شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

لنبدأ من هنا!

"إبادة جماعية من نوع آخر"... الفصائل الموالية لتركيا تقطع أشجار عفرين و"جذور أهلها"

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

سياسة

الخميس 13 أكتوبر 202202:40 م

"أذكر أن عمّي كان يستيقظ في الرابعة صباحاً ويوقظنا معه. ينتشلنا من فراشنا الدافئ، ويحمّلنا زاد الفطور والغداء المكوّن من حبات زيتون مدمس وبضع حبات من البطاطا، ثم نتدحرج من منحدر القرية مثل كرات الطين إلى أسفل الوادي حيث نتقاذف ببقايا الصنوبر المتساقط على أطراف الطرقات الترابية، ونسير ساعةً كاملةً على أقدامنا، نصعد خلالها جبلاً ونهبط إلى وادٍ ونتسلق طرقاً ترابيةً وعرةً لنصل إلى الأرض ونتابع العناية بأغراس الزيتون وكروم العنب. كما أذكر أن أول موسم قطفنا فيه الزيتون لم يبِع عمي منه أي حبة، بل وزّعه على الأهل والجيران كما نذر على نفسه ذلك منذ أول يوم بدأ فيه بغرسها".

العلاقة التي تجمع عبود حامد (اسم مستعار)، مع أرضه وأشجاره هي علاقة وجودية لا يمكن الفصل فيها بين كينونته وبين حقوقه، ويمثل نموذجاً للشخصية الكردية العفرينية التي شكّل الزيتون وزيته مصلاً لعظامه وغذاءً لروحه. لهذا، فأي قطع أو حرق لأشجاره، محاولة لسلخه من انتمائه إلى هذه المنطقة.

يقول عبود لرصيف22: "منذ أن تم اقتلاع الأشجار من أرضي، والتعامل معها بصفتها حطب تدفئة يباع بالكيلو، أصبحت أشعر كلما مررت بالقرب من الحقل وكأنني مفخخ بالقهر والألم من دون أن أجرؤ على فعل أي شيء". عبود خسر 400 شجرة زيتون و300 شجرة عنب من أرضه وأرض عمه التي تحولت إلى أكوام من الحطب أمام ساحة المنزل الذي يستولي عليه أحد قادة فصائل "الجيش الوطني"، في قريته في ناحية راجو في منطقة جيايي كورمينج-عفرين في ريف حلب الشمالي، شمال سوريا.

عبود ليس الوحيد الذي خسر أشجاره، بل هناك الآلاف من سكان منطقة عفرين الكردية، وغالبيتهم مهجّرون قسراً، ممن خسروا أيضاً أرضهم وحقولهم المزروعة بالزيتون والأشجار المثمرة من خلال التحطيب (الأشبه بالتشبيح)، الذي تقوم به الفصائل المسلحة المدعومة من الجانب التركي منذ نحو أربع سنوات ونصف، وتحديداً منذ آذار/ مارس 2018، إلى جانب الاستيلاء عليها ونهب مواسمها، فكل عائلة عفرينية لديها قصة معجونة بالقهر عن اعتداء على أرضها الزراعية.

وصلت نسبة التدهور في الغابات إلى أكثر من 50%، وتُقدّر مساحتها الإجمالية الطبيعية بنحو 18،500 هكتار

يتحدث عبود بحسرة: "لقد قضوا على حقل الرمان العائد إلى جارنا، والبالغ عدد أشجاره 600 شجرة، تم قلعها وتقطيعها حطباً، ناهيك عن حقول الرمان والفاكهة والزيتون لآخرين أعرفهم باءت كل محاولاتهم للحيلولة دون قطعها أو حرقها، بالفشل".

الآثار السلبية

تتميز منطقة عفرين (المؤلفة من سبع نواحٍ هي راجو، وشران، ومعبطلي، وشيخ الحديد، وبلبل، وجنديرس بالإضافة إلى مركز المنطقة)، بكثرة مواردها الطبيعية وثروتها الحرجية، وتشتهر بالزراعة التي تشكل مصدر دخل رئيسي لأهلها وأهمها زراعة الزيتون إلى جانب أشجار السفرجل والمشمش واللوز والتفاح والتين والفستق الحلبي والرمان. كما توجد هناك مساحات واسعة مزروعة بأشجار الكرمة، تُعدّ منتجاتها ومشتقاتها، كالدبس والزبيب وغيرهما، مصدر دخل جيد للكثير من أهلها.

ووصل عدد أشجار الزيتون في منطقة عفرين إلى 23 مليون شجرة وفقاً للمهندس الزراعي صلاح إيبو، العامل سابقاً في هيئة الزراعة والبيئة التابعة للإدارة الذاتية الكردية في عفرين حتى عام 2018، وتشكل وارداتها مصدر دخل لأكثر من 70% من أبنائها، إلا أن الفصائل المسلحة استولت على 90% من حقول الزيتون.

يقول إيبو لرصيف22: "لا يمكن الحديث عن عمليات التحطيب وقطع الأشجار والحرائق المفتعلة من دون التطرق إلى تعمد تركيا تدمير بيئة المنطقة من خلال الفصائل المسلحة التي تدعمها، لأن كل التعديات التي وقعت تجري من خلالها وعلى أيدي المنتمين إليها، وبهذا تتنوع الآثار السلبية لعمليات التحطيب والرعي الجائر في غابات عفرين على السكان المحليين، بين آثار اقتصادية وبيئية ونفسية".

وتعمّدت الفصائل تدمير البيئة الطبيعية في عفرين بُعيد احتلالها، لتغيير ملامحها أولاً، وللاستفادة اقتصادياً من الأخشاب نتيجة التحطيب أو بيع الفحم بعد إحداث حرائق متعمدة في بعض المواقع الحرجية ثانياً، ما أدى إلى تحوّل مساحات من الأراضي الزراعية والحرجية إلى أراضٍ قاحلة كما حدث للأراضي الموجودة على ضفاف بحيرة ميدانكي، إلى جانب سوء أوضاع المزراعين، بحسب ما يروي إيبو.

منذ أن تم اقتلاع الأشجار من أرضي، والتعامل معها بصفتها حطب تدفئة يباع بالكيلو، أصبحت أشعر كلما مررت بالقرب من الحقل وكأنني مفخخ بالقهر والألم من دون أن أجرؤ على فعل أي شيء

ويضيف: "بهذا ستزيد نسبة التلوث، بالإضافة إلى ضآلة منسوب الأمطار، ما سيؤثر بشكل مباشر على منسوب المياه الجوفية والسطحية وتالياً سيمتد أثرها إلى قوت أهالي عفرين الأصليين الذين يعتمدون على الزراعة كمصدر رزق أساسي، ناهيك عن الآثار البيئية والاقتصادية، كما ستتأثر السياحة الداخلية أيضاً، فالمناطق الجرداء لا تشجع الأهالي على الاصطياف أو التوجه إلى مكان قاحل لقضاء عطلة الأسبوع فيه".

أما عن إمكانية التخفيف من الخسائر البيئية التي تتعرض لها المنطقة، فيقول إيبو: "للأسف في الوقت الذي يدعو فيه العالم أجمع إلى زراعة الأشجار وزيادة المسطحات الخضراء لمواجهة الاحتباس الحراري، تنتهج تركيا والفصائل التابعة لها سياسةً ضد الإرادة الدولية، لهذا لا يمكن التخفيف من هذه الخسائر إلا بتدخل دولي يُلزم تركيا كدولة احتلال باحترام القوانين الدولية وحماية البيئة في المناطق السورية الواقعة تحت سيطرتها".

ووفق بيان إدارة البيئة في الإدارة الذاتية لشمال سوريا وشرقها، الصادر في 8 أيلول/ سبتمبر 2022، كان إنتاج منطقة عفرين السنوي نحو 270‏ ألف طن من الزيتون، أي ما يعادل نحو 55‏ ألف طن من زيت الزيتون، لكن تم اقتلاع ما يقارب مليوني شجرة منذ عام 2018، وما وقع للبيئة في عفرين من تدمير وقطع وحرق يحتاج إلى خمسين سنةً لإصلاحه.

انتهاكات يومية

في كل يوم يتم رصد انتهاك جديد في حق الأشجار من قبل المنظمات المدنية والحقوقية المحلية، فيما هناك مئات الأشجار التي يخشى أصحابها الحديث عنها، خوفاً من الاعتقال أو الاختطاف أو الاعتداء.

في مطلع أيلول/ سبتمبر الماضي، انتشرت مقاطع فيديو وصور تظهر عمليات قطع جائرةً للأحراج المحيطة ببحيرة ميدانكي على يد مجموعة من فصيل "فرقة السلطان مراد" المنضوي ضمن صفوف "الجيش الوطني"، وتحولت بذلك إلى تلال جرداء، فيما رصدت شبكة "عفرين بوست" المعنية بأخبار منطقة عفرين، عمليات قطع واسعةً تطال الأحراج الصنوبرية المحيطة بقرية مسكتا، ناحية شيخ الحديد، على يد مجموعة مسلحة تتبع لفصيل "الجبهة الشامية" المسيطر على القرية، وقطع أشجار غابة البلوط في محيط قرية ميدان أكبس، ناحية راجو، من قبل فصيل "فيلق الشام"، والتي يصل عمر بعض أشجارها إلى 200 سنة. كما اندثرت الغابة الحرجية المطلة على مدينة عفرين من جهة حي المحمودية.

وفي 24 حزيران/ يونيو الماضي، قامت مجموعة عناصر في ميليشيا "سمرقند" بقطع عشوائي لأشجار الزيتون من حقول قرى جومكيه وقسطل كشك وقيبار وقره تبه، وتم جمعها في منشرة لتقطيعها حطباً وتعبئتها في أكياس، ومن ثم شحنها إلى إدلب لبيعها في أسواقها. وفي شهر آب/ أغسطس 2022 فقط، تم قطع 1،182 شجرةً غالبيتها أشجار زيتون والبقية أشجار رمان وسرو وجوز.

وتزامن القطع مع انتشار فيديو لأحد أعضاء فريق الإطفاء في 3 أيلول/ سبتمبر الماضي، عن وقوع حرائق مفتعلة في الأحراج قرب جبل قازقلي، ناحية جنديرس، وقال فريق الإطفاء إن الحرائق مُفتعلة، وإنهم قاموا بإخماد الحريق الأول بدايةً، لكنّهم فوجئوا بحريق ثانٍ، وشاهدوا رجلاً يتحرك قرب موقع الحريق، وتابعوا عملهم في إخماد بعض نقاط انتشار الحرائق في الوادي، إلا أنّهم لم يتمكنوا من الوصول إلى الحرائق الأخرى بسبب وعورة الأرض وانحدارها، واعتمدوا في عملهم على طريقة العزل لمنع انتشار الحريق.

منذ أوائل أيار/ مايو 2019، قامت قوات الاحتلال التركي والمسلحون الموالون لها بافتعال الحرائق في العديد من الغابات في قرى ونواحي مدينة عفرين

ووصلت نسبة التدهور في الغابات إلى أكثر من 50%، وتُقدّر مساحتها الإجمالية الطبيعية بنحو 18،500 هكتار، والاصطناعية بنحو 21،000 هكتار، بحسب تقرير لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا، علماً أن المنطقة تتميز بوجود غطاء حرجي طبيعي وغابات صناعية غُرست من قبل الحكومة السورية سابقاً، ويُعد هذا الغطاء الأكبر في محافظة حلب، والأشجار الحرجية في معظمها من الصنوبر إلى جانب السرو.

وجاء في تقرير لمنظمة حقوق الإنسان عفرين-سوريا، التالي: "منذ أوائل أيار/ مايو 2019، قامت قوات الاحتلال التركي والمسلحون الموالون لها بافتعال الحرائق في العديد من الغابات في قرى ونواحي مدينة عفرين، وتقدَّر المساحة المتضررة بنحو 12 ألف هكتار من أصل 33 ألف هكتار من المساحة المخصصة للزراعة وفق إحصائيات وزارة الزراعة السورية، والمساحة التي تم حرقها هي من الغابات الحرجية وأشجار الزيتون والأراضي الزراعية".

لم تتوقف عمليات القطع منذ احتلال عفرين في 18 آذار/ مارس 2018، ولا توجد إحصائيات دقيقة لأعداد الأشجار المقطوعة، سواء الأشجار المثمرة أو الأشجار الحرجية والغابات المعمرة، بقصد الاتّجار بالحطب أو صناعة الفحم، ناهيك عن أنه يتم قطع الأشجار لتحضير الأرض لبناء التجمعات السكنيّة الاستيطانية.

وكشف تقرير لمنظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، عن تواطؤ منظمات إنسانية، سورية ودولية، في تنفيذ مشروع استيطان في ناحية جنديرس في عفرين بعد قطع مئات الأشجار الحرجيّة على سفح تلّة محليّة عام 2019، بحسب صور أقمار صناعيّة حصريّة.

إبادة جماعية

يقول الحقوقي حسين نعسو، عضو اللجنة الإدارية للهيئة القانونية الكردية في أوروبا، لرصيف22: "بالتأكيد هذه الجرائم المرتكَبة في حق طبيعة عفرين، ستؤثر على هوية المنطقة وخصوصيتها، وهي تندرج ضمن جرائم الإبادة الجماعية التي نصت عليها اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، وخاصةً في المادة الثانية منها الفقرة (ج)، التي تنص على أنه يُعدّ جريمة إبادة جماعية، إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً".

الجرائم المرتكَبة في حق طبيعة عفرين، ستؤثر على هوية المنطقة وخصوصيتها، وهي تندرج ضمن جرائم الإبادة الجماعية التي نصت عليها اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948

وحسب ما أوضح نعسو، "فالقضاء العمد على مقومات الحياة في منطقة ما من قبل دولة ما، أو جماعة مسلحة ما، بغية إكراه جماعة قومية أو إثنية على تركها والنزوح منها، هو أيضاً شكل من أشكال التدمير الكلي أو الجزئي للجماعة وفقاً لنص المادة أعلاه، ويُعدّ جريمة إبادة جماعية".

تسعى الهيئة القانونية الكردية في أوروبا، بصفتها هيئةً قانونيةً، إلى إحاطة المنظمات الحقوقية الدولية بصورة الأوضاع في المنطقة وتزويدها بالوثائق والملفات التي تثبت وقوع جرائم ضد الإنسانية في حق المواطنين الأكراد في المنطقة، والادّعاء على تركيا أمام المحاكم الدولية، لكنهم يصطدمون بعوائق قانونية عدة تتعلق بالشروط والإجراءات الشكلية لكل محكمة، من قبيل أن تركيا ليست من الموقعين على ميثاق روما المؤسس للجنائية الدولية، وتالياً لا يمكن الادّعاء عليها أمام هذه المحكمة.

"ناهيكم عن أن المجتمع الدولي وللأسف إلى يومنا هذا، لم يقرّ ولم يعترف بأن الوجود العسكري التركي في سوريا هو احتلال، مع ما يترتب على ذلك وفقاً للقانون الدولي من التزامات وواجبات على دولة الاحتلال، الأمر الذي يجعل فرص الادّعاء والشكوى ضدها ضئيلةً"، يقول نعسو، بالرغم من أن القانون الدولي يمنع الإضرار المباشر بالبيئة أو التراث المادي. 


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel
Website by WhiteBeard