"سأطلب اللجوء حتى لو انتحلت صفة مهاجر غير شرعي"... عرب أوكرانيا ومصائر متعددة في أوروبا

الثلاثاء 22 مارس 202203:50 م

ربما تكون المرة الأولى التي يشهر فيها السوري جواز سفره بسموّ ليمنحه امتيازاً عن أقرانه وكأنه يشهر إقامة "شينغن" أوروبية. فلطالما كان الجواز السوري مدعاة للخوف والخجل خاصة بعد احتلاله المركز الثالث بين أسوأ عشرة جوازات في العالم قياساً على الدول التي تسمح لحامله بدخولها دون تأشيرة. لكنه اليوم، منح حامله القادم من أوكرانيا حق الحماية والبقاء في عدد من الدول الأوروبية دوناً عن نظرائه العرب.

منحت ألمانيا وهولندا والسويد ودول أخرى كل عربي يحمل جواز سفر دولة عربية تعاني من حرب أو عدم استقرار وثيقة حماية مؤقتة صلاحيتها سنة، لذلك تميز السوري والعراقي عن حاملي جنسيات الدول العربية الآمنة الذين يقدم لهم واجب الإيواء لأسابيع ثم يُسَّفرون إلى بلدهم الأم.

فُسحة لجوء

يمزق نورس ج. (25 عاماً) ورقة اليوم الحادي عشر من روزنامة أيامه كلاجئ في أوروبا، بعد أن كان موظفاً في شركة استشارات قانونية بأوكرانيا منذ عام 2014، يقول لرصيف22: "تركت كييف في اليوم السابع لاندلاع الحرب في أوكرانيا، ومضيت نحو المجر مستغلاً خبرتي في السير على شفير الموت والتي اكتسبتها خلال أربع سنوات حرب في سورية، عبرت الحدود ثم توجهت إلى ألمانيا".

تعتبر أوكرانيا من الدول الخمس الأولى في العالم من حيث عدد الطلاب الأجانب وبلغ عدد الطلاب العرب 19 ألفاً، حسب وزارة التعليم العالي الأوكرانية.

قصد خريج جامعة يارسولاف الوطنية للقانون في أوكرانيا العاصمة برلين لوجود أقربائه فيها، وحصل على أوراق الحماية المؤقتة، يضيف: "ما زلت أعتبر نفسي سائحاً في أوروبا، لا أستطيع استيعاب فكرة نسف كل شيء في أوكرانيا، حتى لو قدمت الحكومات الأوروبية لنا حق اللجوء على طبق من ذهب. هناك في كييف أترك منزلاً ورصيداً في البنك وعملاً ممهوراً بخبرة سنين طويلة".

لا ينكر نورس وأقرانه أن فكرة "حق اللجوء" وإن لم تكن بمتناول اليد حالياً، تخدّر قليلاً مصاب التشرد الجديد، لذلك يصوبون عيناً حزينة على أخبار خسائر الضربات الروسية وعين أمل على ما ستفضي إليه مشاورات الاتحاد الأوروبي بشأنهم كان آخرها تصريحات تؤكد أن طول أمد الحرب سيجعل من ورقة اللاجئين الأوكرانيين ملفّاً مفتوحاً على عدّة احتمالات، بحسب وزير الداخلية الألمانية.

"ما زلت أعتبر نفسي سائحاً في أوروبا، لا أستطيع استيعاب فكرة نسف كل شيء في أوكرانيا، حتى لو قدمت الحكومات الأوروبية لنا حق اللجوء. هناك في كييف أترك منزلاً ورصيداً في البنك وعملاً ممهوراً بخبرة سنين طويلة"

"مصائب قوم عند قوم فوائد" لا بل فرصة نجاة بالنسبة لأمجد د. (24 عاماً) الذي كان ينهي فصله الدراسي الأخير في جامعة كارازين خاركيف الوطنية ويستعد للعودة إلى سورية، يقول لرصيف22: "كنت أعيش كابوساً اسمه العودة إلى سورية، ولم يكن هناك خيار آخر، فأتت هذه الحرب قبل أن أنهي دراسة الماجيستير بأشهر لأجد نفسي مرحباً بي في كل عواصم أوروبا".

ينتظر أمجد حلم تقديم اللجوء بعد أن رشقه القدر نحوه، دون أي تفكير بالعودة إلى سورية أو أوكرانيا. يضيف طالب علم الاجتماع: "اقتربت من إنهاء رسالة الماجستير وسيكون بإمكاني تقديمها من هنا عندما يستأنف الدوام في جامعتي، أما العمل بشهادتي فتكاد تكون فرصه معدومة في أوكرانيا، لذلك سأنتظر حق اللجوء وسأمضي نحوه حتى لو اضطررت إلى تمزيق إقامتي الأوكرانية وانتحال صفة مهاجر غير شرعي".

فوبيا الموطن الثالث

فكرة استغلال الحرب سبيلاً لحياة أفضل لم تكن حكراً على السوريين، فقد سجلت مراكز الإقامة المؤقتة عدة طلبات لجوء من مصريين ولبنانيين هربوا من أوكرانيا، لكنها قوبلت بالرفض ومن ثم التسفير بحسب معلومات حصلت عليها رصيف22.

"نعامل معاملة اللاجئ الأوكراني" يصف أحمد ستوري "اسم مستعار" -مواليد بغداد 1991- الإجراءات التي يقابل بها السوريون والعراقيون في برلين وأمستردام، ويضيف: "إلا أولئك الذين تحمل جوازاتهم إقامة دولة خليجية، لم تسمح لهم أوروبا بالمكوث طويلاً، كما لاحظنا التباين في التعامل مع اللاجئين بين دولة وأخرى. في ألمانيا الضغط كبير جداً وهولندا هي الأكثر تسهيلاً".

العودة إلى العراق ليست أمراً مستبعداً بالنسبة لستوري الذي يعمل مهندساً مدنياً في أوكرانيا منذ خمس سنوات، كما أنه لم يحسم أمره في طلب اللجوء، يقول لرصيف22: "العودة إلى كييف ونهاية هذا الكابوس هو أفضل السيناريوهات، حتى لو دُمر جزء منها، بالإمكان إعادة إعماره، وهذا سيوفر فرص عمل كبيرة في مجالي، أما العودة إلى العراق أو تقديم اللجوء هنا فسيكونان بمثابة الصفر بالنسبة لنا".

ما وراء البحر

رغم أن الحرب لم تكمل شهرها الأول، تظهر خطط اللاجئين العرب نسفهم فكرة العودة إلى أوكرانيا، فالكل يبحث عن الملاذ المناسب لبدء حياة جديدة ويفاضل بين الخيارات وكأنه يرسم خطة إستراتيجية لعائلته وأطفاله، عبَر وسام ب. (42 عاماً) وزوجته نادين. م -37 عاماً- ومعهما طفلان، الحدود الأوكرانية – الرومانية لتستقر العائلة السورية المقيمة في أوكرانيا منذ عام 2013 في السويد.

"العودة إلى كييف ونهاية هذا الكابوس هو أفضل السيناريوهات، حتى لو دُمر جزء منها، أما العودة إلى العراق أو تقديم اللجوء هنا فسيكونان بمثابة الصفر بالنسبة لنا"

يقول وسام الذي كان يعمل في محل تجاري بأوكرانيا: "منذ وصولنا إلى منزل شقيقة زوجتي في السويد حصلنا على الحماية المؤقتة، لكننا في اليوم التالي بدأنا بتقديم طلبات الهجرة إلى استراليا وكندا، وسنبقى في السويد إلى حين وصول تأشيرات السفر"، فيما تؤكد زوجته نادين رغبتها في السفر بعيداً عن المنطقة كلها وبدء حياة جديدة مع عائلتها، وتضيف: "عمل زوجي كان جيداً في أوكرانيا، لكن الحرب ستجعل الحياة في البلاد شاقة لسنوات. اختبرنا هذا الواقع في سورية سابقاً، لذلك قررنا الرحيل بعيداً".

عودةٌ وعرة

البقية أيضاً يحلمون بالعودة. مصريون وأردنيون ومغاربة وغيرهم من عواصم عربية آمنة، يرونها اليوم دار الأمان مهما كانت متعبة، ويتوقون للعودة إلى أوكرانيا، فيلهثون نحوها، مهما كان شكلها، ورغم كل المنغصات التي ستغرق البلاد في مخاض طويلة قبل التعافي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard