"لا أحد سيسقيني خمرة النسيان يوماً"... رحلة من منائر بابل إلى هيروشيما

الأحد 20 نوفمبر 202201:11 م

بأنهارها الستة وسحر طبيعتها بما تحتويه من نباتات وطيور ونصبها التذكارية وشوارعها ومتنزهاتها، وعشق أهلها للحياة والنظافة التي تميّزت بها هذه المدينة التي تغدو كحلم وقصيدة مليئة بالأسى والدموع والتوق للمستقبل، أبهرت هيروشيما الرحالة والكاتب العراقي باسم فرات عند زيارته لها، وفتحت أمامه آفاقاً شعريةً عبر التفرّغ للقراءة والتأمل والسفر والكتابة، ليوثقها في كتابه السادس في أدب الرحلة "طريق الآلهة... من منائر بابل إلى هيروشيما"، الصادر عن مؤسسة أبجد للترجمة والنشر في 2021، والحائز على جوائز السلطان قابوس وابن بطوطة والساعاتي. وثّق الكاتب خلال هذا الكتاب جغرافيةَ تلك المدينة وتحوّلاتها في ظلّ التقلبات السياسية، وتداعيات الحروب التي مرت بها.

ويتناول الكتاب المدة الزمنية ما بين 31 تموز/يوليو 2005، وهو يوم وصول الكاتب لليابان، والحادي و31 تموز/يوليو 2008، وهو يوم مغادرته هيروشيما واليابان، راصداً مظاهر العمق الثقافي الياباني، ومقدماً فهماً أعمق لليابان والمجتمع الياباني بلا عواطف جيّاشة مملوءة بالحب أو بالكراهية، كي لا نردد "كوكب اليابان" ونحن نجهل الأسباب التي جعلت "بلاد الشمس" تحصل على هذه المكانة في مخيلتنا الجمعية.

ترك عليها العشاق قبلات وعناقاً لا ينتهي

"بين نهري "هُـــون" و"موُتوُياسو" تسترخي حديقة السلام التذكارية، بنُصُبِها وتماثيلها الخمسين. عادة أعبر نهر (هُـــون) وأجد نفسي في (هَيوا دوري)، أي (شارع السلام) ثم يساراً إلى آخر الدرب، حتى أمسك لحظاتي على جسر (آيْ أُويي) وتحتي (غاوا موُتوُياسو) خارجاً من رَحمِ (غاوا أُوتا) مندفعاً بأحزانه وماضيه الأكثر رُعباً من كل ما شهدتْه الأنهارُ من حروب". هكذا يصف باسم فرات المكان الذي عاش به في هيروشيما.

ويضيف: "التفتُّ إلى (قبة غِـنْباكو) الشاهدة على ما جرى، يوميّاً تحتضن السائحين ليلتقطوا لها الصور التذكارية، أهبط بدراجتي وأمرّ من أمامها، هي على يميني و(غاوا موُتوُياسو) على يساري، أواصل رفقة هذا النهر الذي ينفتح على ضفتين تمتدان على خضرة شاسعة، وأشجار تظلل مصطبات ترك عليها العشاق قبلات وعناقاً لا ينتهي".

ويرى الكاتب أنه لولا هيروشيما لكان مثل آلاف الشعراء والأدباء، الذين وصلوا إلى بلدان اللجوء والهجرة، وعقروا نوقهم. ولأنه وصل على فرس عربيّ أصيل، كانت هيروشيما فاتحةَ بستانٍ معرفي وجماليّ أثمر في تجربته الإبداعية، على حد تعبيره.

لا أحد سيسقيني خمرة النسيان يوماً

ويعتبر الرحالة أن العيش في هيروشيما، امتياز كبير، فإن كنتم عشاقاً للبحر، فليس عليكم سوى أن تركبوا دراجاتكم الهوائية، وتمضوا، وبعد دقائق تصلون إلى البحر وتعبثون بالأمواج والمحار والنسيم، وإن كنتم أبناء ماء جارٍ وأنهار وأرض منبسطة، ففي هيروشيما ستة أنهار، وعليكم أن تتمتعوا بهذه الأنهار، مذكراً القراء بأن في هذه الأنهار قد غرق آلاف اليابانيين نتيجة إلقاء القنبلة النووية، ولأنهم استنجدوا بالماء، استنزفوا كلَّ قواهم حتى وصلوا، وكان البحر جزراً. وحين بدأ المدّ يعلو ويرتفع، خانتهم قواهم، فحُفرت لهم قبورٌ في المدّ.

بأنهارها الستة وسحر طبيعتها ونصبها التذكارية وشوارعها ومتنزهاتها، وعشق أهلها للحياة والنظافة التي تميّزت بها هذه المدينة التي تغدو كحلم وقصيدة مليئة بالأسى والدموع، أبهرت هيروشيما الرحالة والكاتب العراقي باسم فرات عند زيارته لها

"أيتها الأنهار الجرحى الذين لجئوا إليك، خذلهم البحر حين اجتاحك بِمـَـدِّهِ فألقمَ جوفه أبناء الشمس. كيف لأبناء الشمس أن يحترقوا ويمسوا طعاماً شَهيّاً لمخلوقات البحر؟ الأنهار التي امتلأت بالقبور، ذرَفَتْ أحزانها سنين عدداً، حتى غدت أرحاماً للهيروشيميين، عادوا إلى حبل المشيمة ليبعدوا عنهم شبح الإدمان الأمريكي على القتل. أيتها الأنهار يا أمهات هذه المدينة التي طردت الكواسر والكواسج بعيداً، ونثرت الخضرة على الضفاف، لا أحد سيسقيني خمرة النسيان يوماً". بهذه السطور الشاعرية يجسد الرحالة العراقي مأساة المدينة.

الناجية الوحيدة من جحيم السادس من آب

ويتطرق الكاتب إلى مأساة المدينة وذاكرة الحرب الملطخة بالدماء في إشارة منه للقنبلة الذرية التي أُلقيت على هيروشيما، قائلاً: "في ليلة السادس من شهر آب/أغسطس من كلّ عام تجتمع الجموع من صبايا هيروشيما بفتنتهن المعهودة، والنسوة اللائي أينعت الأنوثةُ فيهن، كلما احتفلن بعيد ميلادهن أوقدن الشموع في فوانيس يطغى عليها الأحمر والوردي والبرتقالي والأصفر، ويضعنها على أمواج (غاوا موُتوُياسو) استذكاراً للغائبين في ذلك اليوم الملطّخ بصرخات الضحايا (ماء... ماء). عطاشى تحترق في أحشاء كل واحد منهم قنبلة ذرية، زحفوا للنهر فأصبح النهر عطشانَ، وفي كل عام، يمارس الهيروشيميون هذه الطقوس، لأن الشموع تقود عطش النهر إلى منتهاه!".

ويخص فرات بالذكر جارته في وسط هيروشيما التي كانت من الناجين من محرقة "الولد الصغير"، وهو الاسم الذي أطلقه الأمريكان على القنبلة الذرية التي أسقطوها على هيروشيما، ونالت منها إصابات لم تغادرها، وجعلت حياتها عبارة عن سلسلة أمراض وأوجاع، ويصف تأثيرات الضربة النووية على جغرافية المدينة ومعالمها، قائلاً:

"فوقي أشجار عملاقة لكنها دون سِـنّ الستين. ففي هيروشيما كل شيء تراه ولدَ بعد سنة 1945 ميلادية. الأشجار واسطة (كامي) من مسكنه في الجبال للتواصل مع البشر. حتى شجرة (البونزاي) أو (البوساي) الناجية الوحيدة من جحيم السادس من شهر آب/أغسطس، التي تم زراعتها في عام 1625 ميلادية، تُهدى لقاتلها في سنة 1976 ميلادية، أي بعد إحدى وخمسين وثلاثمائة سنة، رأت تقلبات عهود وتبدل أباطرة، وتمزق البلاد ثم صعود نجمها عاليًا، ثم احتراق البلاد بأحدث الأسلحة الأمريكية التي كادت أن تمحق البلاد محقاً، ولكن حين نهضت البلاد واستعادت عافيتها وألقها، بل وتطورت، كان نصيب (البونزاي) أن تستقر في المشتل الوطني الأمريكي في العاصمة واشنطُن هدية من مالكها السيد بونساي ماسارو ياماكي".

للنظافة علاقة بعقيدة اليابانيين القومية

يصف باسم فرات الحياةَ في هيروشيما، وكيف تنهض الأُسَر صباحاً لتنظيف الحارة ووضع الأوساخ والفضلات، وكيف يقسمون العمل على مدار الأسبوع أو الشهر، كلّ مجموعةِ عوائل تنهض في الصباح المبكر، وتنظف حارتها وتضع الأوساخ في حاوية الأزبال، ودَور الحكومة هو رفع هذه الأوساخ ورميها في المكان المخصص لها خارج المدينة، حتى كأن الشوارع والأرصفة والأزقة والحدائق والمتنزهات، تتباهى بنظافتها أمام نظافة بيوت اليابانيين، مؤكداً أنه لم ير في هيروشيما كَنّاساً يكنس الشوارع لأن الأهالي يكنسونها، موضحاً أن للنظافة علاقةً بعقيدةِ اليابانيين القومية، فالشِنتوية ديانة مبنية على النظافة، والطهارة الجسدية والروحية.

يعتبر الرحالة باسم فرات أن العيش في هيروشيما، امتياز كبير، فإن كنتم عشاقاً للبحر، فليس عليكم سوى أن تركبوا دراجاتكم الهوائية، وتمضوا، وبعد دقائق تصلون إلى البحر وتعبثون بالأمواج والمحار والنسيم، وإن كنتم أبناء ماء جارٍ وأنهار وأرض منبسطة، ففي هيروشيما ستة أنهار

وحول طبيعة المجتمع يوضّح الكتاب أن الياباني مجتمع شرقيّ محافظ جدّاً في كل شيءٍ، ما زالت العذرية لها مكانتها فيه، حاكياً أن أحد أصدقائه اليابانيين أخبره أن أمه وشقيقاته يرفضن أن يرتبط بفتاةٍ ليست عذراء، مشيراً إلى أن هناك طبقاتٍ من المجتمع الياباني محافظة للغاية، وأخرى منفتحة للغاية، وثالثة تتنازعها المحافظة والانفتاح.

ويشير فرات إلى "الهيباكوشا" الذين عانوا جراء التعرض للإشعاع الذريّ، وأصبحوا منبوذين من قبل الناس، خشية أن يُصاب السليمُ من الناس بالإشعاع الذري، وحُرموا من الزواج، ومن عودة حياتهم الاجتماعية والعملية إلى ما كانت عليه قبل صباح السادس من شهر آب/أغسطس 1945.

كما يلفت لكراهية الطلاب اليابانيين للمدرسة، لا سيما المراهقون منهم، ويحتاج الدخول إلى الجامعة درجات عالية، حتى أن الامتحانات النهائية للسادس الإعدادي يطلقون عليها "امتحانات الجحيم"، ومن لم يحصل على معدل درجات عالٍ يضطر إلى إعادة السنة الدراسية.

وفي المرحلة الجامعية يمارس اليابانيون حريتهم التي سيفقدونها بعد تخرجهم، فلا تقبل أماكن العمل الحكومي والخاص مثل ميتسوبيشي وتويوتا ومازدا وغيرها، من منتسبيها إلّا الالتزام التام بقوانين العمل واِرتداء بذلة العمل وعدم صبغ الشعر بألوان غير الأسود والبني الغامق، والحذاء الجلد، والشَّعْر المرتب بقَصَّةٍ مقبولة في العمل، ومَن لديه وشم بارز لا يحصل على عمل.

طريق العقيق تحرسه الأرواح

ويستعرض الكاتب رحلته إلى شلال "سان دانكيو" عبر طريق جبلي يدعى "طريق العقيق" الذي يقصده اليابانيون للتبرك بالمكان الذي يعتقدون أن أرواح "كامي" تحرسه، مؤكداً أن الطريق طويل إلى الشلال، قائلاً: "نحن نواصل الطريق صعوداً أكثر وأكثر وأقلّ من ذلك هبوطاً، حتى دخلنا طريقاً في غابة وفي العمق البعيد يجري النهر، رأيت مصطبة ظننتها خشبية، ولكنها من الخَرَسانة (الكونكريت)، وكذلك الجدار المشبّك الذي وضعوه كي لا يتهاوى الناس إلى العميق البعيد، قيل إن كثيراً من آلهة (الشِّنْتو) اتخذوه مسكناً لهم".

"فوقي أشجار عملاقة لكنها دون سِـنّ الستين، ففي هيروشيما كل شيء تراه ولدَ بعد سنة 1945"

كما يحكي الكاتب عن رحلته لجزيـرة المعبد "مياجيـما"، إحدى أجمل الجزر في اليابان والتي تمتلئ بالغزلان، وتحوي معبد ومزار إيتسوكوشيما الذى يتبع الديانة الشنتوية المسجل كتراث عالمي منذ عام 1996، وتحوي عديد الأضرحة والمزارات الشِّنْتَوية، منها معبد "دايجانجي" الذي يقع قرب ضريح "إتسوكوشيما-جِنْجا"، وهو مخصص لعبادة "بِنْزايتين"، إلهة الموسيقى والفنون والمياه، مشيراً إلى أنه كاد يغرق في متنزه شاطئ "ميهاراشي سونامي".

ويتحدث عن سوق "هُندوري"، أحد أهم الشوارع الرئيسة في هيروشيما ، الذي تحول في الخمسينيات من القرن العشرين إلى سوق مسقَّف، فشَعَر كأنهم استنسخوا "سوق الحميدية" في دمشق، وتوجد على يساره القبة الخضراء أو "قبة غِـنْباكو" المدرجة في قائمة التراث الثقافي العالمي، وشارع حين تدخلونه لبضعة عشر متراً ستجدون نصباً تذكاريّاً لضحايا القنبلة النووية.

خمسون نصب تذكاري للضحايا

ويتطرق المؤلف للحديث عن حديقة السلام وسط هيروشيما، المقامة على مساحة "حديقة السلام"، هي 122000 متر مربع، وكان يقصدها ليتأمل المتقاعدين الناجين من القنبلة الذرية، الذين يأتون يوميّاً ليستظلوا بسلامِ الحديقة، ويزَجّون وقتهم بِلعبة "غو" الصينية الشهيرة، مشيراً إلى أن مركزها يضم النّصب التذكاري "نصب السلام"، والذي يتكون من صندوق حجري تحت قوس خرساني مميز ينحني فوق شعلة دائمة التوهج، وداخله سجلّ لأسماء جميع ضحايا القصف الذري، اعتباراً من السادس من شهر آب/أغسطس 1945، وكل عام تضاف أسماء الذين ماتوا متأثرين بإشعاعات القنبلة الذرية، ونقش على القبر عبارة تقول: "أرقدوا في سلام فنحن لن نكرر هذا الخطأ مرة أخرى".

وتحوي حديقة السلام ما يقارب خمسين نصباً تذكاريّاً داخلها وحولها، النُّصُب التي تشمل القبر الأجوف، وشعلة السلام، وأجراس السلام، وتلة القنبلة النووية، والقبر الأجوف للضحايا الكوريين، وبوابات السلام، والبرج التذكاري للطلاب المقعدين، وبركة السلام، وبرج ساعة السلام، وضريح معبد جيسنجي، ونافورة السلام، ونصب جسر إيوي، ونصب أشجار العنقاء، ونصب شجرة الزيزفون، ونصب الشعر، ومعلم نقطة الصفر، ونصب الركام، وحجر الفانوس، ونصب الصداقة، ورمز السلام التذكاري، وبرج السلام، ونافورة وعدة نُصب للصلاة، ونصب هيروشيما لضحايا القنبلة، وتمثال الأم والطفل، وبرج مراقبة السلام، وتمثال السلام، وتمثال الأم الرحيمة، والنصب التذكارية للمدارس والطلاب والطالبات والمعلمين والمعلمات من كافة المراحل، وعدة نصب تذكارية أخرى لأعلام المدينة قبل التفجير.

وعلى مقربةٍ من "شعلة السلام" يقع نصب "أطفال السلام" تخليداً لذكرى معاناة الطفلة اليابانية "ساداكو ساساكي" التي لم تقتلها القنبلة مباشرة، وإنما توفيت بعد عشر سنوات بسبب السرطـــان الذي حلّ كالوباء بالآلاف ممن تعرضوا للإشعــاع المميــت.

ويكشف الرحالة أن القادمين من متحف السلام وشعلة السلام ونصب أطفال السلام، باتجاه قبة السلام سيصادفون مزيداً من المعالم المرتبطة بمأساة هيروشيما، بعضها قديم مثل "جرس السلام" المستوحى من الثقافة البوذية والمصبوب على الطراز الياباني. هذا الجرس الأقرب لنصب "أطفال السلام" هو أحد ثلاثة أجراس في المنطقة المحيطة بالقبّة. الأقدم منها قائم منذ عام 1964، وبعض المعالم حديثة العهد مثل البوابات العشر التي نصبت عام 2005 بارتفاع تسعة أمتار لكل منها، وكتبت على جدرانها كلمة "السلام" بتسع وأربعين لغة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard