شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

انضمّ/ ي إلى ناسك!

"ذقنا مرارة الرحلة سابقاً"... متطوعون سوريون يغيثون اللاجئين في بلجيكا

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

حياة نحن والمشرّدون

الأربعاء 2 نوفمبر 202202:28 م
Read in English:

“We've tasted the journey's bitterness”.. Syrian volunteers helping refugees arriving in Belgium

لم تمض بضع سنوات على رحلات شقاء السوريين إلى أوروبا، حتى وجدوا أنفسهم مرة ثانية أمام مشاهد تحاكي تغريبتهم المريرة التي بلغت ذروتها بين أعوام 2015 و 2018، لكنها اليوم أشقى على إخوتهم وأبناء بلدهم الذين يتذوقون نفس الكأس من جديد، نتيجة الحرب المستمرة وتبعاتها الاقتصادية.
نوستالجيا التشرد هذه، أيقظت الحميّة الإنسانية في نفوس شباب سوريين في بلجيكا.
فقد راح يوسف قويقة (31 عاماً) وأصدقاؤه يجمعون الغذاء والأغطية والملابس المحصنة ضد برد القارة القارس، ويمنحونها للعابرين حديثاً إلى بلاد الأمان، الذين لم يجدوا خلال طريقهم إليها أماناً لا من البرد ولا من الجوع.

شرارة الـ "فزعة" الأولى

قال يوسف: "نحن ذقنا مرارة هذه الرحلة عام 2014، ولا نرغب لأحد أن يختبر آلامها، لذلك قمنا بالتواصل مع الشباب المؤثرين في المجتمع العربي في بلجيكا عبر مجموعة السوريين في بلجيكا على فيسبوك وناشدناهم البدء بالعمل".
لبى عدد من الشباب طلب يوسف وأصدقائه وبدأوا بتأمين احتياجات اللاجئين الموجودين في الشوارع، محاولين في مبادرة فردية لم تتلقّ الدعم من أي جهة حكومة، تشكيل رأي عام يضغط على الحكومة لدعم هؤلاء اللاجئين.

اللاجئون الواصلون حديثاً إلى بلجيكا، يفترشون الطريق قبل حصولهم على المساعدة 

يتابع يوسف الذي وصل إلى بلجيكا عام 2014 حديثه لرصيف22: "بعض اللاجئين يَصلون عُراة بشكل كامل، ودرجة الحرارة الآن تقارب الصفر، لذلك نقوم بجمع الأغطية والألبسة والأحذية، ونقلها بسياراتنا الخاصة إليهم لنحاول إغاثتهم".

"بعض اللاجئين يَصلون عُراة تقريباً، لذلك نقوم بجمع الأغطية والألبسة والأحذية، ونقلها بسياراتنا الخاصة إليهم لنحاول إغاثتهم". يوسف قويقة، لاجئ سوري في بلجيكا منذ عام 2014

تسجل بلجيكا اليوم أزمة لجوء كبيرة بمستويات قياسية، وقدرت المفوضية العامة لشؤون اللاجئين عدد طالبي اللجوء في بلجيكا بـ 22 ألفاً و627 شخصاً منذ بداية العام الجاري، محذرة من تفاقم الأزمة نتيجة عدم توفر أماكن لهذه الأعداد الكبيرة وتلك المتوقع قدومها.
لا يحصل طالب اللجوء اليوم في بلجيكا على أي دعم لوجستي. يُقبل طلبه باللجوء، بعد أن يكون قد استغرق أشهراً في رحلته بالبحار والغابات حتى وصل إلى بلجيكا، وهذا ما جعل الوضع متأزماً بدرجة تتجاوز سيناريو عام 2015، نتيجة عجز الحكومة عن تأمين أماكن إقامة لمعظم المهاجرين اليوم.

مخيمات "أهل الخير"

يجمع المتطوعون بيانات اللاجئين ويرسلونها إلى المنظمات والهيئات الحكومية والخاصة، كما يقومون بتأمين أماكن إقامة للاجئين، عبر التواصل مع السوريين والعرب الذين يتوفر لديهم أماكن للاستضافة.
يجمع يوسف وأصدقاؤه كل أسبوع بيانات اللاجئين لمعرفة أعدادهم ويتوجهون بها إلى المنظمات والهيئات الحكومية والخاصة، كما يقومون بتأمين أماكن إقامة للقادمين الجدد عبر خلق طرق تواصل مع السوريين والعرب الذين يتوفر لديهم أماكن لاستضافة أحد اللاجئين.

أما الطعام فيتم إعداده من قبل المتطوعين ومعظمهم لاجئون قدماء، وهم أيضاً يؤمنون تبرعات عينية يقدمها أبناء الجالية العربية في بلجيكا وأشخاص من جنسيات أخرى والذين يهتمون بقضايا حقوق الإنسان.

حسب إحصائيات المفوضية الأوروبية، حلت الجنسية السورية في المرتبة الثانية بعد الجنسية الأفغانية في حين حلت الجنسية الفلسطينية في المرتبة الثالثة من حيث عدد طالبي اللجوء في بلجيكا خلال عام 2022.

أثناء عمل المتطوعين لمساعدة اللاجئين المتواجدين في الطريق

تقصير وتجاهل لأوضاع اللاجئين

رغم الجهد الكبير الذي يقوم به المبادرون، فإن حجم الحاجة كبير ولا يمكن تغطيته بمبادرة شبابية فردية، لذلك قام فريق المبادرة بتنظيم مظاهرة لإثارة الرأي العام حول قضية اللاجئين، قال عنها يوسف: "قمنا بالتعاون مع منظمة العمل في إقليم فلاندرن بالترخيص لمظاهرة أمام مركز الفيدازيل- الوكالة الاتحادية البلجيكية لاستقبال طالبي اللجوء- في بروكسل واجتمعت أعداد كبيرة من مختلف الجنسيات، للتنديد بالإهمال الذي تمارسه الحكومة في مساعدة اللاجئين، والذي هو متعمد بالتأكيد بهدف إبعاد أنظار اللاجئين عن بلجيكا وعدم القدوم إليها".

رغم الجهد الذي يقوم به المتطوعون، فإن حجم الحاجة كبير ولا يمكن تغطيته ببساطة، لذلك قام فريق المبادرة بتنظيم مظاهرة لإثارة الرأي العام حول قضية اللاجئين

تتجاهل بروكسل أصوات المئات الذي يفترشون أرصفتها، كما تجاهلت سابقاً تحذيرات أممية من الكارثة الحالية قبل وقوعها، وقد لاقت مواقفها هذه انتقادات لاذعة، وأضافت صفحة جديدة في مجلّدات ازدواجية المعايير حول التعامل مع اللاجئين، كيف لا والتاريخ يشهد كيف هرعت هذه البلاد منذ أشهر قليلة لتقديم حلول واستثناءات للقادمين من أوكرانيا، فيما تمارس اليوم هذا التسويف تجاه اللاجئين من البلدان الأخرى.
الخيبة في صفوف هؤلاء الذين ينامون في العراء، يصفها المتطوع زاهد غيدا (32 عاماً) وهو بلجيكي من أصول سورية، بالمخزية والمروعة، لما لاقاه أبناء الحرب هؤلاء من سوء معاملة وعنصرية.
يقول زاهد الذي وصل بلجيكا عام 2016: " القلق والخوف يخيمان على اللاجئين الواصلين، الذين يستنجدون بنا بحثاً عن مكان للنوم ويتوسلون للبحث عن خطوات تسرّع إجراءات الإقامة، وبعضهم يعتريه الندم على اختيار بلجيكا، معرباً عن خيبته بما رآه مقارنة بما طمح إليه وما رسمه في مخيلته عن الحياة في أوروبا".

"القلق والخوف يخيمان على اللاجئين، الذين يستنجدون بنا بحثاً عن مكان للنوم ويتوسلون للبحث عن خطوات تسرّع إجراءات الإقامة". زاهد، لاجئ سوري في بلجيكا منذ 2016

ويتابع: "انضممت إلى المجموعة المغيثة منذ أن توضح أن الحكومة تعجز عن تأمين المساكن للعازبين في بداية الأمر، لكن بعد فترة قصيرة أصبحنا نشاهد الأطفال والنساء في الشوارع أيضاً يعانون من الجوع والبرد". يعمل زاهد في منظمة Samo البلجيكية، ويضيف: "انضممت إلى المبادرة عبر مجموعة على تطبيق واتس آب، وهو أبسط ما يمكن القيام به لمساعدة هذه العائلات المنكوبة، التي نواظب على طمأنتها ودعوتها للصبر، وإلقاء الوعود بأن مشاكلهم ستُحلّ قريباً".

نعمل وسنعمل للجميع

رغم ظروف الحياة القاسية في أوروبا بالنسبة للعرب، ورغم أزمة الطاقة والتضخم التي أرهقت الجميع، يحاول هؤلاء الشبان إغاثة المشردين والواصلين دون مأوى، مهما كان عرقهم أو وجهتهم التي قدموا منها، ومن لم تمنحه الغربة وقتاً لينزل إلى الشارع، قدّم بعضاً من لقمته وثياب أطفاله لإغاثة الملهوفين بعدما استحضر من معاناته ذكريات مخاض ولادته الجديدة، فحاول أن يقدم لهم شيئاً علّه يغيثهم ويخفف من هزيمة الأمل التي ألمت بهم على أبواب بلاد الحلم.
"نسعى إلى تأسيس منظمة جامعة لنا تكون لها كوادرها الفاعلة التي تتعاون مع منظمات أخرى عربية وأوروبية، بهدف الوصول لكل محتاج في بلجيكا وغيرها". يختم يوسف قويقة مؤسس المبادرة حديثه عن طموح المبادرة بأن الأزمة مستمرة، وربما ستستعر إذا لم تتحرك حكومة قررت "كسر دف" اللجوء، وسلكت نهجاً جديداً لإغاثة منكوبي الحروب، يقوم على منح الحق بافتراش رصيف أو مدخل بناء فقط.

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel

لعلّ تعريفنا شعوباً ناطقةً بالعربية لم يعد يستقيم من دون الانتباه إلى أننا صرنا شعوباً متفلّتةً من الجغرافيا. الحروب الدائرة في منطقتنا والنزاعات الأهلية والقمع، حوّلتنا إلى مشردين، بين لاجئين ونازحين، وأي تفكير في مستقبلنا لم يعد ممكناً من دون متابعة تفاصيل حياة الجميع، أينما كانوا، وهو ما نحرص عليه في رصيف22. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard