شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
غزة والبحر والمستقبل المجهول... عن الأسماك التي تأكل أجسادنا

غزة والبحر والمستقبل المجهول... عن الأسماك التي تأكل أجسادنا

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والفئات المهمشة

الخميس 27 أكتوبر 202202:40 م

في غزّة، تستمرّ الحياة بتفاصيلها الغريبة، وكذلك يستمرّ الموت. إنّها يوميّات المغادرين التي لا تتوقّف عن التداعي والنزف المستمرّين، وتبدو غزّة المنهكة بالفقد والخوف من كلّ ما هو "مستقبل"، صورة كبيرة ربّما تشبه إلى حدّ بعيد، لوحة الفنّان الهولندي فينسنت فان كوخ "آكلو البطاطا".

الجميع يجلسون حول نفس المائدة، ويأكلون نفس الطعام، ويمرّون بنفس الصراعات، والنتائج دائمًا واحدة، خوف من المستقبل واحتمالاته، شيء ما أشبه بخليط غريب تتشارك عدّة عوامل في فرضه على الناس في القطاع المحاصر، وقد دفع الاحتلال الإسرائيلي في هذا الاتجاه عبر كلّ الوسائل الممكنة، من حروب متكررة وحصار خانق.

حافة جبل

وعانت غزّة كذلك من حصار دائم مفروض، ومنع أهلها من السفر لأوقات طويلة، للتعليم أو العلاج أو الترفيه. هذا الحصار الممنهج من قبل الاحتلال الإسرائيلي، غيّر معالم الحياة في الشارع الغزي، وأودى بمليوني شخص للوقوف على حافة جبل، جميعهم يواجه خطر السقوط في أيّ لحظة.

وتخضع هذه الحالة المستمرّة لمزاجيّة أطراف عديدة، ما بين الاحتلال والجانب المصري، بحيث بقي معبر رفح المصري مغلقًا في وجه الناس لسنوات طويلة قبل أن يستأنف عمله مؤخرًا، وبقيود كبيرة، وتكاليف باهظة، وكامتداد للسياق الأمني والاقتصادي المأزوم في غزة، من قيود وعقوبات، أغلقت الكثير من المصانع أبوابها، وتوقف العمال عن العمل في الداخل الفلسطيني المحتل، بالإضافة إلى فشل مشاريع المواطنين الصغيرة داخل القطاع، فانتشرت البطالة بين الشباب، خاصّة أنّ عدداً كبيراً منهم يحمل الشهادات الجامعية، دون أي قدرة تشغيلية تتمكن من استيعابهم، وارتفعت البطالة لما يقارب 46% بين سكان المجتمع في غزة.

هذه العوامل كلها دفعت الشاب الغزي لمفارقة خطيرة، وهي الهرب من موت إلى موت، الأول يتشكل بطريقة قسرية من الاحتلال، والثاني هو اختيار المجازف غير المكترث للمصير، إذ منذ عدة سنوات يلجأ شباب وعائلات للسفر عبر التهريب في البحر.

غرق أقل زحاماً

اندفع الشباب مجبورين نحو الغرق في عرض البحر، من أجل مستقبل أفضل، تهريباً عبر قوارب غير مؤهلة للعدد الكبير الذي تقوم بنقلهم، ويخضعون لكل أشكال أشكال المخاطر بنية الهرب من واقع كارثي يحياه القطاع.

العوامل كلها دفعت الشاب الغزي لمفارقة خطيرة، وهي الهرب من موت إلى موت، الأول يتشكل بطريقة قسرية من الاحتلال، والثاني هو اختيار المجازف غير المكترث للمصير

وتنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي حسابات كثير من المهربين، الذين يطلبون من كل شخص عشرة آلاف دولار، ويلجأ بعضهم للاستدانة لسدادها، ويخوض الشباب لعبة المقامرة، ويتمّ دفعهم لإهدار الحياة، إن لم يكن في البرّ، ففي البحر.

الكثير من الأشخاص واجهوا الغرق خلال السنوات الماضية على الشواطئ اليونانيّة، أو الموت في غابات أوروبا، بعد اضطرارهم للمشي مسافات شاسعة من أجل العبور للدولة المقصودة في حال النجاة، ومؤخرًا، اهتزّت مشاعر المواطنين بعد انتشار أخبار حول غرق عدد من الغزيين على السواحل التونسيّة، خلال رحلة هجرة عبر البحر، إذ فقد 115 شابًا وطفلًا وامرأة من غزّة حياتهم.

يطلبون من كل شخص عشرة آلاف دولار، ويلجأ بعضهم للاستدانة لسدادها، ويخوض الشباب لعبة المقامرة، ويتمّ دفعهم لإهدار الحياة، إن لم يكن في البرّ، ففي البحر

يقول وليد أبو معروف، 36 عاماً، لرصيف22، وهو شقيق أحد ضحايا الهجرة غير الشرعية من غزة: "لقد سافر أخي وابنته عبر البحر، قبل عدة سنوات، بعدما فقد كافة الاحتمالات للعيش الكريم في غزة، واختار البحر للهرب من واقعنا المؤسف، بسبب انسداد الطرق وقتها، لقد ذهب أخي وابنته ولم يعودا منذ ذلك الوقت".

ويكمل أبو معروف: "قد يرتاح المرء بعد فترة من فراق الأعزاء عبر الموت، لكننا لا نعرف أين أخي أحمد، وقد وجدنا جثة ابنته، لكننا لم نجد جثته وقتها، ولا نعرف مصيره حتى الآن، لربما هو معتقل في أحد السجون، وربّما أكل السمك جثّته".

ويستطرد: "إن الحيرة في حالة الموت، تبقى مرهقة ومؤلمة، هذا الشعور بالتعلق بأمل لا ينقطع، في أن أخي حي يرزق، ولم يأكله السمك بعد، ولم يترسب في قاع البحر، هو بحد ذاته شعور مميت، فلا تتوقف الغصة حين تذكره، ولا يتوقف الحزن على فراقه الغامض".

ولا يكتفي الواقع في غزة من محو قدرة الشباب على الاستمرار، فلا يستطيعون الزواج بسبب الأوضاع الاقتصاديّة الكارثيّة، وحتى من يتمكن من تدبير أموره والزواج، عبر المؤسسات الربحية، التي تمنح الشباب قروضاً مالية تمكنهم بشكل وهمي من بدء حياة جديدة، هذه الحياة التي ستكون في المستقبل القريب أكثر عبئًا، حيث لا يستطيع من يعمل بعشرة أو عشرين شيكلاً (5 دولارات)، أن يعيل أسرة ويكمل احتياجاتها.

يضيف أبو معروف: "لقد لجأ أخي وغيره من الشباب لهذا النهج، بسبب عدم القدرة على إيفاء التزامات بيته، ولقد مر بأقسى الظروف، والضغط المادي والمعنوي، ووصلت حياته في غزة لطريق مسدود، بسبب انعدام الأفق وازدياد الأزمات، فانطلق نحو طريق مجهول، كان يعرف بأنه خطر، لكنه فضل المجازفة من أجل حياة أكثر كرامة، عن الاستمرار في حياة مهينة كالتي عاشها حتى بلغ مشارف الثلاثين من عمره".

ويتابع: "لقد أوصلنا الاحتلال لمرحلة صعبة من الضغط وتدمير الحياة، كما شارك في ذلك الواقع السياسي الفلسطيني، من الانقسام بين حركتي فتح وحماس، فلا أحد يشعر بما يعيشه الشاب الغزي من قهر وذل، من أجل الحصول على مال قليل، لا يكفي لشخص واحد، فما بالك أن يكون معيلاً لعائلة بأكملها".

ويكمل:"كان أخي طموحاً، يشعر بقيمة الوقت، وكان لا يقبل بحياة رديئة تستمر في طمسه ومحو هويته، لقد أراد الجميع جعلنا فئران تجارب، ومارسوا ضدنا كافة أشكال الممارسات المجحفة، لماذا يحدث كل هذا لماذا!".

ويضيف:"لقد ذهب أخي نحو البحر، وهو يهابه، لم يحبه في حياته، وكان بخبرني دوماً بأنه غدار، ينتظر الانسان كي يبتلعه، لقد ذهب أخي للبحر سفرا وهرباً وهو خائف، لربما مات وهو خائف، ولربما يستمر في سجنه المجهول، وحتى الخوف هنا لا يغادره".

ويتابع بغصة:" تصور أن طفلة بعمر الورد، تدخل هذه المقامرة، وتطفو فوق سطح البحر غريقة في منتصف الرحلة، أتخيل كيف كان أخي يتعامل مع هذا الموقف، وقت بدء غرق القارب، أو بدء مهاجمته من رجال أمن السواحل على الحدود المصرية، أتخيل كيف كانت تلك الكارثة تحدث وقتها، إنه شعور بشع لا يمكن تحمله".

وتوفي يزن الحداد غرقًا على شواطئ اليونان، بعد أن ذهب وحيدًا وترك عائلة خلفه؛ امرأة وطفلين، ليبحث عن حياة تمنحه وعائلته الأمان عام 2019، إذ جازف بكلّ ما يملك ليستطيع نقل عائلته من جحيم الحروب المتكرّرة، كما كانت ابنته تعاني من نوبات عصبيّة بفعل الانفجارات والحروب.

تقول أم يزن لرصيف22: "تلقّيت خبر غرق ابني بمشاعر لا يمكن وصفها، لكنّني شعرت أنّ جسدي يتفتت في تلك اللحظة، وكل أعصابي سقطت ولم استطع الحركة، لقد صرخت صراخاً وأنا أنادي ابني، (تعال يما أحضنك الحضن الأخير)، لا أريد غير عناق، فهذا الجسد ربيته على يدي بالعرق والجهد وسهر الليالي والخوف، هكذا يذهب للسمك، والماء والملح، هذه الأشياء استخدمتها في تربية يزن وتكبيره، وحينما كبر ألقى بنفسه للأشياء ذاتها، يا للحسرة".

وتكمل الأم: "أنا أحمل ابنتيْ يزن في اليوم أكثر مما كنت أحمله صغيراً، وكلما لامست جسد أي واحدة منهما، أتذكر لمسة يده وهو صغير، وكأن الزمن يرجع لحظتها ويخيل لي حمل يزن، آآآه لو تعرف الرجفة في جسدي، شعوري باسترجاع ابني الغريق، يشعرني بأنني أستطيع الحياة من جديد، لكن حينما أصحو من غفلتي على الواقع، أعرف أن الحياة في غزة سرقت مني المعنى والحب والأمان، لقد سُرقت في شيء لا يمكن تعويضه، وإنني أشعر بأن هذا القلب صار مخزناً للحزن، أغلقته في وجه الحياة بعد مفارقة ابني".

وتضيف:"حين أذهب للبحر وأقف أمامه، أعرف أن جثة ابني غادرته، لكن أراه في الأفق يبتسم في وجهي، وأحتقر البحر وقتها، أحتقر الواقع الذي دفعه للمجازفة بحياته من أجل لقمة العيش، وأحتقر الاحتلال الذي أوصل شبابنا لهذه المرحلة من المهانة والضيق، إنني لا أعفي أي مسؤول من تهمة الزج بأولادنا للموت بقصد أو بغير قصد، ولا بد للعالم أن يفتح أعينه، ويرى ماذا يحدث في شباب غزة الفقير، كيف يذهبون للموت بأرجلهم، ويعرف كيف أن هذا الواقع الذي يضحكون له قد سلب من داخلنا الحياة والأمان".

وتضيف الأم:"سأقول لحفديتيّ: "أبوكما لم يطلب الموت، بل كان يريد حياة سعيدة لأجلكما، في الحضن الأخير قبل وداعكما ، بكى بحرقة، ومال برأسه على الحائط، وكاد أن يسقط من أثر الفراق".

وتختم:"لقد حمل حقيبة سفره وذهب، وكان آخر قميص وضعته له زوجته في الحقيبة بطلب مني، حتى يبقى يتذكرني، فأنا من اشتريته له، وحين نقلوا جثته من أطراف البحر، عرفت بأن يلبس القميص الأزرق ذاته، ولو كنت أعرف أن هذا سيحدث، لما أعطيته ذلك القميص، وبقيت أحتضنه فهو آخر الأشياء المشتركة بيننا".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

الإعلام بوق السلطة

تهدف وسائل الإعلام المُحتَكرة من قبل الأحزاب السّياسيّة والميليشيات إلى مصادرة الإرادة الشعبيّة، والتعتيم على الحقوق، والاعتداء على الحريات، ونشر الفتنة وبثّ خطاب الكراهيّة.

حتى لا يكون اللاجئون/ ات، وأصحاب الهمم، والأقليات الدينية، ومجتمع الميم-عين وغيرهم/ نّ من مهمّشي المجتمع كبش فداء، ساهم/ ي معنا في إنتاج صحافةٍ أكثر استقلاليةً.

Website by WhiteBeard