شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
حقول الغاز اللبنانية تنتظر "ما بعد" المسوحات الوردية... هل سُرقت ثروات "قانا"؟

حقول الغاز اللبنانية تنتظر "ما بعد" المسوحات الوردية... هل سُرقت ثروات "قانا"؟

سياسة

الأربعاء 12 أكتوبر 202212:51 م

بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في العام 2000، وقيام خبراء الأمم المتحدة برسم خطّ حدوديّ سُمّي بـ"الخط الأزرق"، وُلد النزاع بين لبنان وإسرائيل، بدءاً من النقطة الأولى في البرّ عند شاطىء البحر في رأس الناقورة، وصولاً إلى الحدود البحرية الإقليمية والمناطق الاقتصادية. هذا النزاع استمرّ 22 عاماً، ولم يُحلّ سوى بتوافر ظروف محلية وإقليمية ودولية مناسبة.

اتفاق بعد 22 عاماً

بعد سنوات على انطلاق التفاوض غير المباشر بين لبنان وإسرائيل، بوساطة أمريكية تعدّد معها المبعوثون والاقتراحات، بدايةً من الخطأ التاريخي للحكومة اللبنانية بالترسيم مع قبرص (كنا قد تناولناه بشكل موسع)، مروراً باقتراح خطّ هوف وحصول لبنان على 60 في المئة من المساحات المتنازع عليها، مقابل 40 في المئة لإسرائيل، وولادة الخطّ 29 الذي يعطي لبنان مساحة 1،430 كيلومتراً مربعاً، والجدال الذي رافقه في لبنان والتأثير على مفاوضات الناقورة وتعطّلها، ومن ثمّ رفض رئيس الجمهورية الاعتراف رسمياً بالخط 29، وإيداعه الأمم المتحدة، ومن بعدها العودة إلى التفاوض عبر جولات مكوكية للوسيط الأمريكي آموس هوكشتين، وصولاً إلى تدخل حزب الله عبر تهديدات أمينه العام بأنه "لا غاز من كاريش قبل الغاز من قانا"، ودخول المسيّرات على الخط، انتهاءً بقبول لبنان بالخط 23 + قانا.

اليوم، تتجه الأمور إلى الخواتيم السعيدة، ربما، بعد الوصول إلى حلّ يقضي بحصول لبنان على الخطّ 23، وكامل حقل قانا الغازي، مقابل حصول إسرائيل على حقل كاريش كاملاً، وترك الشركة العاملة في حقل قانا، أي شركة توتال الفرنسية، تتفاوض مع الإسرائيليين حول التعويض الذي ستدفعه لهم كنوع من التعويض على ما يقع من حقل قانا ضمن حصتها.

يقضي الاتفاق بحصول لبنان على الخطّ 23، وكامل حقل قانا الغازي، مقابل حصول إسرائيل على حقل كاريش كاملاً

حسب المعلومات التي رشحت عن الاتفاق، لن تكون هناك منطقة أمنية، ولن يُعترف بخطّ الطفافات الذي وضعته إسرائيل، وتالياً ستُترك منطقة توصل البرّ بالبحر بمسافة 5 كيلومترات تقريباً إلى مرحلة لاحقة من التفاوض، وهكذا يكون مسار الترسيم البحري قد خرج عن الترسيم البرّي، ولن يؤثر الترسيم اليوم على النقاط في البرّ التي يوجد حولها خلاف أيضاً، كما أنه بحسب الاتفاق لن تعمل شركة لبنانية شمال الخطّ 23، ولن تعمل شركة إسرائيلية جنوبه، كما لن تعمل في الحقول هناك شركات خاضعة لعقوبات دولية.

كذلك، كان لافتاً فور إعلان لبنان موافقته على الصيغة النهائية للاتفاق، وصول مدير شركة توتال الفرنسية لوران فيفيه، إلى بيروت ولقاؤه المسؤولين، كون الشركة وفرنسا جزءاً لا يتجزأ من الاتفاق، إذ هناك ضمانات ببدء عمل الشركة في التنقيب فور التوقيع، علماً أن لبنان سبق أن لزّم بلوكات لتجمع شركات لتعمل، لكنها عملت في البلوك 4، وأعلنت أنه لا يحتوي على كميات واعدة من الغاز وغادرت من دون عودة.

إلى هنا كل شيء جيد، لكن هل يمكن القول إن لبنان بعد الترسيم سيدخل نادي الدول النفطية؟ أم أن الأمر متروك للحظ في ما بعد بشأن ما تحتويه الحقول في البحر من ثروات؟

ولادة الحقول العشرة

تُظهر خريطة تقسيم البحر، أن فيه 10 بلوكات، 1 و2 شمال لبنان، وهناك مشكلات مع سوريا حول التقسيم وحصة لبنان، و3-4-5-6-7، في الوسط بين الشمال والجنوب، والبلوك رقم 4 الذي عملت فيه توتال، و8-9-10 جنوب لبنان مقابل فلسطين المحتلة، والبلوك 9 هو المعروف بحقل قانا. وُلدت هذه الحقول وفق المساحة البحرية للمنطقة الاقتصادية والبالغة 22،700 كيلومتر مربع، وفق المسوحات الزلزالية ثلاثية الأبعاد، ما عدا البلوك رقم 8، بسبب النزاع على الحدود، وتالياً لم تُقسّم البلوكات من حيث الكل، بل من حيث "الثروة المفترضة" التي تجذب الشركات العالمية للاستثمار.

هذا التقسيم يعني أن الدولة ممثلةً في وزارة الطاقة والمياه قد قامت بالدراسات الأولية اللازمة لإجراء التقسيمات، وهذه الدراسات معتمدة على المسوحات الزلزالية، وتملك معطيات حول الثروة الموجودة في البحر، إنما بحسب مصادر متابعة في الوزارة، فإنها لم ولن تنشر هذه المعطيات والنتائج الأولية التي تملكها، بل هي تقدّمها حصراً للشركات التي تُريد تقديم العروض للعمل في البحر اللبناني في دورات التراخيص، لأن الشركة لا تستثمر بشكل أعمى.

الدراسات الأولية لا تقول ما هي احتمالات وجود الغاز، إنما تقلّص من احتمالات الحفر في مكان عدم وجوده، فبين كل 4 آبار تُحفر هناك احتمال بوجود ثلاثة آبار فارغة

وتقول المصادر لرصيف22: "هذه الدراسات أولية، أي تحتمل الخطأ، لكن ما حصل في البلوك رقم 4 مع شركة توتال عام 2020، لا يعني أن البلوك رقم 4 خالٍ من الغاز، إذ إن في كل حقل نقاطاً محدّدةً للحفر، ولا تزال في الحقل رقم 4 نقاط يُفترض أن تُحفر فيها الآبار بعد مزيد من الدراسات التفصيلية، وقد أصبحت في حوزة توتال معلومات مهمة عن الطبقة الجيولوجية هناك، ما سيسهّل عملية اختيار نقطة الحفر الجديدة".

وكانت توتال قد أعلنت عام 2020، أنها "أنجزت أعمال حفر البئر على عمق 4،076 متراً، وعبرت طبقة الأوليغو-ميوسين الجيولوجية المستهدفة بالكامل، ووجدت آثاراً للغاز، ما يؤكد وجود نظام هيدروكربوني غير أنه لم يتم العثور على خزانات، الهدف الرئيسي لهذه البئر الاستكشافية".

تقديرات الثروة النفطية

تتعدّد الأرقام التي تُرمى هنا وهناك، للدلالة على حجم الثروة النفطية الموجودة في البحر، وبحسب مصادر وزارة الطاقة، تُشير الدراسات الأولية إلى وجود ما بين 25 و35 تريليون قدم مكعب من الغاز في البحر، وأكثر من نصف مليار برميل من النفط السائل، وقيمة هذه الثروة تختلف بحسب الأسعار العالمية التي هي اليوم مرتفعة للغاية، إنما لا يمكن تقدير الثروة مالياً اليوم لأن الاستخراج يحتاج إلى نحو 5 سنوات في حال بدأ اليوم.

في هذا السياق، يُشير الخبير الاقتصادي مارك أيوب، إلى أن التقديرات الموجودة في لبنان مبنية على المسوحات الزلزالية ثنائية وثلاثية الأبعاد، وهذه الدراسات تُحدّد مكامن محتملةً لوجود النفط والغاز، إنما لا يمكن الحسم سوى بالحفر، وكلنا نعرف ماذا حصل في البلوك رقم 4، وكيف أننا في حاجة إلى الحفر مجدداً للبحث عن الغاز.

 لا يمكن تقدير الثروة مالياً اليوم لأن الاستخراج يحتاج إلى نحو 5 سنوات في حال بدأ اليوم

ويضيف أيوب في حديثه إلى رصيف22: "اليوم أُزيلت العوائق السياسية والجيو-سياسية من أمام لبنان، لأجل البدء بالتنقيب، ولا شك أن الشركات ستحضر في حال فُتحت دورة التراخيص الثالثة نهاية العام لتلزيم مزيد من البلوكات، ويمكن القول إن السوق قد فُتحت، لكن لا يمكن القول إن لبنان دخل نادي الدول النفطية قبل إيجاد البئر التجارية الأولى".

بالنسبة إلى أيوب، فإن المنطقة الجيولوجية المحيطة بلبنان كلها تحتوي على الغاز، من سوريا إلى قبرص إلى إسرائيل، وهذا يعني أن احتمالات وجود الغاز في البحر اللبناني كبيرة، ولا نحتاج إلا إلى اكتشاف تجاري، مشيراً إلى أن الدراسات الأولية لا تقول ما هي احتمالات وجود الغاز، إنما تقلّص من احتمالات الحفر في مكان عدم وجوده، مشدداً على أنه "بين كل 4 آبار تُحفر هناك احتمال بوجود ثلاثة آبار فارغة، وتجب إدارة التوقعات بناءً على هذه النسبة".

هل سُرق غاز قانا؟

بتاريخ 10 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، كشف تقرير نشره موقع "واللا" الإسرائيلي، أن وزارة الطاقة أبلغت الوزراء خلال جلسة للكابينت بأن التقديرات المتعلقة بكميات الغاز الطبيعي في حقل غاز "قانا" المتنازع عليه مع لبنان، أقل بكثير من المتوقع، وأفاد الموقع نقلاً عن 4 مسؤولين حضروا اجتماع الكابينت، بأن مدير وزارة الطاقة، ليئور شيلاط، قال إن تقديرات وزارته وشركة "توتال إنرجي"، التي تمتلك امتياز التنقيب عن الغاز في حقل "قانا" المتنازع عليه، تشير إلى أن الربح المحتمل من المنطقة المعنية يبلغ ثلاثة مليارات دولار فقط، ومن المحتمل أيضاً أن يكون حقل "قانا" جافاً تماماً.

قد يكون الكلام الإسرائيلي محاولةً لتخفيف حجم الترسيم على الجمهور، وإقناعه بأن التخلي عن حقل قانا والقبول بكاريش كانت له فوائد كبيرة جداً، وأن إسرائيل قد حصّلت حقوقها أكثر بكثير مما فعل لبنان، إنما قد لا يكون الكلام كذلك في حال ربطناه مع خشية المؤرخ الدكتور عصام خليفة من أن تكون إسرائيل قد سرقت غاز قانا.

هناك من يؤكد أن إسرائيل بدأت بالضخ من كاريش وقانا منذ العام 2020، وهناك من يؤكد أن إسرائيل نقّبت في المربعين 8 و9 اللبنانيَين 11 بئراً، وأنها تضخ من هذه الآبار

في البداية، يؤكد الخبير أيوب، أن كل ما يجري في إسرائيل هو تخبّط سياسي انتخابي، إذ لا يمكن لأحد تقدير حجم ما يحتويه الحقل قبل الحفر، كما أنه لا يمكن تقدير العائدات المالية قبل بيع الغاز ومعرفة سعره في تاريخ بيعه، سائلاً: "في حال كان الكلام الإسرائيلي صحيحاً، لماذا يطالبون بالحقل؟ ولماذا يريدون حصتهم من عائداته؟".

يُشير الدكتور خليفة، وهو أحد اعضاء جبهة الدفاع عن الخط 29 في لبنان، في سياق حديثه عن جريمة التخلي عن الخط 29 لصالح الخط 23، والحديث عن الثروة البحرية، إلى أن "هناك من يؤكد أن إسرائيل بدأت بالضخ من كاريش وقانا منذ العام 2020، وهناك من يؤكد أن إسرائيل نقّبت في المربعين 8 و9 اللبنانيَين 11 بئراً، وأنها تضخ من هذه الآبار، وأن إسرائيل تفاوض "توتال" لتغطية هذه السرقة، لأن في البلوكين ما يزيد عن 6 تريليونات قدم مكعب من الغاز، أي ما يعادل احتياط قطر الذي يساوي 8 آلاف مليار دولار.

فهل يمكن لأحد من المسؤولين اللبنانيين الرد على السؤال؟ وهل سُرق غاز لبنان قبل الانتهاء من ترسيم الحدود؟

بالنسبة لمارك أيوب، يمكن تقنياً سرقة غاز قانا بعد الحفر في الحقل أو بالقرب منه، إنما لا توجد اليوم، من خلال المعلومات المتوافرة والآبار المحفورة، أي إشارات أو براهين حول عملية سرقة الغاز، مشيراً إلى أن الإسرائيلي لديه باخرة عائمة تعمل شمال حقل كاريش وجنوبه، لكنها لم تحفر ومن شبه المستحيل سرقة الغاز من دون حفر آبار.

Website by WhiteBeard