطان الثدي يرفع نسبة الشفاء لأكثر من 90%، بالإضافة إلى تقليل معدل الوفيات، "فبعض الأعراض يمكن معاينتها من قبل المرأة نفسها مثل وجود كتلة في منطقة الثدي أو الإبط، أو تغير في شكل الثدي أو حجمه، أو وجود ألم جديد مستمر لا يزول في الثدي أو الحلمة، أو تغييرات في شكل الحلمة، أو وجود إفرازات وإلى ما هنالك من هذه الأعراض".

وتشير البدوي في حديثها لرصيف22 إلى تواضع الحملات في الشرق الأوسط عامة، إضافة للمشاركة المتواضعة لوسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي على المستوى العالمي، وضعف مشاركات المشاهير والنشطاء ضمن هذا السياق.

"ربما نعزي الأمر للقضايا الملحة التي تشغل الشارع العربي، ومنها جائحة كورونا، والأزمات المتعاقبة بما يخص الوقود والكهرباء وغلاء المعيشة والحرائق الأخيرة، وهي المواضيع المتداولة على صفحات التواصل الاجتماعي والقنوات التلفزيونية، دون ترك مكان لحملات التوعية لشهر أكتوبر الوردي"، تقول البدوي، وتضيف أنه لم يكن هناك التمويل الكافي المعتاد لحملات سرطان الثدي في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية التي سببتها جائحة كورونا.

وهذا ما أشارت إليه منال (34 عاماً) وهي ناشطة قانونية، إذ قالت لرصيف22: "هناك مشكلة في تقييم القضايا والأولويات المجتمعية والحاجات بالنسبة للجمعيات والمجتمع المدني، وفي معظم الأحيان فإن المبادرات تفرضها الجهة الممولة وليس حسب الحاجة، والمال توجّه في الفترة الراهنة لجائحة كورونا".

وتضيف منال التي فضلت الحديث باسم مستعار: "الحالة التوعوية هامة في المراحل الأولى، ولكن ليكون العمل ذا فاعلية نحن بحاجة لمراكز تجري الفحوص في كل سوريا بصورة مجانية، ففي حال أرادت المرأة إجراء الفحص خارج الحملات المجانية فهي بحاجة لكشفية طبيب وصورة إيكو وصورة ماموغرام، وهذه الأمور تكلف حوالى 35 ألف ليرة سورية (ما يقارب 15 دولاراً)، وبالتالي فإن تكلفة الفحص يتجاوز ثلثي الراتب الشهري لموظف حكومي".  

وتختم منال بالإشارة إلى تقصير وزارة الصحة، قالت: "الجهات الحكومية في الأحوال العادية تجمع مبالغ ضخمة لإقامة حملات التوعية والفحص المبكر، تدفع جزءاً ضئيلاً منها والباقي لا نعلم أين يذهب، وهذه السنة كان اتجاه المساعدات لجائحة كورونا، لذلك أُهمل هذا الجانب".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard