ورحل شيخ الصمت الصاخب… "أسامة عبدالعظيم" السلفي الذي رفض الثورة وأغضب السلفيين

الأربعاء 5 أكتوبر 202205:46 م

خلال الساعات القليلة الماضية، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة في مصر إلى دفتر عزاء كبير، عقب رحيل الدكتور أسامة عبد العظيم، الداعية السلفي، وأستاذ أصول الفقه في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر في القاهرة، عن عمر ناهز 74 عاماً، صباح الثلاثاء 4 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري.

لم يكن الرجل معروفاً لدى الكثيرين، خاصة أنه لم يكن دائم الظهور على شاشات التليفزيون، وحرص حرصاً بالغاً على الابتعاد عن الحديث عن السياسة، خاصة بعد ثورة 25 يناير. لكن جنازته المهيبة التي شارك فيها الآلاف، بجانب اجتماع السلفيين وعلماء الأزهر على نعيه، أظهرا المكانة التي يندر أن يحوزها داعية إسلامي معروف في الوقت الحالي خصوصاً في مصر.

جنازته المهيبة التي شارك فيها الآلاف، بجانب اجتماع السلفيين وعلماء الأزهر على نعيه، أظهرا المكانة التي يندر أن يحوزها داعية إسلامي معروف في الوقت الحالي، خصوصاً في مصر

من هو أسامة عبد العظيم؟

اسمه أسامة محمد عبدالعظيم حمزة الشافعي، ولد في 25 كانون الثاني/يناير عام 1948، بحي الخليفة في القاهرة، وتخرج في قسم الدراسات الإسلامية والعربية بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر في القاهرة عام 1969.

حصل عبد العظيم على الماجستير في أصول الفقه من قسم أصول الفقه بالكلية ذاتها عام 1974، ولم يتوقف تعليمه عند الدراسات الإسلامية، وسعى لإنهاء دراسته للهندسة الميكانيكية في جامعة الأزهر أيضاً. لكن دراساته العليا اقتصرت على أصول الفقه التي حاز فيها درجة الدكتوراة.

عُيّن الدكتور أسامة عبد العظيم مدرسا لأصول الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنين بالقاهرة، ثم حصل على درجة الأستاذ المساعد في المجال ذاته، أيلول/سبتمبر عام 1993، ودرجة الأستاذية في حزيران/يونيو 1996، وتدرج إلى أن أصبح رئيس قسم الشريعة بالكلية ذاتها.

وإلى جانب ذلك، اختير الراحل عضواً باللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين تخصص أصول الفقه بجامعة الأزهر.

ووفقا لبعض المواقع السلفية، فإن الدكتور أسامة عبد العظيم كان شافعي المذهب، وتفرغ للدعوة بمسجده "عباد الرحمن" في حي الإمام الشافعي بالتونسي في القاهرة.

وترك الراحل العديد من المؤلفات، كان منها "شرح الولي العراقي على منهاج البيضاوي"، المسمى بـ"التحرير لما في منهاج الوصول من المعقول والمنقول"، ونال على تحقيق الكتاب درجة الدكتوراة، بتقدير مرتبة الشرف الأولى في الأصول من كلية الشريعة في جامعة الأزهر عام 1983.

وإلى جانب ذلك، ترك مؤلفات أخرى منها: "عـيون الأصول، مدخل الهائب إلى تيسير وتحرير مختصر ابن الحاجب، السبيل لتصفية علم الأصول من الدخيل، نحو منهج جديد في تخريج الفروع على الأصول، بحث أصولي مبتكر عن شروط الاجتهاد، أسباب الإجمال في الكتاب والسنة وأثرها في الاستنباط، مقدمات النَّسْخ، القصص القرآني وأثره في استنباط الأحكام، إتحاف الأكابر بتهذيب كتاب الكبائر - تحقيق وتهذيب وترتيب، رسالة إلى كل مسلم لابن قيم الجوزية - راجعها وعلَّق عليها، مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن قيم الجوزية، راجعها وعلَّق عليها"، وغيرها.

ووفقا لأحد المواقع السلفية، كان للراحل درسا ثابتاً يوم الأربعاء من كل أسبوع.

أسس الرجل مدرسة سلفية خاصة به، جعلته يحظى بشعبية واسعة. واختار الشيخ دعم شعبيته بين الناس بابتعاده عن المجال السياسي، الذي انخرط فيه العديد من طوائف السلفيين في مصر منذ ثورة 25 يناير

بعيداً عن السياسة

امتلك الرجل مدرسة سلفية خاصة به، جعلته يحظى بشعبية واسعة. واختار الشيخ دعم شعبيته بين الناس بابتعاده عن المجال السياسي، الذي انخرط فيه العديد من طوائف السلفيين في مصر منذ ثورة 25 يناير.

فعلى العكس من قادة السلفية ودعاتها الذين تلقفوا فرصة توسيع قاعدة تأثيرهم الإعلامي والجماهيري وسعوا إلى كسب حظوة سياسية لدى القوات المسلحة التي كانت تدير البلاد من جانب والإخوان المسلمين القريبين من الحكم – وقتها- من جانب آخر، أمثال محمد حسان وحسين يعقوب وحتى الساعين للحكم مباشرة مثل حازم صلاح أبو إسماعيل، لم يكن لعبد العظيم رأي معلن في هذا الشأن، أو توجه معين يسير عليه، سوى الالتزام بما تحول عنه رفاقه السلفيين مع تحول دفة الأحداث. فبينما استطاع أئمة سلفيون يتمتعون بالشهرة أن يجدوا نصوصاً تتيح الالتفاف على تصريحاتهم التي سبقت الثورة وأصروا عليها في أيامها الأولى حول رفض الخروج على الحاكم، ظل عبدالعظيم متمسكاً بالمبدأ نفسه ولم يحد عنه.

25 يناير "عبث"

يقول أمين شعبان أمين، في مؤلفه المعنون بـ"الاستراتيجية الأمريكية تجاه حركات الإسلام"، إن هناك سلفية حركية مبتورة من العلماء والمشايخ والوعاظ، موجودة على امتداد محافظات مصر المختلفة، تحتفظ باستقلالها عن الدعوة السلفية، وذكر منهم الراحل أسامة عبد العظيم.

وابتعد الرجل عن العمل السياسي، وعلى الرغم من دخول الكثير من الطوائف السلفية في هذا الشأن إلا أنه لم يكن من ضمنها، لكن كان له رأي في ثورة 25 يناير أعلنه في العام 2011؛ قال فيه إنه يرى أن ما حدث "عبث وفساد، وكلمة ثورة ليست شرفاً، لأنها من تدبير المخابرات المركزية"، مؤكداً أن "كل الثورات والانقلابات من فعل مخابرات ووزارت الخارجية في أمريكا وإسرائيل وبريطانيا".

وفي أحد اللقاءات مع طلاب المدينة الجامعية لجامعة الأزهر، أكد الداعية الراحل أن "المظاهرات حرام شرعاً، خاصة التي خرجت في ميدان التحرير للمطالبة برحيل مبارك"، مشيرا إلى أنها طالبت بالخروج على الحاكم، و"هو ما يحرمه الشرع الكريم"، معتبرا أنه "لا يعقل أن تصل المظاهرات إلى حد زحف المتظاهرين إلى قصر العروبة للمطالبة بتنحي الرئيس المخلوع مبارك".

وجد زملائه من أئمة السلفية وسائل للتراجع عما أعلنوه في بداية الثورة من أنها "خروج غير شرعي على الحاكم"، بمجرد تحول التيار نحو انتصار المحتجين. ولم يثبت على موقفه منهم سوى قلائل، على رأسهم أسامة عبدالعظيم

ويؤكد ماهر فرغلي، الباحث في ملف الحركات الإسلامية والتنظيمات المسلحة، في منشور عبر صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك"، أن عبد العظيم كان يرى ثورة 25 يناير "مؤامرة كبرى"، لكنه لم يمنع تلاميذه من التصويت في انتخابات الرئاسة عام 2012، التي جاءت بالإخوان للحكم في مصر.

وفي أحد اللقاءت، وجه أحد الحاضرين سؤالاً إلى عبدالعظيم، مفاده: "ما حكم الخروج على الحاكم وإن سعى في الأرض فساداً..."، فأجاب قائلاً: "قد نستحقه، ومن الممكن أن يكون سلطه الله على من شاء بعدله، ولو أنه والى الكفار فذلك ليدُلنا على العيوب التي نحن فيها".

وعلى الرغم من ذلك، يؤكد بعض دعاة السلفية أن الشيخ عماد عفت، أمين دار الفتوى بدار الإفتاء المصرية، الذي قُتل في أحداث مجلس الوزراء، يوم 16 كانون الأول/ديسمبر عام 2011، كان من أتباع الدكتور أسامة عبد العظيم، ويحضر دروسه.

اعتزال يثير الغضب السلفي

وبعد مرور فترة على أحداث ثورة كانون الثاني/يناير عام 2011، انعزل الراحل عن الواقع السياسي في البلاد، وانشغل بالدعوة وإلقاء الدروس العلمية.

وفي عام 2012، زار مراسل وكالة "الأناضول" التركية في مصر، مسجد "عباد الرحمن" الذي يمارس فيه الدكتور أسامة الدعوة، والتقى بأحد جيران المسجد، الذي أكد له أن الراحل رفض لقاء حازم صلاح أبو إسماعيل، المحسوب على التيار السلفي، حينما أتى لزيارته في محاولة لكسب تأييده حين رشح أبو إسماعيل (مسجون حالياً) نفسه للانتخابات الرئاسية في 2012، ما اضطر الشيخ الراحل إلى الصلاة في مسجد آخر مجاور.

عُرف عنه أنه كان يتمسك بأن يرتدي تلاميذه الجلباب، ويطيلون اللحية، وألا يقتني أيهم أجهزة تتيح الاطلاع على وسائل الإعلام الحديثة كالتلفزيون والكمبيوتر، وكان ينصح تلامذته ومريديه بذلك، لكنه لا يلزمهم بتركها

ويبدو أن الرجل ظل على رأيه منذ هذا الحين، إذ لم يشارك في أي ندوة لها علاقة بالسياسة، ولم يظهر مطلقاً على شاشات التلفزيون أو في أحد البرامج الإذاعية، حتى وإن كان الأمر يتعلق بالدين فقط.

ويؤكد ماهر فرغلي أن الطرق السلفية الأخرى كانت لها معارك مع أسامة عبد العظيم، بسبب منهجه وطريقته، بالإضافة إلى تخليه عن الحركية والسياسة وبعض الأمور العقدية الأخرى.

طريقة خاصة

حرص الرجل طوال حياته التي وصلت إلى 74 عاماً، على البعد عن الأضواء والشهرة، وعُرف عنه التمسك بالتقشف والزهد، الذي طال مسجده، فرغم أنه يرتفع إلى 7 طوابق، إلا أنه مفروش بجلود الأغنام، ليصبح قريباً من مساجد المسلمين الأوائل، ولقبه محبوه ومريدوه بـ"العالم الرباني، والعابد الزاهد، وأحد الدعاة المصلحين".

كما عُرف عنه أنه كان يتمسك بأن يرتدي تلاميذه الجلباب، ويطيلون اللحية، وألا يقتني أيهم أجهزة تتيح الاطلاع على وسائل الإعلام الحديثة كالتلفزيون والكمبيوتر، وكان ينصح تلامذته ومريديه بذلك، لكنه لا يلزمهم بتركها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard