شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
لماذا نخشى نحن القلقين العلاقات العاطفية؟

لماذا نخشى نحن القلقين العلاقات العاطفية؟

أمضيت 12 شهراً في رحلة العلاج السلوكي الإدراكي مع معالجتي النفسية للتكيّف مع اضطراب القلق المعمم الذي بدأ يؤثر بشكل واضح على حياتي وأدائي لنشاطاتي وعلى طريقة تعاطيّ مع الأشخاص والعلاقات، ولعل الهاجس الوحيد أو الأكبر الذي تركز قلقي فيه، هو العلاقة مع الشريك العاطفي.

لعل القلق يبحث في مكامن الشخص عن أكثر نقاطه ضعفاً ليتركز فيها ويبدأ في إعطاء تأثيراته. سيكون الشخص القلق خائفاً على الدوام من تقييم الشريك ونظرته، وسيبذل جهده على الدوام للوفاء بأكثر المعايير الكمالية، قلقاً على مكانته عند الآخر.

القلق، وحش يحاصرني ولا أمنعه، يتملكني ويسيطر على مشاعري وتفاعلي في علاقاتي. القلق يحيط بأذرعه بمفاصل حياة القلقين الذين لن يتفهمهم بصدق سوى القلقون أمثالهم.

سُئلت مرةً عن أكثر ما أخشاه في الحياة، فكّرت قليلاً ولم أتردد في أن أجاوب أن أكثر ما يخيفني حقاً هو "الفقدان" بكافة معانيه وأشكاله، الموت، الهجر، السفر، والقطيعة، ولعل "التغيّر" أخافني دائماً أيضاً، فمن صفات القلقين الخوف من التغيير أو الخطوات الجديدة أو الأحداث الطارئة في حياتهم بشكل مبالغ فيه.

وهنا عندما نتحدث عن القلق فإننا نقصد الـAnxiety كاضطراب نفسي يدفع العديد ممن يعانون منه إلى الانخراط في سلوكيات ضمن علاقاتهم، يمكن ملاحظتها من خلال بعض العلامات مثل الخوف من أن الشخص الآخر يكذب علينا، أو أن الشريك يحب الآخرين بشكل أفضل، والقلق من خيانة الشخص، والخوف من أن قلقنا سيؤثر سلباً على العلاقة، والإفراط في التفكيرOver thinking في كل محادثة أو مكالمة أو نص مرسل إلينا، وفي النهاية تجنُّب الانخراط في العلاقات تماماً. لن يعاني كل الأشخاص القلقون بالضرورة من كل هذه الأعراض، وقد يختبرونها بدرجات متفاوتة، وتعتمد الطريقة التي يعاني بها كل شخص من القلق في علاقة ما على طبيعة وشدة القلق لديه.

ما يُبقي مظهر (22 عاماً) خائفاً على الدوام هو ألا يكون كافياً للشريك. يقول الشاب الذي يعاني من القلق الاجتماعي لرصيف22: "أخاف من تغيير الروتين وكسر مساحتي الآمنة بسبب الالتزامات المترتبة على العلاقة، وقد يتطلب مني ذلك تغيير بعض السمات في شخصيتي والتي قد لا تعجب الآخر".

ويضيف: "أعاني من الإفراط في التفكير وأفكر في كلمة سأقولها وآثارها على علاقتي، وفي ما لو كان الشخص الآخر قد تأثر بكلماتي أو سلوكياتي العفوية، فيصرف كل ذلك من جهدي وطاقتي، فاتجه للتفكير بعدم الانخراط بأي علاقة عاطفية".

بالنسبة إليه، كما حال العديد من القلقين، يتمنى الانخراط في علاقة عاطفية لكن فكرة محاولة ذلك ترعبه "بشكل غير طبيعي" لأن الخيبة مؤلمة عند الاكتشاف بأن الشريك الذي "أمضيت معه الكثير، قادر على الارتباط بآخرين بشكل طبيعي واستكمال حياته والمضي قدماً".

كيف يؤثر القلق على العلاقات؟

يشرح مدير الإرشاد والخدمات النفسية في جامعة براون ويل ميك Will Meek، في مقال نشره في موقع Verywell Mind كيف تؤثر مشاعر القلق في سلوكياتنا ضمن العلاقات، وذلك بآليتين مختلفتين هما إما سلوك الاعتماد التام أو التجنب التام.

بالنسبة إلى الاعتماد، قد يميل بعض القلقين إلى التقرب من شركائهم أو أصدقائهم والاعتماد عليهم باستمرار للحصول على الدعم والطمأنينة. وإلى جانب الإفراط في الاعتماد على الآخرين، قد يختبرون الإفراط في التفكير، والتفكير في أسوأ السيناريوهات والخوف من الرفض، والبحث عن تواصل مستمر والتوتر بحال لم يستجب الشريك أو الصديق بسرعة.

"القلق وحش يحاصرني ولا أمنعه، يتملكني ويسيطر على مشاعري وتفاعلي في علاقاتي. القلق يحيط بأذرعه بمفاصل حياة القلقين الذين لن يتفهمهم بصدق سوى القلقون أمثالهم"

أما بالنسبة إلى التجنب التام، فقد يفضل البعض تجنب المشاعر السلبية مثل الرفض أو خيبة الأمل، من خلال عدم الكشف عن مشاعرهم أو تعريض أنفسهم لمواقف يعتقدون أنها خطرة. وقد يُصور الشخص الذي يتجنب العلاقات الحميمية على أنه بارد، أو يفتقر إلى التعاطف أو أنه غير متاح عاطفياً.

ما الذي نحتاجه نحن القلقون بالفعل؟

الشريك هو الشخص الوحيد القادر على إشعارك بالطمأنينة والسيطرة على قلقك واحتوائك، برأي ضحى (30 عاماً). تقول: "ما نحتاجه نحن القلقون هو أن نكون مع شركاء يريحوننا ويفهموننا، أشخاص يفهمون ما يعنيه القلق، لئلا نغرق معهم في دوامة ‘الأوفرثينكنغ’".

تفهم الشريك للحالة التي نعاني منها مفتاح رئيسي لمقدرتنا على الانخراط في علاقات عاطفية. ولسوء الحظ، ليس الجميع بهذه الدراية والمعرفة بأساليب التعامل مع الناس القلقة.

"سُئلت مرةً عن أكثر ما أخشاه في الحياة، فكّرت قليلاً ولم أتردد في أن أجاوب أن أكثر ما يخيفني حقاً هو ‘الفقدان’ بكافة معانيه وأشكاله، الموت، الهجر، السفر، والقطيعة، ولعل ‘التغيّر’ أخافني دائماً أيضاً"

إذا كان للقلق تأثير سلبي وكبير على علاقاتك، من المهم التحدث إلى أخصائي/ة نفسي/ة. فبالإضافة إلى المعالَجة الدوائية، هناك العلاج السلوكي الإدراكي (CBT) وعلاج التعرض وغير ذلك من المعالجات المفيدة في تحسين التواصل في العلاقات. يمكن أن يساعدك الأخصائي/ة في وضع استراتيجيات حول كيفية طمأنة نفسك واتخاذ الإجراءات بنفسك دون الاعتماد على الآخرين.

لكن ما نحتاجه بحق هو أن نُفهم وألا نحوّل مفهوم الـAnxiety إلى كلمة متداولة مثل الاكتئاب عند كل شعور سلبي نشعر به، فيُستخف بهذه المشاعر والمعاناة على أنها مشاعر لحظية، قمنا بتعويمها في لغتنا وحياتنا اليومية.

كل فئات المجتمع تستحق الحياة، هكذا ببساطة. شاركونا ما يدور في رؤوسكم حالياً. غيّروا، ولا تتأقلموا!

نؤمن في رصيف22، بأن بلادنا لا يمكن أن تصبح بلاداً فيها عدالة ومساواة وكرامة، إن لم نفكر في كل فئة ومجموعة فيها، وأنها تستحق الحياة. لا تكونوا زوّاراً عاديين، وساهموا معنا في رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا!

Website by WhiteBeard