باحثاً عن جذوره، راقصاً مع أهل الذكر... جيمي كليف في السودان

الاثنين 3 أكتوبر 202205:17 م

في معرض رده عن سؤال موسيقى وفن الجاز في السودان، قال الفنان شرحبيل أحمد ذات مرة: "تلك بضاعتنا رُدّت إلينا".

ويؤكد فنان الريغي الجمايكي ذائع الصيت جيمي كليف الذي يكنّ اعتزازاً خاصاً بالسودان، مقولة شرحبيل المقتضبة، ويستقي أغلب ألحانه من البيئة السودانية المترعة. ويعتقد كليف، مع عدد مقدر من سكان جزر الكاريبي، أن أصولهم تعود للنوبة، وأن مملكة كوش السودانية هي مهد أسلافهم الأوائل، ويختلف مع غالب "الراستافاريين" من أمثال بوب مارلي وييتر توش وجوني ناش وغيرهم، الذين يتخذون من إثيوبيا موطناً روحياً لهم، ويعد السودان، موطنه الروحي الأول.

تقول أسطورة نوبية قديمة إن الكوشيين بعد أن وصلوا بحكمهم إلي مصر وبلاد الشام، ركبوا البحر وتصادقوا مع الفينيقيين حتى إيرلندا، وفي رحلة العودة تاهت سفنهم وتحطمت على شواطئ جزر الكاربي وانقطعوا للعيش هناك للأبد.

وفي موجة البحث عن الجذور التي ضربت سود أمريكا بعد تحرر أغلب بلدان أفريقيا الأم من ربقة الاستعمار الكولونيالي، زار العديد من المبدعين بلدانَهم الأولى متخذين منها موطناً روحياً لهم.


سوداني الهوى والهوية

يقول كليف في أغنيته الأشهر Journey، والتي لحَّنها في مدينة أنزارا، كما تقول بعض المصادر، أثناء تنقيبه في جنوب السودان: "أسرني نهر النيل" (I was Captured by river Nile)". 

 وزار السودان للمرة الأولى أواخر السبعينيات من القرن الماضي، ضمن جولة أفريقية طويلة، باحثاً عن جذوره الأولى ونطفة ثقافته البعيدة، بعد انهيار الاستعمار ومفهوم الكولونيالية. حط بفندق "مريديان" بالخرطوم، وشوهد يرتاد بانتظام حلقات الذكر في مزار وضريح "حمد النيل"، ينصت باهتمام وطرب عالٍ، ويسجل إيقاعاتِ الذكر على جهاز تسجيل، وفي القلب طبعاً، ومتمائلاً مع المجاذيب فيها. 

تقول أسطورة نوبية قديمة إن الكوشيين بعد أن وصلوا بحكمهم إلي مصر وبلاد الشام، ركبوا البحر وتصادقوا مع الفينيقيين حتى إيرلندا، وفي رحلة العودة تاهت سفنهم وتحطمت على شواطئ جزر الكاربي وانقطعوا للعيش هناك للأبد

وأقام عديد البروفات والحفلات بمصاحبة فرقة "بلو ستارز"، أشهر فرق الجاز في السودان. وأنتجت الزيارة أغنيتَه الصارخة Bongo man التي يؤديها حصراً على الطبول، وجاء لحنها موافقاً إيقاعاتِ النوبة (طبل صوفي كبير) والطار، واستوحاها من حلقات الذكر في "حمد النيل" .

وحين اندلعت ثورة ديسمبر الشعبية في السودان كان جيمي أحد الفنانيين العالميين المساندين لها بضراوة.

يقول لنا عازف الفلوت عبد الله محمد: "جاء جيمي للسودان، وكنا طلاباً آنذاك بالمعهد. قضى معظم الوقت مع ناس الجاز والبوابير". ويضيف: "لم ألتق به إلا مرة واحدة، أخذته فيها إلى المتحف القومي وقد أجهش بالبكاء، عندما وقفنا أمام (بروجي) من الحديد يعود إلى العهد المروي". ويتابع: "أعتقد أن المؤرخ والآثاري أسامة عبدالرحمن النور، هو من نصحني بأن أجعل جيمي يراها".


أنا هو الأصل

ولد كليف عام 1948، وهو أول من بعث إيقاع الريغي إلي العالم، وآخر من بقي حياً من جيل العمالقة. أدرج اسمه ضمن خمس فنانين آخرين ﻓﻲ ﻣﺘﺤﻒ وﻗﺎﻋﺔ ﻣﺸﺎﻫﻴﺮ الروك آند رول عام 2010.

بدأ بتأليف الأغنيات وهو لا يزال غضاً في المرحلة الابتدائية التي كان يذهب إليها حافياً، فقد نشأ في بيئة محدودة وفي بلدٍ فقير وغير متكافئ، لكنه سرعان ما حاز شهرة عالمية لنقاء صوته والنمط الجديد الذي ابتكره في فن الريغي، أحد أكثر الأنماط الموسيقية عالمية. يقول: "عندما بدأت لم تكن موسيقى الريغي قد ظهرت إلى الوجود في جامايكا". ويتابع بفخر: "أنا الأصل. أنا لست نسخةً من أحد. صوتي أصيل، وأسلوبي الغنائي أيضاً، وكل ما تراه حقيقي".

ويكتب كليف أغنياته محملة بمضامين إنسانية تناقش قضايا سياسية واجتماعية، في خضمّ موضوعاتٍ ذات مدلولات جنسية ومشكلات الفقر والحروب، مثل خالدته "فيتنام"، الأغنية الاحتجاجية الأفضل في التأريخ، وفقاً لبوب مارلي، وأغنية "انقذوا كوكبنا الأرض Save our planet earth"، وغيرها. 

ونادى في حفل له في بلجيكا عام 2005 بوقف الحرب في كلٍّ من السودان والعراق وأفغانستان والكونغو، ضاغطاً على اسم السودان مرات ثلاث.

بدت الخرطوم في الوقت الذي زارها فيه كليف أكثر انفتاحاً على أساليب غناء الريغي والجاز، وأحب كليف ذلك، واحتشدت الصالات ودور السينما بحفلات موسيقية أسبوعية. لكن مثل تلك الحياة، التي يتخللها كل شيء والمفتوحة، أصبحت رفاةً من الماضي المدفون

ويؤكد الموسيقي مجدي عبيد أن جيمي كليف زار السودان مرة واحدة؛ "لم يكن هناك فن جاز بمعناه الحقيقي أصلاً في السودان". مضيفاً: "جميعها فرق تعزف الموسيقى السهلة Pop music". وينفي عبيد أن جيمي كليف نقل عن الموسيقى في السودان؛ يقول: "مجرد حكاوٍ. لا دليل على ذلك". 

لكن الموسيقار ومعلم الموسيقى علي الزين يرى أن وشائج عميقة تربط بين إيقاعي الريغي والنوبة التي يستخدمها المتصوفة في الأذكار، يقول لرصيف22: "هما علمياً إيقاع واحد، مع اختلاف التسمية والاستخدام في كل ثقافة من جهة الشكل". ويتابع أن أفريقيا قدمت للعالم الإيقاعات المتعددة، خلافاً للموسيقى المعزوفة. ويضيف لنا: "زار كليف السودان ضمن جولة أفريقية طويلة بحثاً عن جذوره واستفاد من زياراته لحمد النيل، وأضاف صبغةً جديدة لتلك الإيقاعات".

ويؤكد الزين أن الموسيقى العالمية على طراز فن الريغي هي واحدة من الفنون التي شكلت ذوقَ وسماع السودانيين في حقبة السبعينيات، سواء على مستوى الفرق والجماعات التي توالدت بكثرة، أو حتى بين الناس العاديين: "المكتبات الصوتية وصور الفنانين العالميين متوفرة في كل بيت تقريباً".


هيا إلى السجانة... هيا إلى الديم

لو أردتم كشف شيء مخفي في موسيقى الجاز، فاذهبوا بلا تردد إلى حي السجانة أو الديم القديمين في الخرطوم، فهناك بدأ كل شيء. 

يستقبلنا العم أبو عركي حسن (69 عاماً)، الصديق المقرب من جماعة "بلو ستارز"، في بيته خلف "نادي الخرطوم لتطوير الموسيقى"، ويؤكد لنا حضور كليف إلى الخرطوم عام 1978. يقول: "مكث نحو 10 أيام واكتشفناه مصادفة. كانت الفرقة من أهم الفرق وأبرزها، تقيم حفلين بفندق مريديان كل أسبوع، وكانت تعرف أغنيات كليف وتؤديها جيداً".

عقدت الفرقة ذائعة الصيت فوراً بروفات مبهرة مع كليف، وشاركته العزف في الحفل الذي أقامه في الفندق نفسه وسط طوفان من جمهور ضاقت به الصالة، وبقي الكثيرون في الخارج. يقول عركي: "صحبته إلى البيت، كان صائماً، ومن ثم إلى ضريح حمد النيل، حيث استمع إلى الإيقاعات ورقَص مع أهل الذكر". ويضيف: "كان الهدف الأساسي من الزيارة التعرف على الإيقاعات في السودان".

وبدت الخرطوم في الوقت الذي زارها فيه كليف أكثر انفتاحاً على أساليب غناء الريغي والجاز، وأحب كليف ذلك، واحتشدت الصالات ودور السينما بحفلات موسيقية أسبوعية، فكانت تذهب البلو ستارز، مثلاً، إلى "ديسكو فاسيلي" في الكريزي هورس، وكمال كيلا وفرقته في "صالة النيل الأزرق"، وشرحبيل أحمد وفرقته في "غردون ميوزك هول"، وفرقة وليام أندريا وجاز العقارب إلى "ليل الخرطوم الساهر"، و"الطفل لغاية الصباح". لكن مثل تلك الحياة، التي يتخللها كل شيء والمفتوحة، أصبحت رفاةً من الماضي المدفون.

وبث تلفزيون السودان لقاءً يوثق لحضور كليف إلى الخرطوم، إلا أن عركي يؤكد: "ولكن الشريط أتلف، مثلما أتلف التسجيل الذي وثق لتجواله في الخرطوم". 


عائلة كليف القارية

قادنا البحث المضني والشيق عن سيرة كليف في السودان للتعرف على البريطاني من أصل جامايكي دونالد جورج (67 عاماً). سمى نفسه "مؤمن" بعد تحوله للإسلام، يعيش في السودان، ومتزوج من سودانية، عمل معلماً للغة الإنكليزية في بعض الجامعات السودانية، وتربطه بجيمي صلاتٍ نَسَبية مقربة من جهة الأم.

استضافنا في بيته بضاحية الحاج يوسف، وقال: "التقيت جيمي في جامايكا. زارني في البيت. كنت في العشرين من عمري". وأضاف: "أستبعد أن تكون لنا جذور في شرق أفريقيا، كل الذين صِيدُوا -يقصد من اختطفوا من أفريقيا وبيعوا كعبيد- ونقلوا لأمريكا كانوا من الساحل الغربي". ويتابع: "ربما جذورنا في نيجيريا".

ووفقاً لبرنامج تقدمه الأمم المتحدة لمساعدة السود الأمريكيين في التعرف على بلدانهم الأصلية، وفق إجراء فحص الحمض النووي، يتكشف أن أصل العائلة يعود لفتاة مسلمة اختطفت من قبيلة كونوري النيجيرية، واستعبدت بعد ترحيلها قبل نحو 400 عام إلى أمريكا. لكن الإجراء الحمضي يكشف أيضاً دماءً ألمانية بنسبة ضئيلة في عروق العائلة التي تفرقت في أنحاء العالم.

ويقول مؤمن مستدركاً: "ملامح بعض الجامايكيين تحمل تشابهاً مع سكان شرق أفريقيا، وجيمي نفسه تتشابه ملامحه مع الجنوب السودانيين".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard