شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
الأخيرة، سأقولها عالية أمام الله

الأخيرة، سأقولها عالية أمام الله

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مجاز

السبت 29 أكتوبر 202202:39 م

"لا"


"لا" الأولى التي تكررت كثيراً بعد ذلك

في العاشرة من عمري، انتظرتُ عيد الفطر ككل عام، طقوسه لا تُنسى، صواني الكعك والبسكويت والبيتي فور، الزينة المعلقة في البيت والشوارع، الزيارة السنوية لحديقة الحيوان، اللعب مع الزرافات والقرود، الجري وراء الطيارات الورقية، صيد الأسماك الصغيرة من ترعة "القاصد"، وتناول الغداء في جنائن الحدائق العامة، زيارة "السيد البدوي"، الفرحة بأكياس الحمص والحلاوة وحب العزيز، زيارة بيت جدي وجدتي والأقارب، اللعب مع أطفال العائلة، فرحة الملابس الجديدة والعيدية، أجواء ممتلئة بالدفء والألفة، ونس البيوت وطعمها.

صحوت مبكراً، كعادة كل عيد كنت المستيقظة الأولى في المنزل. جريت نحو أبي أركب على رأسه ليصحو، وبعد جدال طويل عن جدوى الاستيقاظ مبكراً في العيد، نهض أخيراً. ألبستني أمي "تايور" جديداً مزركشاً بالزهور وحقيبة وربطة شعر لتكتمل أناقتي كهانم صغيرة، ثم أجلستني أمامها لتدهن وجهي وشفتي بالكريم والروج، لكنني تملصت منها قائلة: "لا، لا أريد". كانت المرة الأولى التي أقول فيها "لا"، والتي تكرّرت كثيراً في حياتي بعد ذلك.

مذاق رائع لطعم الحرية

عندما نزلت أول قطرة دماء مني، لم أكن مذعورة، بل أنتظرتها طويلاً؛ لأثبت أنني بنت عادية، وليست غريبة الأطوار كما يراني والداي. رسّخ صمتي الدائم، شرودي المستمر وانطوائيتي الشديدة، من نظرتهما لي، والتي تحولت إلى يقين بغرابتي، فأدى إلى خوف شديد عليِّ، وأصبح من المرفوض أن أذهب أي مشوار بمفردي، كالمدرسة، الدروس، السوبر ماركت أسفل المنزل، فلو تُركت دقيقة حتماً سأتوه في الشارع، وتخطفني العصابات، أو ربما يشرد ذهني وأنا أمر أمام العربات فتدهسني في حادثة شنيعة.

وهكذا ظلّت يد أبي قابضة على يدي اليمني، ويد أمي على اليسرى، حتى اليوم الذي أطلقت فيه صرختي المدوية على مسمع ومرأى العائلة كلها، معلنة عن خنقتي من هذا القيد الملفوف حول رقبتي والذي يمنعني من التنفس بحرية، أتذكره الآن وأنا أضحك لأنه كان أيضاً أول يوم في عيد الفطر. يبدو أن كل تمرّد لي كان في الأعياد.

ظلّت يد أبي قابضة على يدي اليمني، ويد أمي على اليسرى، حتى اليوم الذي أطلقت فيه صرختي المدوية على مسمع ومرأى العائلة كلها، معلنة عن خنقتي من هذا القيد الملفوف حول رقبتي والذي يمنعني من التنفس بحرية... مجاز

كنا جميعاً في منزل عمي بالاسكندرية، لقضاء عطلة العيد معه بصحبة أعمامي وعماتي الآخرين، وبعد تناولنا الفطور، أعلنت لأول مرة عن اجتماع طارئ أريد من الجميع حضوره، التفت الجميع لي باستغراب وشغف، أول مرة يسمعوا صوتي بشكل واضح ومرتفع. توجهت عيونهم لي، فوقفت في منتصف الصالة، أعلنت عدم رضاي عن المعاملة التي أعامل بها كطفلة رغم اقترابي من انتهاء الثانوية العامة، وبين أصوات مؤيدة ومعارضة، خرجت "لا" الثانية. قلتها وسط ذهول الجميع.

في أول يوم جامعي لي، ذهبت دون قيود على يدييّ ورقبتي. تذوقت طعم الحرية، فأطلقت التنهيدة الثانية.

اقتناص مساحة شخصية أخرى

من الجامعة للبيت ومن البيت للجامعة، مُنعت من الخروج مع أصدقائي للتنزه، وبقي الحصار. شعرت أن المرتين ستذهبان سدى: ما جدوى هذا الصوت إن لم يستطع ترك أثراً يغير حياته على الأقل.

في يوم عدت من الجامعة، اختلقت مشكلة لأفتعل شجاراً معهما، وبالفعل أطلقت صرخات متتالية كديك بري، لأعبّر عن وجودي وحاجتي لمساحة شخصية أتحرك فيها بحرية خارج الجامعة. أتذكّر إنني من شدّة الصراخ فقدت صوتي بعدها لعدة أيام، وحتى بعد راحة أحبالي الصوتية، ظل صوتي محشوراً في حلقي. بزيارة الطبيب اقترح عليهما التصرف بهدوء معي لأن الأزمة نفسية وليست عضوية، وقتها أدركا أن تغييرهما ضروري، وبذلك كانت "لا" الثالثة لي، والتي اقتنصت بها مساحة شخصية خارج الحرم الجامعي.

هروب من نظرات دونية لغرباء كثر

"لا" الرابعة تمثلت في رفضي لدخول العرسان بيتنا بحجة زواج الصالونات، كنت ولا زلت رافضة للمبدأ، لا أعلم ما جدوى أن يدخل شخص غريب عليِّ، لا أعرفه ولا يعرفني، يجلس أمامي يتفحصني من الرأس لأخمص القدم. أشعر بإهانة ما. أؤمن بالحب قبل الزواج، أو على الأقل المعرفة البسيطة التي تحدث بسبب زمالة عمل أو صداقة، وكل العلاقات العاطفية التي ارتبطت فيها بُنيت على معرفة سابقة، ورغم إنني لم أوفق حتى الآن لكن يكفي أني بفضل "لا" الرابعة هربتُ من نظرات دونية لغرباء كثر داخل منزلي.

العشق غير ممنوع ولكن!

لم أكن أؤمن بانسياب لفظ "ممنوع" على بعض قصص الحب بحجّة الظروف، فالمحبة لا يجب أن تُمنع أو تُحجب أو نهرب منها مهما حدث. إنها أنقى وأرقى شعور، بل هي ما تصفينا وتجعلنا أنقى من الماء، هي كالروح، سر من أسرار خالقها، نفخة تطلقها الأرواح، فلم نمنعها؟ حتى قابلتها متجسّدة على الأرض في صورة إنسان.

الأرواح الشفيفة دوماً تعرف أشباهها، نُفخت المحبة فينا، فولدت مشاعر صادقة، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن... الحكمة المكرّرة لكنها حقيقية، وقفنا أمام محبتنا عاجزين، مسلوبي الفعل والإرادة، في قصة محكوم عليها بالإعدام لأسباب لا داعي لذكرها، كانت تلك "لا" مني في وجهه، بنظرات زائغة من عينيه تطاردني في أحلامي حتى الآن، اضطررت أن أقولها وقلبي يعتصر حتى لا أتسبب في كارثة إنسانية لأشخاص لا ذنب لهم في شيء.

بعد الصدمة، ستمر بمرحلة الانكار ورفض الواقع، ستركل الأرض كطفل، ستخبط رأسك في الحائط، ستصرخ كل يوم حتى يتلاشى صوتك، ستشعر أن آلام العالم كلها ألقيت في قلبك فجأة مزقته، قضت على أخضره ويابسه، لم تبقِ فيه شيئاً على حاله، ثم تأتي مرحلة البكاء... مجاز

لكن بقى السؤال عالقاً في ذهني: كيف سبقت الروح الحواجز والمسافات، عبرت الأزمنة والأمكنة، عصفت بكل قيود وشروط، ولم تعرف سوى فعل المحبة؟ كيف لها أن تمس، تخترق، تتزلزل، تتداخل تتواصل، تصل، تتسامى، تتماهى، تصفو، تتحرر، تطير، وفجأة تستفيق على الواقع المعقد في مجتمع أكثر تعقيداً؟ تجد نفسها لا زالت بين جدران الأجساد، وما عبورها سوى برهة سرقتها من الزمن، وحتى تلك البرهة لابد أن تغتالها هي الأخرى، لتقف سائلة الله أن يسامحها على وئد المحبة قبل أن تنمو داخلها.

الأخيرة، ستقولها أمام الله عالية

الصدفة أحيانا تقودنا لدروب لم نتخيل أن نخطيها، قد تكون جالساً ذات مرة تتصفح في جوجل وترى سنوات عمرك مسروقة، ستمر بكل المشاعر التي يصعب وصفها، الصدمة مطرقة تنزل على رأسك، ستحجب عنك الرؤية لثانيتين، سترى العالم مظلماً، كأنك عُميت، في الحقيقة إنها لحظة النور المباغت بعد العمى الطويل، الأمر يشبه كشّاف نور سُلّط بغتة نحو عينيك بعد سبات عميق في الأحلام.

لكنك استفقت على كابوس مرعب، خاصة لو المجرم شخص كنت تحترمه وتقدره، ستنهار في عينيك الثوابت، الرموز، المبادئ، القيم، القناعات، أقسم لك أنك ستسمع صوت ارتطام ذاتك بالأرض، ستتحطم، ستنهدم كعقار قديم كان يعتقد أنه أصيل لن يقدر عليه الزمن، لكنه قدر وتجبر واستطاع أن يدوسه بقسوة.

بعد الصدمة، ستمر بمرحلة الانكار ورفض الواقع، ستركل الأرض كطفل، ستخبط رأسك في الحائط، ستصرخ كل يوم حتى يتلاشى صوتك، ستشعر أن آلام العالم كلها ألقيت في قلبك فجأة مزقته، قضت على أخضره ويابسه، لم تبقِ فيه شيئاً على حاله، ثم تأتي مرحلة البكاء... ستبكي حتى تسبّك عيناك، وتكرهك الوسادة، ستعيد سؤال "لماذا" على كل من حولك، ولن تصل لإجابة ترضيك، ستجرب مشاعر الخديعة والخيانة والغش، ستختبر قسوتها لأول مرة، ستلقي بك إلى الجحيم.

وهنا ستصل إلى مرحلة الاكتئاب الحاد الذي يجعلك تسأل ما جدوى الحياة، وتفكر في إنهائها؛ لينتهي عذابك وترتاح، ثم اضطراب ما بعد الصدمة الذي يطلّ عليك مع كل موقف شبيه بصدمتك، سواء يخصك أو يخص غيرك، ستستغرق سنوات من العلاج النفسي حتى تستطيع الوقوف مجدداً على قدميك، ومحاولة مواجهة المؤذي الذي حطمك كل هذا التحطيم.

ستبدأ الخطوات الفعلية لإثبات حقك الضائع، ستصل للخطوة الحاسمة وهي البحث عن دليل مادي يثبت حقك، لكن نهايات الواقع ليست سعيدة كالروايات الحالمة، لن تجد الدليل، لكنك ستتعافى بشكل آخر مع كل خطوة خطوتها في هذا الطريق لإثبات الحق، لإثبات أنك موجود في هذا العالم، ولك صوت قادر على السعي نحوه، حتى لو وصلت لحائط صلد، لكن النهاية الحقيقية ليست هنا في عالمنا، للحكاية بقية عند الله، ستقولها عالية في وجه الظالم، ستنزل عليه مطرقة تهشم رأسه: لا، لا، لا...ا، للحكاية بقية عند الله ستقولها عالية في وجه الظالم ستنزل عليه مطرقة تهشم رأسه: لا، لا، لا...

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard