شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
الخلاف السعودي الأمريكي... بن سلمان يحلم بـ"مقارعة مجموعة العشرين" لا بزعامة المسلمين

الخلاف السعودي الأمريكي... بن سلمان يحلم بـ"مقارعة مجموعة العشرين" لا بزعامة المسلمين

سياسة

السبت 29 أكتوبر 202211:46 ص

تبدو السعودية في السنوات الأخيرة، وكأنها تناطح الولايات المتحدة إعلامياً وسياسياً، مما يوحي بأن التحالف التاريخي الذي جمع البلدين انفرط عقده، فالسعوديون لا يحتاجون إلى الأمن الأمريكي، والأمريكيون لا يحتاجون إلى النفط السعودي، أو يدّعون ذلك، بالرغم من أن ما حصل مؤخراً يوحي بأن واشنطن كانت تراهن على السعوديين من أجل خفض أسعار النفط.

يقول أيهم كامل، رئيس قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجموعة أوراسيا الاستشارية للمخاطر السياسية، لصحيفة "وول ستريت جورنال"، في 24 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري: "النفط مقابل الأمن ماتت. يبدو أن الجانبين يواجهان مشكلةً في قبول انتهاء تلك الصفقة القديمة".

ومع التغييرات الجذرية التي شهدها المجتمع السعودي، منذ صعود ولي العهد محمد بن سلمان إلى سدة الحكم، يُفترض أن المملكة أصبحت أقرب إلى الليبرالية الأمريكية، وبعيدةً عن الوهابية ودولة رجال الدين، مما يعني أن تحالفهما من المفترض أن يصبح أقوى من الماضي.

أطلق بن سلمان، خطة التحول الوطني، التي يطلق عليها رؤية 2030، لتنويع مصادر الدخل، وخفض البطالة، وتعزيز السياحة الأجنبية، وتوسيع صناعة الدفاع المحلية وزيادة انفتاح المجتمع، لكن مراده لم يكن التقارب مع الأمريكيين، بل منافستهم كلاعب دولي.

الأمن المفقود

لأكثر من سبعة عقود، حافظت الولايات المتحدة والسعودية على تحالف وثيق بينهما على أساس تبادل الأمن مقابل النفط

في رأي إميل حكيم، وهو زميل قديم في شؤون الشرق الأوسط في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن، "العلاقة بين البلدين في أدنى مستوياتها على الإطلاق. لا ثقة في واشنطن ولا ثقة في الرياض. أصبحت العلاقة باردةً للغاية ومعاملتية جداً"، وذلك بعدما رفض السعوديون زيادة إنتاج النفط ليتراجع سعره على المستوى العالمي.

لأكثر من سبعة عقود، حافظت الولايات المتحدة والسعودية على تحالف وثيق بينهما على أساس تبادل الأمن مقابل النفط، بالرغم من الاختلافات حول حقوق الإنسان والصراع العربي الإسرائيلي. لكن في أعقاب اندلاع الربيع العربي، بدأ السعوديون يشككون في مدى التزام الأمريكيين بالأمن الذي يحتاجون إليه، وذلك بعدما فسروا موقف واشنطن من إزاحة قادة عرب في 2011 تخلياً عن حلفائها.

بدأت الشكوك تزداد وتتغير كلياً بعد توقيع الاتفاق النووي مع إيران عام 2015، الذي عدّته الرياض تخلياً من إدارة الرئيس السابق باراك أوباما عن السعودية في مقابل إبرام علاقات مع طهران.

يقول المحلل السياسي السعودي عادل الحميدان، لرصيف22، إن "الأمريكيين اكتفوا بالفرجة على الهجمات التي طالت منشآت السعودية النفطية، بل قاموا بسحب بطاريات الصواريخ من المملكة وسط سخرية الإعلام اليساري".

وصلت شكوك السعوديين إلى اليقين بأن الولايات المتحدة لن توفر لهم الأمن، وذلك بعدما هاجم الحوثيون البنية التحتية للطاقة في البلاد. كان رد فعل الأمريكيين ضعيفاً بل سحبوا في وقت لاحق بطاريات الدفاع الجوي من المملكة.

في الوقت ذاته، ظهر تيار تقدّمي قوي في الحزب الديمقراطي، بدأ يصرخ بصوت عالٍ في نقد السعوديين وتوبيخهم ونبذهم، على خلفية أوضاع حقوق الإنسان، التي ظلت طوال سنوات مسألةً خلافيةً وراء الأبواب لا يجري طرحها علانيةً.

وظهر في الوقت نفسه، تيار آخر في الحزب الجمهوري، بقيادة الرئيس السابق دونالد ترامب، يبتز السعودية علانيةً لدفع المال مقابل الحماية. أقرّ التياران في الكونغرس الأمريكي مشروع قانون يسمح بتحميل المملكة المسؤولية عن أي دور في هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001.

كانت هذه المشكلات لا تُقلق ساكن البيت الأبيض مع تحول الولايات المتحدة في العقد الأخير إلى أكبر منتج للنفط، والشعور بالاستقلالية عن النفط السعودي والاتجاه نحو الطاقة المتجددة.

فقد السعوديون الإحساس بالأمن مع الأمريكيين، فلم يتأخروا في نقل الشعور بالخطر وعدم الأمن إلى الديمقراطيين عبر زيادة تكاليف البنزين للمستهلكين الأمريكيين، وهو ما قد يدفع الناخبين لمعاقبة الرئيس جو بايدن

من جهتهم، فقد السعوديون الإحساس بالأمن مع الأمريكيين، فلم يتأخروا في نقل الشعور بالخطر وعدم الأمن إلى الديمقراطيين عبر زيادة تكاليف البنزين للمستهلكين الأمريكيين، وهو ما قد يدفع الناخبين لمعاقبة الرئيس جو بايدن، في انتخابات الكونغرس في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

يقول الحميدان: "يتحدثون عن أن السعودية تسعى إلى ارتفاع أسعار البترول، وشنوا هجوماً عليها زاعمين بأنها تقف مع الروس في حربهم ضد أوكرانيا، ونسوا أن المملكة أعلنت موقفها مبكراً، وصوتت في الأمم المتحدة ضد تدخل روسيا العسكري، وقدّمت مساعدات إنسانية لكييف لم تقدّمها لها أي دولة غربية على انفراد".

مشكلة زعامة

في رأي إميل حكيم، فإن السعودية تدرك، مثل دول الخليج الأخرى، أن أمنها يكمن في الغرب وازدهارها يكمن في الشرق. ويضيف: "أعتقد أن محمد بن سلمان لا يقدّر صورة السعودية كبطلة إسلامية وعربية، بقدر ما هي دولة قوية في مجموعة العشرين. لا أريد القول إن هذا رهان رابح. المشكلة في ذلك، أولاً، داخلياً: هناك الكثير من الناس، بمن فيهم الملك نفسه، ليسوا بالضرورة على الخط نفسه. ورأينا أن الملك سلمان نفسه كان أكثر دعماً للقضية الفلسطينية".

ويتابع حكيم: "ثانياً، تعلّم محمد بن سلمان، في عام 2018، في ذروة عزلته، أن العلاقات مع الدول الإسلامية والعربية مفيدة. هذه الدول هي التي ستجمع نفسها بعد مكالمة هاتفية لإظهار دعمها للسعودية. عندما لم يحضر أحد في مؤتمر الاستثمار 2018 في الرياض، ظهر اللبنانيون والباكستانيون والدول الإفريقية وما إلى ذلك وسمحوا لبن سلمان أن يقول: ‘انظروا، أنا لست معزولاً‘".

تعلّم محمد بن سلمان، في عام 2018، في ذروة عزلته، أن العلاقات مع الدول الإسلامية والعربية مفيدة

ويكمل: "أعني، كانت السعودية تعيد التفكير في دورها العالمي، إذ لا يريد بن سلمان أن تكون السعودية مجرد زعيمة للعالمين الإسلامي والعربي. يريد أن تكون السعودية قوةً حديثةً في مجموعة العشرين، فهو يحاول وضع بلاده في صندوق مختلف. هو ليس زعيم الدول الفقيرة والمحتاجة، ومعظمها في العالم العربي والإسلامي، ولكن نظير لدول مجموعة العشرين".

وبحسب مدير مبادرة "سكوكروفت" لأمن الشرق الأوسط التابعة للمجلس الأطلسي في واشنطن، جوناثان بانيكوف، أظهر بن سلمان تفضيله الانخراط العالمي القائم على المعاملات، على غرار الطريقة التي تنخرط بها كل من الصين وروسيا بشكل عام في العالم، لكن المشكلة هي أن هذه ليست الطريقة التقليدية التي تدير بها واشنطن السياسة الخارجية، مفضلةً العلاقات الإستراتيجية طويلة الأمد.

هل السعودية في حاجة إلى أمريكا؟

اعتمدت السعودية على الولايات المتحدة في التسلح وحماية أجوائها، لكن الأمريكيين سحبوا أنظمة الدفاع الجوي في الوقت الذي شن فيه الحوثيون هجمات على المملكة، كما ترفض واشنطن نقل أي تكنولوجيا في صناعة الأسلحة إلى الرياض التي تتبنى برنامجاً طموحاً لتطوير صناعاتها العسكرية.

ويقول المحاضر في العلاقات الدولية والشؤون الإستراتيجية والسياسات الدفاعية، أنس القصاص، إن "سلاح الجيش السعودي يعتمد كلياً على قطع غيار قادمة من الولايات المتحدة، من دون مبيعات السلاح الأمريكي، وستواجه القيادة السعودية تحدياً صعباً في حفظ أمن 2 مليون كيلومتر مربع وهي مساحة المملكة، وهذا تهديد لوحدة البلاد".

يتفق الخبراء على أنه لا توجد دولة أخرى يمكن أن تحل محل الأمريكيين قريباً، خاصةً الصين المترددة في لعب دور الضامن الأمني للمملكة، والتي لا تستطيع سد هذه الفجوة إذا غادرت الولايات المتحدة، والأهم من ذلك أن الدفاع الصاروخي الصيني لا تزال بكين تطوّر قدراتها فيه.

يمكن لمحمد بن سلمان، أن يلجأ إلى دول الاتحاد الأوروبي التي ستحاول القفز لسد فجوة العتاد العسكري، تماماً كما توصلت شركة داسو للطيران (الشركة الفرنسية لتصنيع طائرات رافال)، إلى اتفاق مع الإمارات العربية المتحدة لبيع طائراتها قريباً، بعد أن ألغت أبو ظبي صفقة شراء طائرة F-35 الأمريكية الصنع.

كانت السعودية تعيد التفكير في دورها العالمي، إذ لا يريد بن سلمان أن تكون السعودية مجرد زعيمة للعالمين الإسلامي والعربي. يريد أن تكون السعودية قوةً حديثةً في مجموعة العشرين

لكن القصاص يشكك في مدى قدرة الأوروبيين وحتى الإسرائيليين، في تأمين السماء السعودية في أي وقت قريب، بل يحتاج الأمر إلى سنوات من دون الأمريكيين.

من جانبه، يقول المحلل الحميدان، إن بلاده لم تتخلَّ عن أمريكا ولم تدر ظهرها لها، بالرغم من أن الإدارة الأمريكية حاولت وتحاول استفزاز السعودية، وقياس مدى صبرها. "لكن انتهت مرحلة القطب الواحد. المملكة وغيرها من الدول لن تستجدي أي دولة مهما كانت أهميتها".

التحالفات الهشة

برأي المحلل السياسي عاطف عبد الجواد، المحاضر الدولي في جامعة جورج واشنطن، فإن محمد بن سلمان يحتاج إلى الولايات المتحدة لأن التحالفات الأخرى هي تحالفات هشة وأولها تحالفات مع روسيا التي تضعف اقتصادياً وعسكرياً، وتنويع التحالفات السعودية لن يكون على حساب أمريكا.

ويقول عبد الجواد لرصيف22: "لكي تبرهن الرياض أنها لا تقف مع روسيا في حربها في أوكرانيا، قدّمت مساعدات إنسانيةً قيمتها أربعمئة مليون دولار. لا تزال تحتاج إلى الأمريكيين، وأي تضحية بتحالفاتها مع واشنطن تعني أضراراً كبيرةً مع العديد من حلفاء أمريكا في أوروبا وآسيا".

من جهته، يرى القصاص أن "الاحتياج السعودي إلى الأمريكيين لا يقتصر على السلاح، بل إدارة الحكومة، فهناك آلاف المستشارين الأمريكيين في كل مكان، وحتى في السياسة الخارجية هناك احتياج وأدوار متبادلة. أضف إلى ذلك التكنولوجيا؛ إذا أراد السعوديون تطوير بلادهم والمضي قدماً في الاستقلال عن النفط، فهم في حاجة إلى الأمريكيين".

برأيه، محمد بن سلمان أجرى تغييرات اجتماعيةً هائلةً للتقارب مع الأمريكيين، لا للبعد عنهم. هو في حاجة إليهم للاستمرار في مسار الإصلاح. هو فقط حاول تحقيق مكاسب مالية من ارتفاع أسعار النفط.

ويعتقد عبد الجواد أن الأكثر ترجيحاً هو أن موقف الطرفين السعودي والأمريكي سوف يخضع للتعديل بحلول موعد قمة مجموعة العشرين في إندونيسيا الشهر المقبل، وهي القمة التي سوف يحضرها أيضاً الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والتي قد تسفر عن مبادرة لوقف الحرب في أوكرانيا.

Website by WhiteBeard