مبادرة السعودية لحوار يمني-يمني... انسحاب من الحرب أم تصعيد لها؟

الاثنين 28 مارس 202204:29 م

لا تزال مبادرة مجلس التعاون الخليجي لإجراء مشاورات بين أطراف الصراع في اليمن، تلقي بظلالها على الساحة العربية، وخاصةً اليمنية، وتقسم الرأي العام بين مؤيد وآخر مشكك، لأنّها اختزلت ما يحدث في اليمن على أنّه صراع سياسي يمني-يمني، بعيداً عن صراع المحاور في المنطقة وتدخلاته في الساحة اليمنية، والذي يتمثل في السعودية من جانب وإيران من جانب آخر.

المبادرة لقيت رفضاً تاماً من قبل عبد الملك الحوثي الذي عمد بدوره إلى تكثيف هجماته تجاه الأراضي السعودية والتي كانت آخرها هجمات بالصواريخ على منشآت تابعة لأرامكو في جدة، وهجمات بالطائرات المسيرة على مصفاتي رأس تنورة ورابغ، وهو الأمر الذي تسبّب في ارتفاع أسعار النفط.

وتنقسم أجندة المشاورات اليمنية إلى ستة محاور، هي: المحور العسكري والأمني، ويشمل مبادئ عامة لوقف إطلاق النار على مستوى اليمن ومكافحة الإرهاب، والعملية السياسية، ومنها عملية سلام شاملة، وأسسها، وعلاقات القوى السياسية لخلق بيئة ملائمة للوصول إلى حل سياسي شامل وعادل ومستدام، إلى جانب محور تعزيز مؤسسات الدولة والإصلاح الإداري والحوكمة ومكافحة الفساد، والمحور الإنساني، ثم محور الاستقرار والتعافي الاقتصادي عبر إجراءات عاجلة لإيقاف انهيار العملة اليمنية، وتحقيق الاستقرار والتعافي لاستمرار الخدمات الأساسية والدعم المباشر من المانحين، وأخيراً محور التعافي الاجتماعي، ويشمل أهم الإجراءات والخطوات لإعادة اللحمة الاجتماعية.

محاولة استباقية؟

يرى البعض أنّ المبادرة تأتي استباقاً للأحداث والمتغيرات التي تجري في المنطقة ومحاولة من قبل الجانب السعودي لقطع الطريق على أي تشكيك في أنّها لا ترغب في إيقاف الحرب، فيما يرى آخرون أنّ المبادرة هي لترتيب البيت اليمني وللتمهيد لشنّ حرب جديدة ضد جماعة الحوثيين، إذ تدرك الرياض أنّ أي مبادرة سياسية لحل الصراع في اليمن لن تجدي نفعاً لأنّ جماعة الحوثي لن تستجيب لها.

لقيت المبادرة الخليجية لحوار يمكني-يمني رفضاً تاماً من قبل عبد الملك الحوثي الذي عمد بدوره إلى تكثيف هجماته تجاه الأراضي السعودية

يؤكدّ المحلل السياسي والخبير في الشؤون الدولية، رضوان قاسم، لرصيف22، أنّ "السعودية تريد أن تقول إنّها ليست طرفاً في هذا الصراع وتحاول أن تبيّن أنّه صراع يمني-يمني في الداخل، وهذا لا يتطابق مع الواقع، خاصةً وأنّ هناك تحالفاً كاملاً ضد جماعة أنصار الله".

والسعودية ليست وحدها في هذا الصراع، فهناك الإمارات وإيران والعديد من الدول التي لها تداخلات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وحسب قاسم، لهذا السبب تحاول السعودية اليوم طرح هذه المسألة على أنّها صراع يمني-يمني حتى تقول إنّ الصراع شأن يمني، وأنّها الطرف والمكان المناسب للحوار والجلوس على طاولة الحوار بين المتصارعين لفض هذا النزاع اليمني-اليمني.

لا يبدو أن الحوثيين مستعدون للقبول بهذه المبادرة، إذ يرون أن الرياض جزء من الحرب ولا يُمكنها أن تُشرف على مفاوضات الحل كطرف محايد، ويقول قاسم: "لن يقبل الحوثيون بمكان الحوار، وأن تكون الرياض المنطقة المحايدة والمشرفة على الحوار اليمني-اليمني، لهذا يطلب دولةً أخرى محايدةً وألا تكون مشاركةً في التحالف على اليمن طوال السنوات السبع الماضية".

وتأتي هذه المبادرة بعد سنة من إطلاق السعودية لمبادرة مشابهة رفضتها جماعة الحوثي في حينها، ونصت على وقف شامل لإطلاق النار في اليمن، حسب ما جاء على لسان وزير الخارجية فيصل بن فرحان، في 22 آذار/ مارس 2021، وتضمنت وقف إطلاق نار تحت مراقبة الأمم المتحدة، وبدء مشاورات بين الأطراف المختلفة برعاية أممية.

التوقيت والتكتيكات

توقيت المفاوضات التي ترعاها دول مجلس التعاون، جاء بناءً على الوضع العالمي السياسي المرتبك وانشغال الجميع به، خاصةً أن الولايات المتحدة اليوم في منحى آخر بعيد عن الشرق الأوسط وعن خلافاته، كما أنها تستعجل التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران لتعزيز هذا الابتعاد عن المنطقة، وتالياً يريد السعودي، حسب رؤية قاسم، "أن يستغل هذه الفرصة ليخرج بقرارات وعناوين مختلفة حتى يعلن وقف إطلاق النار، لأنّه تعب من هذه الحرب التي استمرت لأكثر من سبع سنوات من دون أن تأتي بنتيجة على أرض الواقع ولم تحقق أياً من أهدافها".

يقول عضو المكتب السياسي لجماعة "أنصار الله"، عبد الله محمد النعمي، لرصيف22، إنّ "السعودية غير جادة في مفاوضاتها ودعوتها، كونها تدعو إلى مفاوضات في بلدها وداخل أراضيها، وهذا دليل على أنّها غير جادة وتحمل نوايا سيئةً، وإنّ دعوة التفاوض ليست سوى يافطة أو عنوان لمرحلة جديدة من الحرب على اليمن".

تحاول السعودية أن تدفع نحو حوار يمني-يمني توازياً مع انشغال العالم بما يجري في أوروبا ولاستباق اتفاق نووي مع إيران، إما للخروج من الحرب التي أنهكتها على مدى 7 سنوات أو لفرض واقع جديد تكون هي خارجه كطرف مُشارك مباشرة في المعارك

ويضيف: "نحن نعرف السعودية جيداً، ونخوض معها حرباً، منذ سبعة أعوام كاملة، وتالياً نحن نعرف نوايا هذا النظام ولا توجد لديه أي نوايا جادة لإيقاف تصعيده ضد اليمن"، مشيراً إلى أنها "تحاول أن تنأى بنفسها وتجعل من نفسها الحكم والشاهد في الحرب، وأن تقنع الشعب اليمني والرأي العام الداخلي والخارجي بأنّها ليست طرفاً في الحرب وإنّما هي وسيط، مع أنّها هي من تقود التحالف العسكري ضد اليمن وهي من تفرض الحصار على الشعب اليمني وتشنّ الغارات عليه".

وحول الأسباب الحقيقية لعدم قبول الحوثيين دعوة الوساطة الخليجية، يقول النعمي: "حاولت السعودية إرسال أكثر من رسالة مفادها أّنّه في الإمكان أن يكتفي أنصار الله بالمحافظات الشمالية في اليمن، على أن تنفصل المحافظات الجنوبية ويعود اليمن يمنين شمالي وجنوبي، كما كان قبل 1990، ونحن رفضنا هذا الطرح مطلقاً ولا يمكن أن نوافق على تقسيم اليمن".

ويرى النعمي أنّ المشاوارات في سلطنة عمان والتي يرعاها الناطق الرسمي لجماعة أنصار الله، محمد عبد السلام، والوفد الوطني المفاوض، هي مجرد اجتماعات لم تخرج بأية نتائج إلى الآن، والأمم المتحدة لا تزال تعمل لصالح الولايات المتحدة الأمريكية ولا تستطيع أن تخرج عن تعليماتها.

وتحاول عُمان منذ بدء الحرب في اليمن أن تقوم بوساطات ومفاوضات لجمع طرفي النزاع والمؤثرين في مجرى الأحداث، وهذا ما حصل في عام 2016 وكررته في عام 2018 من دون تحقيق أي خرق يُذكر، وهي تحاول اليوم أن تقوم بدور الوسيط المحايد بين الحوثيين والشرعية، إلا أن لا خرق يُذكر قد تحقق في هذا السياق بالرغم من إشاعة أجواء إيجابية بداية العام الحالي.

نجاح مرهون

يقول الناشط والمحلل السياسي اليمني، أحمد نسي الحميقاني، عضو اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني، لرصيف22، إن "ما يجري من تطورات على المستوى السياسي اليمني سببه التحولات الدولية ومحاولة الخروج من المراوحة وتسليم زمام الأمور لليمنيين"، مؤكداً أنّ "تدخّل السعودية جاء بطلب رسمي من الرئيس اليمني عبد ربه هادي منصور، الذي بيده وحده وقف الحرب وليس التحالف".

يزعم الحوثيون أن السعودية عرضت على الحوثيين أن يكتفوا بالمحافظات الشمالية، على أن تنفصل المحافظات الجنوبية ويعود اليمن يمنين شمالي وجنوبي

ويرى أنّ رفض الحوثي لن يقدم ولن يؤخر، وهذا يعود إلى أنّ التحالف دمّر كل مقوماته، واستمرار الحرب ليس من صالحه، مشيراً إلى أن "الحوثي لا يعترف بالشرعية ولا يهمه الحوار معها بقدر ما يهمه الحوار مع السعودية مباشرةً، وهذا سبب رفضه المشاركة في المشاورات التي ستُعقد في الرياض، وبالشكل الذي ستُعقد فيه".

برأي الحميقاني، "الحوار سيتم حتى لو لم يحضر من الحوثيين من يمثّلهم، وسيخرج بقرارات مهمة ولكن سيبقى التنفيذ صعباً، لأن كل طرف من هذه الأطراف اليمنية المشاركة في المباحثات ستجيّر قرارات المؤتمر حسب هواها السياسي لأنّ غالبية الأطراف اليمنية غير معنية بالتنفيذ على أرض الواقع".

وستُشارك في الحوار المزمع عقده، 500 شخصية من كبار الساسة والفاعلين والوجهاء ومشايخ القبائل من جميع الأحزاب والمكونات السياسية والأطراف المتحاربة، هذا في حال طرأ أي متغيّر على موقف جماعة الحوثي التي تبدو إلى اليوم مُصرّةً على عدم تلبية الدعوة كما هي.

في المقابل، يراهن الحميقاني على عدم تنفيذ القرارات التي من الممكن أن يصل إليها المؤتمر، وهذا "يعود إلى أنّ حكومة الشرعية هي من ستقوم باختيار أسماء المشاركين في الحوار من خلف الكواليس، وتقرر من يحضر أو لا يحضر، الأمر الذي سيؤدي إلى تجاهل العديد من الشخصيات والجهات السياسية في اليمن واستبعادها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard