شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اترك/ ي بصمَتك!
فيلم

فيلم "صاحبتي" للمصرية كوثر يونس... ماذا يحدث عندما تتبدل الأدوار بين الرجال والنساء؟

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

تفرض الأدوار الاجتماعية توقعات معيّنةً لشكل الذكر وهيئته، والأنثى، وتصرفاتهما. فالأنثى ضئيلة الحجم، خانعة، ومطيعة، وجميلة، وشعرها طويل، ولها شكل "أنثوي" غني عن التعريف، كما أنها ترتدي ملابس لها شكل معيّن، وتمتهن وظائف معيّنةً، وتخدم هذه الوظائف الدور الأساسي لها في الحياة، وهو الأمومة. أما الرجل، فلا بد أن يكون خشناً، لا يبكي، ويبتعد عن كل الصفات الأنثوية، فلا يرتدي قرطاً على سبيل المثال، ولا بد أن ينطق كل شيء فيه بالرجولة.

وربما أكثر ما يثير غضب الرجل عموماً، هو أن تنعته بصفة أنثوية، فيعدّ تأنيثه شتيمةً، حتى أنك عندما تريد/ ين إهانة شخص ما أو عدو ما أو فريق كرة قدم، يكفي أن تؤنثه/ يه. لكن العكس غير صحيح، فإطلاق صفة "الرجولة" كمضمون على المرأة، يُعدّ مدحاً، فيما يُعدّ اقترابها من الصفات الشكلية للرجل أزمةً كبيرةً وعاراً.

على الجانب الآخر أيضاً، يتوقع المجتمع من المرأة في علاقاتها الكثير من التضحيات، فيقنعها بأنها متعددة المهام، فالطبيعة هي من أعدتها لذلك، وهيّأتها لدورها المقدّس كأم، وعليها التضحية دائماً، سواء بعملها، أو بصحتها الجسدية والنفسية من أجل الأسرة والأولاد، أما الرجل، فلا يستطيع التركيز سوى في مهمة واحدة فقط، لأنه غير مُعَدّ لتربية الأولاد، وربما يمثل ذلك مدخلاً لفهم ديناميات القوة بين الرجل والمرأة في مجتمعاتنا العربية ومواقعهما في العلاقة.

وربما أكثر ما يثير غضب الرجل عموماً، هو أن تنعته بصفة أنثوية، فيعدّ تأنيثه شتيمةً، حتى أنك عندما تريد/ ين إهانة شخص ما أو عدو ما أو فريق كرة قدم، يكفي أن تؤنثه/ يه

في الفيلم القصير "صاحبتي"، كتابة وإخراج صانعة الأفلام المصرية الشابة، كوثر يونس، والذي عُرض مؤخراً في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في دورته التاسعة والسبعين، والذي يُعدّ الفيلم المصري الأول الذي يشارك في المسابقة الرسمية للأفلام القصيرة، تعرض يونس قصةً بسيطةً محمّلةً بالكثير من الأفكار حول الحصار الذي يفرضه الأهل على بناتهم، وعن الأدوار الاجتماعية، والذكورة الهشة التي ترفض التنازل والتضحية والتي تنجرح سريعاً. كل ذلك في 16 دقيقةً فقط ينتاب المشاهد خلالها الكثير من التوتر الممتع. والفيلم من بطولة إلهام صفي الدين، ومارك حجار وفاضل الجارحي، وسونيا فريد، كما قام بالمونتاج خالد مرعي.

تعرض يونس قصةً بسيطةً محمّلةً بالكثير من الأفكار حول الحصار الذي يفرضه الأهل على بناتهم، وعن الأدوار الاجتماعية، والذكورة الهشة التي ترفض التنازل والتضحية والتي تنجرح سريعاً.

تاريخياً، تأثرت السينما بالشكل النمطي المجتمعي للعلاقة بين المرأة والرجل، فالمرأة دائماً ضعيفة وفي حاجة إلى الحماية، وعاطفية بالطبع. أما الذكر فقد وُلد ليكون قائداً وحامياً للديار، فهو من يأخذ المبادرات دائماً ويحل المشكلات، ويقاتل الوحوش من أجل البطلة. وأما النساء اللواتي يتمتعن بشخصية قوية ومتمردة فهنّ في حاجة إلى الترويض، وغالباً ما تنصلح أحوالهن في النهاية، ويصبحن مطيعات ككل النساء الجيدات.

في الفيلم، قلبت كوثر الأدوار؛ إذ تظهر البطلة إلهام صفي الدين بشعر قصير، أو ما يُطلق عليه boy cut، وفي المقابل يتنكّر صديقها بملابس نسائية، ليتمكن من رؤيتها، وكي ينعما معاً ببعض الحميمية. سنعرف لاحقاً أن الأم تفرض الكثير من القيود على ابنتها، فتحسب موعد رجوعها إلى البيت بالدقيقة، وتراقب أنفاسها، وهو شيء ليس غريباً عن المناخ الذي تعيشه غالبية الفتيات في مصر، ومنطقتنا العربية عموماً. لكن هذا الحصار أو الحبس، لم يمنعها من لقاء صديقتها، أو صديقها في الحقيقة في بيتها.

تتأزم العلاقة بين الفتى والفتاة، عندما تتبدل الأدوار الجندرية، فتأخذ البنت دور الرجل في العلاقة، شكلاً ومضموناً، وتضع له مساحيق التجميل. يضحكان على الأمر في البداية، لكن يشعر الفتى في النهاية بأن ذكورته قد جُرحت، لأنه يلعب دور الأنثى في العلاقة، أو كما يخبرها، لأنه "هزّأ نفسه"، ويجعله ذلك يحجم عن الاقتراب منها. بالرغم من أن الخطر الأكبر في هذا الموقف ما زال يقع على الفتاة، فاكتشاف أمرها ستكون عاقبته حتماً القتل، لكن لماذا لا يجرّب الذكر الخوف، والتحدث بصوتٍ خفيض، أو الحبس، وأن يتنازل عن امتيازاته لبعض الوقت، ليس اعتذاراً عن تاريخ جنسه، إنما من باب التغيير، إذ يتطلب الحب تضحيات مشتركةً. لكن بالنسبة للرجل، عندما يصل الأمر إلى التضحية بالذكورة، فيمكن إعادة النظر في العلاقة ككل.

كوثر التي يبدو أنها تحمل همّاً نسوياً، تقول في أحد حواراتها حول الفيلم، أنها قد تعبت من شكل المرأة في الأفلام، التي تظهر دائماً حاملةً طفلةً على كتفيها، وأرادت أن تبدّل الأدوار لترى إلى أي مدى سيتحمل الرجل

كوثر التي يبدو أنها تحمل همّاً نسوياً، تقول في أحد حواراتها حول الفيلم، أنها قد تعبت من شكل المرأة في الأفلام، التي تظهر دائماً حاملةً طفلةً على كتفيها، وأرادت أن تبدّل الأدوار لترى إلى أي مدى سيتحمل الرجل.

ومنذ انتشار مفهوم الجندر، الذي يعني أن الأدوار والتوقعات من الرجل والمرأة اجتماعية وليست طبيعيةً، شعر المجتمع الأبوي بالتهديد، وعدّه رغبةً في هدم الأسرة والمجتمع، كل ذلك خوفاً من تنازل الرجال عن امتيازاتهم، وكي يستمر تحجيم النساء في أدوارهن المعروفة. ربما لا نحتاج إلى قلب الأدوار الاجتماعية تماماً، بقدر ما نحتاج إلى المرونة في تبديلها، والنظر في تعريفات الأنوثة، والذكورة، أو في ما يجعلنا رجالاً، ونساءً. وكذلك ربما علينا أخذ العلم بأن تبديل الأدوار لن يحوّل الرجال إلى نساء، والعكس. لكن إلى أي مدى ستتحمل الذكورية الجريحة؟

ربما لا نحتاج إلى قلب الأدوار الاجتماعية تماماً، بقدر ما نحتاج إلى المرونة في تبديلها، والنظر في تعريفات الأنوثة، والذكورة، أو في ما يجعلنا رجالاً، ونساءً

جدير بالذكر أن يونس من المخرجات الشابات اللواتي ذاع صيتهن بعد فيلمها التسجيلي "هدية من الماضي"، وقد لاقى الفيلم نجاحاً جماهيرياً واسعاً، وفيه تفاجئ كوثر والدها مختار يونس، في عيد ميلاده الخامس والسبعين، بحجز تذكرتين لهما، للسفر إلى إيطاليا للبحث عن حبيبته القديمة باتريسيا، وقد صوّرته كوثر بكاميرا سرية، من دون علمه، كما عُرض لها سابقاً الفيلم القصير "يوكو وياسمين"، بطولة سارة عبد الرحمن. كوثر أيضاً عضوة في منظمة "راويات" التي تهدف إلى دعم صانعات الأفلام في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتحدّي الظروف الصعبة التي تمنع النساء من صناعة الأفلام في هذا المجال الذكوري.


رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

WhatsApp Channel WhatsApp Channel


* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

خُلقنا لنعيش أحراراً

هل تحوّلت حياتنا من مساحةٍ نعيش فيها براحتنا، بعيداً عن أعين المتطفلين والمُنَصّبين أوصياء علينا، إلى قالبٍ اجتماعي يزجّ بنا في مسرحية العيش المُفبرك؟

يبدو أنّنا بحاجةٍ ماسّة إلى انقلاب عاطفي وفكري في مجتمعنا! حان الوقت ليعيش الناس بحريّةٍ أكبر، فكيف يمكننا مساعدتهم في رصيف22، في استكشاف طرائق جديدة للحياة تعكس حقيقتهم من دون قيود المجتمع؟

Website by WhiteBeard