شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!

"القداسة" مصدر الكذب… "رحم الله" يوسف القرضاوي

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الجمعة 30 سبتمبر 202211:59 ص

رحم الله يوسف القرضاوي، فقد صحبني بأفكاره وطريقه إلى فهم الشريعة، وألهمتني في بدايات الصبا طريقتُه التي كافح بها من صبيٍّ بقرية فقيرة، يحاول أن يقنع أهله بإكمال تعليمه إلى شيخ ذي مكانة لا يمكن تجاهلها.

لشد ما أعجبني أنا المولود في جدة السعودية، وقضيت فيها حتى نهاية مرحلتي الثانوية، تأثيرُ المشايخ المصريين على حالة "الصحوة"، ولشدّ ما انتفخت أناي الوطنية ومدرسُ التفسير يمتدح عبد الباسط عبد الصمد، وطريقته العذبة في التجويد، بينما مدرس التوحيد ينتقد الأداء المصري (التجويد) للقرآن، ويرى أنه بدعة من البدع المصرية، ويخشن صوته، وهو يقول: يتلو القارئ منهم آيات النار والوعيد والمستمعون يقولون "الله الله" من الوجد والطرب.

اختلطت بشباب متحمس، ومتشدد. بالطبع كان للشيخ عائض القرني الذي تاب عن فكر الصحوة، حضور كبير، وزميله سلمان العودة، ولكن كان لسيد قطب ما لهؤلاء جميعاً، فهو الأصولي الذي حافظ على الشريعة، وقال "قولة حق في وجه سلطان جائر"، بحسب خيالهم في جمال عبد الناصر الذي أمر بإعدامه.

لا أصدق أن هذه الأفكار كانت هي الشائعة، وتجتذب الشباب الذي تتسع همته وفهمه ونشاطه لأن يكون ذا تأثير وانتماء، كان هذا الشكل السلوكي "الصالح" الوحيد تقريباً في مدارس جدة الثانوية آنذاك.

القرضاوي وتظاهرات الجامعة

في عاميّ الأولَين في الجامعة، شهدتْ روحي من الاضطراب ما لم تشهده في مسيرتها على هذه الأرض، وفي خضم هذا الاضطراب الأسود جذبتني أفكار القرضاوي. قرأت كتابه، المثير للجدل ولتكفير مشايخ السلفية، "الحلال والحرام"، أكثر من مرة، وخططت فيه، واقتبست منه. بدت لي هذه القاعدة الفقهية التي أرساها ثوريةً جداً: أن يأخذ في حكم أي أمر من كل مذهب أيسره، أي تستعرض الفتاوى عنها، ثم تأخذ بالأيسر.

هذا الصوت العربي الإسلامي العسكري المنتصر هو الذي صبغ لغتنا العربية كما تناقلتها ألسنة الرواة و"العلماء"، وهو الإرث الذي أثقل أحفادهم، نحن، فأورثونا واقعاً مهزوماً، ولغة عسكرية، انضباطية، منتفخة، تلعن "الفرد المختلف"، وتقدس "الجماعة"

مثل لي ذلك انتقالي من أجواء التشدد القطبية، والتي تأثرت فيها بكتاب "في ظلال القرآن" لسيد قطب، وكتابات محمد قطب النفسية، وصوت عائض القرني والشيخ كشك الحماسي، إلى أجواء وصفتُها لنفسي آنذاك بالمصرية المعتدلة، الشابة، فيمكن لشاب مثلي أن يقبّل صديقته بحب، دون أن يشعر بالذنب، فهي من الصغائر، وقد أجازها بعض المفسرين تفسيراً لقول الرسول: "من الصلاة إلى الصلاة، ومن الحج إلى الحج، ومن الصيام إلى الصيام مكفرات لما بينهم إذا اجتنبت الكبائر، والقبلات واللمسات صغيرة ما لم تنغمس الدواة في المحبرة".

ويمكن أن تشرب الخمر أيضاً، معتمداً على أيسر الفتاوى في المذهب الحنفي، التي تحرم الخمر المتخذ من عنب فقط.

كان صوت القرضاوي يأتينا حياً في تظاهرات الطلبة التي شاركت فيها على استحياء مع الإخوان، يتحدث أننا ملح الأرض، وحملة مشاعل الصحوة، والدين الإسلامي أمانة في أعناقنا.

القرضاوي ووائل غنيم

انجرفت بي الأفكار والمشاعر والسلوكيات بعد ذلك، حتى ضقت ذرعاً بما هو إسلامي، فالنزعة الإقصائية عالية، ولن أنسى عندما أمر دكتور جامعي وباحث لغوي مميز، بإحراق أول مخطوطة لي، وهي حوار مع الشيطان محاكاة للحلاج في رسالته "الطواسين"، وألزم أصدقائي بمقاطعتي، حتى لا أفتنهم في دينهم.

ولن أنسى محاورتي مع شيخ طريقة، وهو دكتور في الجامعة الأمريكية، في ذلك القصر الذي ورثه من رفاعة الطهطاوي بالقاهرة القديمة، وهو يقنعني أثناء محاولتي لأخذ العهد منه على الطريقة الشاذلية، بضرورة الالتزام بالصيام والصلاة والأذكار، وأنا أرفض، وهو يصرّ.

أحبطني إصرار شيخي، كما أحبطني أصدقائي وأساتذتي ذوو الهوى الإسلامي، وكما سيحبطني هذا المشهد المؤلم ليوسف القرضاوي، الذي تخيلته وأنا أقرأ أخباره، وتغريداته، أن حرسه منعوا وائل غنيم من الصعود إلى منصة ميدان التحرير، في أحداث ما بعد نجاح ثورة يناير/كانون الثاني.

مشهد رمزي يقول بوضوح لا لبس فيه إنه لا مكان لنا في مصر الإخوان بعد ثورة يناير، فلقد كان غنيم يمثل حضوره ثقلاً رمزياً يجسد آمال وأوجاع الجيل النشط الذي شارك في الثورة.

وقفة على أفكار "الشيخ"

للتاريخ العربي سحرٌ، وقد أميل إلى رأي المفكر محمد عابد الجابري بأن شعوب الشرق الأوسط هويتها لغوية، فلنجرد التاريخَ، ولنستشفّ نمطه، وكيف لهذا النمط بتوهجه وانتصاراته يضبب علينا واقعنا، فلا نراه، وإن رأيناه فلا نقيمه، وإن قيمناه لوث علينا أفكارنا، وسمّم مشاعرنا.

شعب ذليل، متخلف، مبعثر في ثنايا أرض يندر فيها الماء والخضرة، ثم يجمعهم كتاب، يجعل لهم هدفاً وهوية، وشخصيات لكل واحدة منها دراما جذابة، آمنت به، وعانت، وكافحت و… نجحت؛ نجحت لعقود في صنع يوتوبياها الخاصة.

نظر القرضاوي، مثله مثل غيره من إسلاميي الصحوة والأصوليين، لتجربة الملوك والسلاطين باعتبارها تجربةً تتسم بالعظمة في المطلق

ونجحت هذه الكلمات المصاغة بروح أديبة وشاعرة في أن تغير من طبائع الناس، ومن اللاشكل البدوي البدائي إلى أشكال سياسية واجتماعية، ومن شعوب متفرقة إلى وحدة، استطاعت أن تغلب غيرها من الشعوب.

وتجسدت كلماتها حية في سلوك ثلاثة من السلاطين، الذين سموا أنفسهم بالخلفاء، فكما قال طه حسين، الذي كان يقول عنه مشايخ السلفية والإخوان إنه في كتاباته الإسلامية يدس السم في العسل،  يندر أن نجد في ثقافات العالم شخصيات مثلهم: أبوبكر وعمر وعلي، خاصة عمر.

هذا التأثير اللغوي لكلمات القرآن على شخصية عمر، أبدع في وصفها طه حسين في مقاله "الفاروق الشديد الليّن"، واعتبره مثلاً ينفع الشباب في الاحتذاء به، واستلهامه، يقول عنه: "آية خالدة من آيات الموسيقى، يتغنى بها تاريخ المسلمين، وسيتغنى بها ما بقي الإسلام، وما بقي للإسلام تاريخ".

طه حسين ومشاعر القداسة

ويحذرنا طه حسين في كتاب "الشيخان" من الاستكانة إلى كتب التاريخ والسير حول ما كُتب في أبي بكر وعمر، يقول: "أكاد أقطع بأن ما كتب من القدماء من تاريخ هذين الإمامين العظيمين، ومن تاريخ العصر القصير الذي وليا فيه أمور المسلمين أشبه بالقصص من تسجيل حقائق الأحداث التي كانت في أيامهما، والتي شقت للإنسانية طريقاً إلى حياة جديدة كل الجدة".

وانتقد أيضاً مشاعر التقديس للشخصيات التاريخية، واعتبر القداسة هي مصدر الكذب، يقول: "إذا كان من الحق أن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه قد كذب الناس عليه، وكان كثير من هذا الكذب مصدره الإكبار والتقديس، فلا غرابة في أن يكون إكبار صاحبيه العظيمين وتقديسهما مصدراً من مصادر الكذب عليهما أيضاً".

وانتقد طه حسين أيضاً، بشكل خفي وظاهر، المصادر التي نعتمد على روايتها، بشكل ظاهر أن المنتصرين فقط هم من سجلوا روايتهم، وبشكل خفي هذا القمع الذي أسكت بعد الانتصارات العسكرية الأصواتَ المخالفة، إما بالقتل أو الوعيد والتهديد.

يقول عن الرواة: "لم يسمعوا أنباء هذا الانتصار من المنهزمين بين فرس وروم وأمم أخرى شاركتهم في الحرب وشاركتهم في الهزيمة، فهم سمعوا صوتاً واحداً هو الصوت العربي".

هذا الصوت العربي الإسلامي العسكري المنتصر هو الذي صبغ لغتنا العربية كما تناقلتها ألسنة الرواة و"العلماء"، وهو الإرث الذي أثقل أحفادهم، نحن، فأوروثونا واقعاً مهزوماً، ولغة عسكرية، انضباطية، منتفخة، تلعن "الفرد المختلف"، وتقدس "الجماعة"، كما شرح واستفاض سلامة موسى في كتاب خصصه عن اللغة العربية، جعلت لغة النقاشات أسيرةَ عصر من العصور قضى وانقضى.

النسخة الأموية للإسلام

إعمال العقل في لحظات تمثل ذروة توهج التاريخ العربي، وتجريد مشاعر الإعجاب والفخر من سُمّية القداسة، وعدم خلط إحساس القداسة هذا بعقلية الباحث المؤرخ، وقلب العربي الناظر إلى إرث أجداده وسيرهم بفخر واقعي معتدل، هو جوهر مشروع طه حسين الفكري في كتبه الإسلامية، وهو أكثر ما يثير حفيظة الإسلاميين، وأبرزهم القرضاوي، لأنه يخرب عليهم سرديتهم، ويحرر وعينا النسبي بالحاضر والماضي من شرك المطلق المقدس.

فلنتأمل تلك اللغة العسكرية، المستوردة من العصر الأموي، التي يتحدث بها القرضاوي، في كتابه عن التاريخ الإسلامي، كيف يرى المختلفون معه، كيف يضعهم في خياله وخيال قوم مملوء بالحماسة والقومية، وكيف تُنبت كلماته بذور الاستبداد والرجعية والتجمد عند فترة زمنية.

إعمال العقل في لحظات تمثل ذروة توهج التاريخ العربي وانتصاراته، وتجريد مشاعر الإعجاب والفخر من سُمّية القداسة...، هو جوهر مشروع طه حسين الفكري، وهو أكثر ما يثير حفيظة الإسلاميين، وأبرزهم القرضاوي

يكتب القرضاوي في مقدمة كتابه "تاريخنا المفترى عليه": "بعض الناس يعدون الدولة الإسلامية بعد عصر الراشدين قد انحرفت عن الإسلام، وأصبحت (ملكا عضوضاً) أو (ملكاً جبرياً) يقوم على القهر والجبروت... وبعض الكتاب المتدينين وقعوا في الشرك، وحملوا على بني أمية حملةً شعواء، حتى جردوها من التقيد بدين أو خلق... وهو غلو لا دليل عليه، وينافي حقائق الدين، وحقائق التاريخ".

ويقلل القرضاوي من شأن تلك الشخصيات الثلاث "أبو بكر وعمر وعلي" في التاريخ، منتقداً تركيز العلمانيين عليهم، يكتب: "وجدنا من يقول إن الإسلام لم يطبق إلا في عهد الراشدين، ولكن إذا حللنا عهد الراشدين نجد عهد أبي بكر عهداً قصيراً اشتغل فيه بمحاربة المرتدين، ومانعي الزكاة... وعهد عثمان عهد فتن داخلية انتهت بقتله، وعهد علي عهد حرب أهلية بين المسلمين بعضهم وبعض... وعمر كان (فلتة) لا تتكرر".

نتأمّل كلماته وهو يحاجج صاحب كتاب "من هنا نبدأ"، خالد محمد خالد "يحمل اتهاماً لرب هذا الدين، والموحي بشريعته إلى رسوله، أنه كلف الناس ما لا يطيقون، وألزمهم بشريعة غير قابلة للتطبيق".

ويتحدث عن العلمانيين: "جماعة العلمانيين الذين يعادون الشريعة، ويريدون أن نستورد قيمنا ومفاهيمنا وقوانيننا وتقاليدنا من الغرب".

الكتابة العسكرية

يدافع القرضاوي عن عظمة الملوك والخلفاء والسلاطين، بطريقته الدينية العسكرية: "الشاهد هنا أن كل خليفة أو ملك أو سلطان عظيم في تاريخ الإسلام، لم تكن عظمته إلا بمقدار صلته بهذه الشريعة الإسلامية، وحسن قيامه عليها، ونصحه لله ولرسوله ولكتابه وللمسلمين عامة".

في حوار على قناة "الجزيرة"، يجيب القرضاوي عن سؤال مرتبط بالحرية في الإسلام، قائلاً: "أول ما يدعو إليه الإسلام هو أن يعيش الناس في أمان"، و"الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف... والحرية ضمن الأمان".

"ما معنى الحرية؟ أن تفعل ما تشاء، أم تفعل ما ينبغي، هل معنى الحرية أن تفعل ما ينبغي للإنسان العاقل؟".

"ماذا يريد الناس من الحرية؟ هل الحرية أن كل مجموعة تفعل ما تشتهي؟ أليس هناك موازين عامة، قيم متفق عليها؟".

النكوص

لكل ثقافة متشددوها وأصوليوها، وهم مكون اجتماعي في معظم الدول "الحرة"، ولكن أن تتشرب تلك الثقافة في مزاجها وسلوكياتها أكثر عناصرها أصولية وسُمية، هذا ما سماه جورج الطرابيشي في كتاب "المرض بالغرب"، بـ"النكوص من السياسي إلى النفسي"، منتقداً انقلاب تلك العلاقة العضوية بين العروبة والإسلام بعد هزيمة حزيران إلى "لاهوت نفي الآخر"، ويقول عما يسميه "العقل الطفلي" بأنه "يؤسس ذاته في امتلاك مطلق، ويؤسس الغير في افتقار مطلق"، وهذا ينطبق على رؤية وتفكير القرضاوي أصدق تطبيق.

باختصار، نظر طه حسين إلى التجربة الإسلامية مجسدة في محمد وعمر وعلي، باعتبارها تجربة إنسانية بشرية تجمع بين الإيمان العقدي، والإحساس بالعدالة الاجتماعية، والكبرياء الإنساني، ونظر القرضاوي، مثله مثل غيره من إسلاميي الصحوة والأصوليين، لتجربة الملوك والسلاطين عامة باعتبارها تجربةً تتسم بالعظمة في المطلق، معلياً من شأن "وحدة الجماعة"، و"جهاد أعداء الأمة".  وتستمد تلك التجارب عظمتها، برأيه، من قدسية الإسلام نفسه، مشككاً ليس فقط في إيمان وعقيدة المختلفين، ولكن في نواياهم، راسماً صورة عسكرية تصور أصحاب الرأي العلمانيين باعتبارهم جواسيسَ في معركة بين الإسلام وأعدائه، يريدون الخراب والفساد، مغذياً دوافع الحكومات المستبدة والأصوليين في حبس أو قتل معتنقي تلك الأفكار.

وأما وقد مات القرضاوي، وأما وقد خسرت جماعاته الكثير من نفوذها وتأثيرها، فليرحم الله القرضاوي وزمانه.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel
Website by WhiteBeard