لعبة الغاز في الشرق الأوسط... طريق تركيا الاقتصادي يمرّ عبر إسرائيل والعكس صحيح

السبت 26 فبراير 202203:46 م

منذ سنوات تشهد العلاقات السياسية بين تركيا وإسرائيل توتراتٍ متصاعدةً لأسباب عدة، آخرها ملف غاز البحر الأبيض المتوسط، والذي توليه أنقرة أهميةً بالغةً دفعتها لخوض حروب بالوكالة في ليبيا، كما كادت الأمور أن تتصاعد إلى حد الاصطدام العسكري مع اليونان، وهو ما أدى بدوره إلى علاقات متوترة للغاية مع الاتحاد الأوروبي.

تُعدّ إسرائيل جزءاً من "منتدى غاز شرق المتوسط" (يضم مصر وإسرائيل واليونان وقبرص وفرنسا ودول أخرى)، والذي أُنشئ في عام 2019، ومقرّه في القاهرة، ويهدف بشكل رئيسي إلى تنسيق العمل حول ثروات الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، أحد أكبر الملفات التي دخلت فيها تركيا خلال السنوات الماضية، وأكثرها تعقيداً.

تُعدّ إسرائيل جزءاً من "منتدى غاز شرق المتوسط"، والذي أُنشئ في عام 2019، ويهدف بشكل رئيسي إلى تنسيق العمل حول ثروات الغاز في شرق المتوسط

وطرحت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أدروغان، إلى العاصمة الإماراتية أبو ظبي، السؤال حول مدى تدخل الإمارات لتهدئة الأمور بين تركيا وإسرائيل في ما يتعلق بموضوع الغاز، خاصةً مع العلاقات المتصاعدة بين الأولى والأخيرة، والعلاقات الجيدة بين مصر والإمارات، وهو ما قد يسهم في حلحلة الملفات العالقة بين أنقرة وخصومها، وانضمامها لاحقاً إلى منتدى الغاز.

وسبق أن أعلن أردوغان عن زيارة خلال شهر آذار/ مارس المقبل، للرئيس الإسرائيلي إسحق هرتزوغ، وهو ما يمثل بالنسبة لأنقرة وتل أبيب انفراجةً سياسيةً على صعيد العلاقات السياسية بين الطرفين.

التهدئة السياسية والغاز

فرض تغيير الإدارة الأمريكية، وسعي رئيسها جو بايدن إلى الانسحاب من الشرق الأوسط، والتركيز على مواجهة الصين، وقائع جديدةً في المنطقة، دفعت دولها إلى التهدئة ومحاولة إيجاد حل للخلافات بينها، بعد عقد كامل من التوتر والصراع.

ويبدو أن السياسة الخارجية التركية تمضي في اتجاه التهدئة مع الدول الإقليمية المختلفة، سواء لأسباب اقتصادية أو لتكريس المكتسبات العسكرية والسياسية التي حققتها أنقرة خلال الفترة الماضية، أو لاستثمارها في الانتخابات الرئاسية المقبلة والمقررة في عام 2023.

ويرى الباحث في الشأن التركي والعلاقات الدولية، طه عودة، في حديثه إلى رصيف22، أن "متغيرات كثيرةً حصلت خلال العام الماضي 2021، بعد أن وجدت أنقرة نفسها مضطرةً إلى إعادة صياغة سياستها الخارجية وعلاقاتها الإقليمية، تحت وطأة أزمة حادة يمر بها اقتصاد البلاد، وذلك من خلال اعتماد منهج تصفير لمشكلاتها مع دول تعدّها وازنةً في المنطقة، فأطلقت فرص الحوار مع مصر ودول الخليج واليونان وأرمينيا".

بعيداً عن الخطاب السياسي، مصالح كثيرة تجمع تركيا وإسرائيل، الأولى تطرح اتفاقيات لترسيم الحدود البحرية في شرق المتوسط، والثانية تطرح اتفاقاً لنقل الغاز الإسرائيلي وغاز شرق المتوسط بشكل عام إلى أوروبا عبر تركيا

وتشمل التهدئة أيضاً العلاقات مع إسرائيل، والتي تملك بدورها حضوراً فاعلاً في ملف غاز شرق البحر الأبيض المتوسط، وعلاقات قويةً فيه مع كل من مصر واليونان، أبرز خصوم أنقرة في ملف الغاز. وسبق أن وصل التوتر إلى حدود الاشتباك العسكري بين أنقرة وأثينا خلال عامي 2019 و2020، قبل أن يعودا إلى مباحثات ثنائية، مع تدخل سياسي مباشر من قبل الاتحاد الأوروبي حينها.

ويرى الصحافي المختص بالشؤون التركية، إسماعيل كايا، أن "ملف الغاز يحتل أولويةً كبيرةً في السياسة الخارجية التركية، وتركيا تعطي أولويةً كبيرةً لهذا الموضوع، ولكنه ليس الملف الأساسي".

وجدت أنقرة نفسها مضطرةً إلى إعادة صياغة سياستها الخارجية وعلاقاتها الإقليمية، تحت وطأة أزمة حادة يمر بها اقتصاد البلاد

ويضيف كايا لرصيف22: "يمكن لتركيا وإسرائيل التعاون في المرحلة المقبلة. تركيا تطرح اتفاقيات لترسيم الحدود البحرية في شرق البحر المتوسط، والأهم أن إسرائيل تطرح اتفاقاً لنقل الغاز الإسرائيلي وغاز شرق البحر المتوسط بشكل عام إلى أوروبا من خلال تركيا، وخاصةً بعد فشل مشروع (إيست ميد)، الذي كانت تعتمد عليه اليونان وإسرائيل، وتالياً ثبت عملياً ومن خلال الخطوات السابقة كلها أنه لا اتفاق منطقياً لنقل الغاز إلى أوروبا، إلا من خلال الأراضي التركية".

وحسب كايا، فإن تركيا تحاول تعزيز موقعها في صراع الغاز على شرق المتوسط، وهذا سيعطيها موقعاً جديداً في هذا الصراع بعد أن حاولت كل القوى وخاصةً اليونان ومصر وإسرائيل عزلها عن هذا الملف، وتركيا تؤكد أنها جزء أساسي فيه وتطمح إلى تحقيق نتائج بكل تأكيد في هذا الإطار.

وكان وفد تركي يضم بين أعضائه المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالن، ونائب وزير الخارجية التركي، سدات أونال، قد زار إسرائيل خلال شهر شباط/ فبراير الحالي، والتقى المنسقين العامين في الرئاسة ووزارة الخارجية الإسرائيلية، وذلك حسب ما ذكرت وكالة "الأناضول" التركية، شبه الرسمية.

وتناول الوفدان حينها تحضيرات زيارة الرئيس الإسرائيلي إلى أنقرة وفق الوكالة.

دور محتمل للإمارات

يقول إسماعيل كايا، إنه "لا توجد علاقة مباشرة بين مسار تحسين العلاقات مع الإمارات وإسرائيل، بل هناك مسار شامل في السياسة الخارجية التركية نحو العودة إلى سياسة صفر مشكلات. في المرحلة الماضية، اتّبع حزب العدالة والتنمية هذه السياسة، ولكن حصلت تغيرات إقليمية وتدخلات دولية في المنطقة دفعت تركيا لتكون جزءاً أساسياً في هذه الصراعات، وتحاول حماية مصالحها وأمنها القومي وغيرها من الأسباب التي دفعتها للتدخل في هذا الملف، ولكن اليوم في عقب هدوء الكثير من الملفات تعود تركيا بالتدريج إلى سياسة صفر مشكلات".

التغير الطارئ على السياسة الخارجية التركية لا تمكن قراءته من دون الأخذ بعين الاعتبار العوامل الاقتصادية بما فيها "غاز المتوسط"

وتملك تركيا علاقات تجاريةً واقتصاديةً واسعةً مع إسرائيل، ويبدو أن العلاقات السياسية المتوترة بين الطرفين لم تؤثر على العلاقات التجارية بينهما، وفي هذا الصدد يشير الأكاديمي والاقتصادي فراس شعبو، إلى اعتقاده بأن "العلاقات التركية الإسرائيلية أقوى سياسياً واقتصادياً من العلاقات السياسية والاقتصادية بين الإمارات وإسرائيل"، بينما يعتقد طه عودة أوغلو، أن التغير الطارئ على السياسة الخارجية التركية لا تمكن قراءته من دون الأخذ بعين الاعتبار العوامل الاقتصادية بما فيها "غاز المتوسط"، والسياسية كمحدد رئيسي لهذه الاستدارة ومنها تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

ويشرح عودة أن "الزيارة يمكن وصفها بأنها بداية حقبة جديدة من التفاهمات في الشرق الأوسط عموماً، وما يؤكد على ذلك، التصريحات الرسمية التركية التي أفادت بأن هذه الزيارة مقدمة لإعادة ترتيب العلاقات التركية-الإسرائيلية من دون إغفال الحقوق الفلسطينية، وتجاوز الخلافات وإعادة العلاقات مع مصر إلى مسارها الطبيعي".

الأمر نفسه يشير إليه الباحث في الاقتصاد السياسي، يحيى السيد عمر، إذ يقول لرصيف22، إن "تركيا تسعى إلى أن تكون عقدةً دوليةً لتوزيع الغاز في العالم، لا سيما من الشرق الأوسط والقوقاز إلى أوروبا، لكن المشروع التركي قد يصطدم بالمشروع الإسرائيلي الرامي إلى نقل الغاز من إسرائيل إلى قبرص واليونان فأوروبا، لذلك فالمصالحة الإسرائيلية التركية قد تمهد الطريق لتوافق إقليمي على مشروع واحد يحقق مصالح الدول والأطراف كلها".

احتمال وجود دور إماراتي في التقريب بين أنقرة وتل أبيب مرتفع، إذ إن الإمارات تقود "مساعي حثيثةً" لتدوير زوايا أي مشكلة في الشرق الأوسط

من جهة أخرى، يرى السيد عمر، أنه "لا يمكن الجزم بدور محتمل للإمارات في تقريب وجهات النظر بين أنقرة وتل أبيب"، إلا أنه يشير إلى أن احتمال وجود هذا الدور مرتفع، إذ إن الإمارات تقود حالياً "مساعي حثيثةً لتدوير الزوايا في أي مشكلة في الشرق الأوسط، وهنا تعود إلى الواجهة زيارة وزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد، للنظام السوري والتي تعزز القول بتوجه الإمارات نحو مصالحات شاملة في المنطقة".

تمشي أنقرة في اتجاه التهدئة مع معظم الدول الإقليمية بعد ما يقارب عقداً كاملاً من الخلافات التي وصلت إلى حدود التدخل العسكري في سوريا، ودعم عسكري في ليبيا والحرب بين أذربيجان وأرمينيا، وتوسيع نفوذها في إفريقيا ولبنان والأردن.

ومع نهاية العقد الدامي، والانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط، ودخول روسيا في معركة مفتوحة مع أوكرانيا، يبدو الوقت مناسباً للغاية لتركيا ودول أخرى لتثبيت مكتسباتها والاستعداد لعقد جديد ربما يحمل مفاجئات أخرى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard