شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ادعم/ ي الصحافة الحرّة!
خلعت الحجاب، وأصبح

خلعت الحجاب، وأصبح "السيّد حسن" مجرّد "حسن" آخر

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مجاز

السبت 8 أكتوبر 202201:01 م

الحجب

خلعت الحجاب عن رأسي منذ سنتين.

لا أذكر شيئاً قبلها إلا اللحظات التي مجّدت فيها الدين وغطاءات الشعر. كان شعري طويلاً وكنت أشعر بالأنس حين ألوّح به في المنزل لوالديّ اللذين لم يجبراني على ارتدائه يوماً. كانت والدتي الرادع الأول لارتدائي عباءة الرأس "الزينبية". تقول إنني أتحول معها إلى كيس فحم كبير.

لا أفهم تشبيهها وهي التي ارتدتها في عمر الثلاثين وخلعتها في الخمسين بعد أن اشتكت من آلام العنق المزمنة. كانت تتحجّج بكل ذلك، وأعرف أنها لم تعد تطيق أي قماش يغطيها بالكامل، ولكن شعرها المجعّد هو ما منعها عن ذلك. تقول إنه لو كان حريرياً أكثر لربما خرجت به إلى العلن مثلما فعلت في صباها، ولتباهت به وتركته للريح والشمس.

كانت تشبهني جداً. ترتدي التنانير القصيرة وترفقها بكنزة ضيقة تظهر دقّة خصرها. لكن لم أكن أنا مثلها، كان شعري طويلاً وناعماً، واخترت أن أغطيه بكامل إرادتي. تعرّفت على الدين لوحدي في السادسة عشر وتركته لوحدي في السنة التي بعدها.

ما زلت أذكر غضبي ليلة 15 شعبان، بعد عودتي من "كشّاف المهدي" إلى البيت. عدت حاملة شمعة كي أحتفظ بها في غرفتي، في الزاوية التي علّقت فيها صور الشهداء: عماد مغنية، مهدي ياغي، محمد السرور، جميل سكاف، شهداء القصير. قال خالي الذي قضى حياته مهاجراً: "بكرا بتشلح الحجاب لحالها". أذكر ردّي عليه جيداً، وأنا أستذكر له الفوارق بيني وبينه، الالتزام بالدين والروحانية التي وصلت لها وهو لم يتذوّق حلاوتها بعد.

الآن أتذكر ذلك النقاش وأحن حنيناً خالصاً. لا أضحك على فورة غضبي وقتها ولا على سذاجتي والتنميط الحزبي الذي كنت غارقة به. لا شيء سوى النوستالجيا.

*****

كان بيتنا مفتوحاً لذاكرة حزب الله، رغم أن عائلتي لم تقدم لهذا الحزب شيئاً، وهو بالتالي لم يقدم لها شيئاً. كانت علاقة ودّ مشوب بالحذر. لم نكن عائلة متدينة، بل على العكس تماماً. لم نقدم لهم سوى صورة السيد حسن نصرالله التي وضعناها في كوريدور البيت. ما إن تدخل الباب الرئيسي حتى تراها معلقة في وجهك وكأنها من أساسات البيت، ثلاجة أو غسّالة أو طقم تيفال.

عدت من "كشّاف المهدي" إلى البيت. حاملة شمعة كي أحتفظ بها في غرفتي. قال خالي الذي قضى حياته مهاجراً: "بكرا بتشلح الحجاب لحالها". أذكر ردّي عليه جيداً، وأنا أستذكر له الفوارق بيني وبينه، الالتزام بالدين والروحانية التي وصلت لها وهو لم يتذوّق حلاوتها بعد... مجاز

في طفولتي بأكملها لم أكن أعرف صاحب الصورة حتى قطعت المرحلة المتوسطة، وكانت صديقتي مروى، الفلسطينية من وسط حيفا، تقول للباقين في الصف إنها تكره هذا الرجل بشدّة، وهي تشير إلى هاتفها البلاك بيري الذي كان حديثاً في السوق وقتها.

لم أعقب على كلامها وقتها. لم أغضب ولم أوافقها الرأي، فأنا، على الرغم من أن هذا الرجل يعيش معي في المنزل، لا أعرفه أبداً. سألتها عن اسمه. قالت: "إنه السيد حسن نصر الله"، ولم تتعنَّ الشرح أكثر فهي أيضاً لا تعرف أكثر. لا أكثر من الكره المتوارث. مع الوقت أزال أحدهم الصورة من البيت، وصار السيد حسن مجرّد حسن. لا أعرف كيف.

*****

نحن نرث كل شيء، قضايانا، أيامنا. نحتفل بميلاد الإمام المنتظر. أنشدنا نشيد الكشّاف: "رايتي أعليتها يا سماء رنمي... رايتي، أمتي... أهّبي أهّبي كشّافة المهدي". أشعلنا الشموع، ردّدنا دعاء الحجّة: "اللهم كن لوليك الحجّة بن الحسن...". لا أنسى أصواتنا الهاتفة بالأدعية التي تساهم بتعجيل الظهور: كلما ارتفع صوتنا كلما اقترب المهدي من الظهور أكثر.

كانت والدتي الرادع الأول لارتدائي عباءة الرأس "الزينبية". تقول إنني أتحول معها إلى كيس فحم كبير.

في عاشوراء، كانوا يدفعون الصغار إلى البكاء، هذه كانت مهمتنا نحن الدليلات اللواتي تجاوزن السابعة عشر. نخفض لهن رؤوسهن على الكراسي الأمامية، ونلتقط صورة للتذكار أو لنشرها في العلن على هواتفنا، فتكون الشاهد الوحيد على ولائنا التام. في المدرسة كنت المفضلة عند أستاذ الدين الذي فقد أربعة أصابع من يده اليمنى. كان شيخاً معمّماً ويبدو أنه كان مجاهداً سابقاً عند حزب الله. أجاد تخبئة يده عنا جيداً، يضعها تحت عباءته ويكتب على اللوح باليد الأخرى. كنا نلمحها فقط حين يرفع يده على رأسه كي يردّد دعاء الحجّة معنا. لا يمكن أن يضع يده الشمال على رأسه، فالجزء الشمالي من أجسادنا نجساً. استقبلته دائماً وأنا أكتب له "بسم الله الرحمن الرحيم" في وسط اللوح.

حين خلعت الحجاب هربت من حصصه كلها، لم أكن أرغب برؤية نظرة خيبة الأمل على وجهه. هي ذاتها النظرة التي رأيتها في وجوه الكثيرين الذين قرّروا أنني سأدخل جهنم لا محالة. أزلت صور الشهداء عن حائطي قبل أن أخلع الحجاب بكثير. وضعتهم في الخزانة مع عباءة الرأس التي منعتني والدتي من ارتدائها. تقول إنها كانت ستوافق لو أنها لم تستيقظ مرة في السادسة صباحاً ووجدتني جالسة أرتديها وأنا أشاهد قناة المنار.

أستطيع تفهّم ردّة فعلها الآن. أحببت صوت محمود شاهين في الأناشيد الصباحية، هذا جلّ ما في الأمر. تركت كشّاف المهدي بعدها وانتسبت إلى كشاف التربية الوطنية. لم نفعل شيئاً سوى اللعب. تبدّلت الرؤوس التي كنت أضعها تحت راحتي لأحنيها تجهيزاً للبكاء إلى رؤوس مرفوعة ضاحكة. لم يعد ليدي جدوى. فاستخدمتها لإزالة الحجاب عن رأسي وللتخلي عن كل ذلك. لم أعد منتسبة إلى أي شيء.

*****

غنى التي تسكن معنا في الحي أزالت حجابها بعدي بساعة واحدة.

التقطت لي صورة وذهبت إلى أمها وطلبت منها العودة إلى المنزل. في تلك الليلة أزالت غنى الحجاب. دخلت إلى غرفتها، ارتدت كنزة نصف كم وربطت شعرها جيداً على شكل كعكة، ثم التقطت صورة على المرآة وأرسلتها إلى حبيبها المنتسب رسمياً إلى حركة أمل. تركها في تلك الليلة.

تقول إنه لم يعن لها الأمر شيئاً، أخذت حبوب أدوية مشكلة وكأنها تحتاط من أي خطأ قد يقع ويخرب عليها خطة خلعها الحجاب. إما تزيله عن رأسها، إما تموت. خرجت إلى الشرفة بعد أن أحكموا إغلاق باب المنزل كيلا تخرج هرباً، وقفزت من الطابق الأول إلى الخارج على خزان المياه.

كانت تركض بهستيرية في الشارع. الكدمات كانت واضحة على جسمها. كانت المرة الأولى التي تركض فيها عارية منذ أن صار عمرها سبع سنوات. في ذلك العمر ركضت غنى إلى الشيخ الذي كان يعلّمها الدين، وشكت له أمها التي رفضت أن تلبسها الحجاب قبل التسع سنوات، فارتدته برغبة طفلة في السابعة. هذا ما استخدمته أمها كسلاح لمحاربتها لاحقاً.

في عاشوراء، كانوا يدفعون الصغار إلى البكاء، هذه كانت مهمتنا نحن الدليلات اللواتي تجاوزن السابعة عشر. نخفض لهن رؤوسهن على الكراسي الأمامية، ونلتقط صورة للتذكار أو لنشرها في العلن على هواتفنا، فتكون الشاهد الوحيد على ولائنا التام... مجاز

كنّا في ذات الثانوية. خلعنا الحجاب في الوقت ذاته. عندما سألونا عن السبب كنت أجيب بأنني لم أخلع الحجاب لكي أظهر شعري وأتمتع به. خلعته لأنني أريد أن أرتديه مجدداً عن قناعة أكبر. كانت تطمئنهم إجابتي، أعرف ذلك من وجوههم المرتبكة التي تستريح فجأة بعد أن يضعوا حصانة مستقبلية على شعري.

كانت غنى تجيب بأنها تريد أن تظهر شعرها وجسمها للعلن. هذا كل ما في الأمر. وتضحك. أذكر ضحكتها غير المبالية جيداً. كانت أقوى مني. قالت الحقيقة التي جعلتها أنا كليشيه أكثر. وبدأت تقصّ شعرها رويداً رويداً. صار قصيراً، ثم قصته Garson.

*****

في ذكرى الثورة الإيرانية أقمنا ندوة صغيرة. جمعتنا قائدة الكشاف زينب نحن الدليلات وجلسنا في الباحة الخارجية. لم نكن على دراية بالمناسبة. كانت تحاوطنا صور الشهداء من كل زاوية: الخميني في المقدمة عابس دائماً، والخامنئي أمامه. لا أتذكر الحديث الذي دار بيننا وقتها، ولكنني لا أنسى جملة واحدة، قالتها وهي تتصبب عرقاً من الحر الصيفي المفرط: "مين فينا ما بتحب تشلح الحجاب؟".

كانت جملة صادمة لي ولمبادئي. كنت أعتبرها القدوة الأكبر لمسيرتي التي اعتنقتها، فكيف يمكن لها أن تتصبب عرقاً أو أن تظهر ذلك على الأقل، أو أن تتذمّر من الحجاب حتى لو بحسّ فكاهي عابر. لم يتقبل عقلي كل ذلك، وأعتقد أنها كانت الفتيلة الأولى التي أجبرتني على الشك وعلى البحث عن الحقائق. وبدأت تتحدث عن الثورات حول العالم، حتى قدمت سؤالاً وهي على معرفة تامة أننا لن نعرف الإجابة: "شو الشي يلي أدخل الدين الإسلامي إلى مرحلة انتشارية جديدة؟". جميعنا قدمنا إجابات مثل "علماء الدين"، "الشيوخ"، "كربلاء". ولكنها هزت لنا برأسها هزة واثقة وقالت: "ثورة الإمام الخميني".

في الحقيقة نحن لا نفرق عن مهسا أميني بشيء. والثورة الإسلامية في إيران لم تكن لإيران وحدها. منذ الأزل والدويلة التي تشكّلت هنا لصالح إيران وهي تحاول إقامة التأثير الإسلامي الانتشاري ذاته. تحاول تجديد ثورة الخميني ولكن بقائد آخر، وربما تصير على اسمه يوماً ضد نظام الغرب بأكمله. والثورة الإيرانية الشعبية لا تفرق عن ثوراتنا نحن النساء هنا. الفارق الوحيد أننا نفعل ذلك فرادى، نهرب عن الشرفات، ننتقل للعيش في بيروت، أو نموت. هذا العام قصصت أنا أيضاً شعري قصيراً،. ثم غارسون. ربما لو أعادوا علي السؤال ذاته: "لماذا خلعتِ الحجاب؟"، سأقول أنا الأخرى: لـ "ثورة الإمام الخميني".

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard