شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
جلسة أولى استعراضية لانتخاب رئيس للبنان... مفتاح بعبدا في يد الثنائي الشيعي

جلسة أولى استعراضية لانتخاب رئيس للبنان... مفتاح بعبدا في يد الثنائي الشيعي

سياسة

الخميس 29 سبتمبر 202205:27 م

باغت رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، الأطراف السياسية بدعوته المجلس النيابي إلى جلسة انتخاب رئيس للجمهورية. يتأتى عنصر المباغتة من حتمية عدم نضوج تسوية رئاسية أولاً، ولأن الدعوة أتت بعد ساعات قليلة من فشل مساعي تشكيل حكومة ثانياً.

استبق العارفون الجلسة بتحديد وظيفتها على أنها بالون اختبار رماه بري، أمام الكتل السياسية لاستطلاع نواياها وقدرتها على تأمين النصاب أو على التكاتف والتحالف في ما بينها. لكن الرئيس الذي يمسك بمطرقة جلسات الانتخاب يسعى أولاً إلى نزع تهمة تعطيل الانتخابات الرئاسية عنه، كما أوحت تصريحات أكثر من مسؤول روحي مسيحي، أبرزها تلك التي أتت على لسان البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، الذي قال إن "تأجيل انتخاب الرئيس هو تقويض لدور المسيحيين عموماً والموارنة خصوصاً".

يقول الكاتب والمحلل السياسي أمين قمورية، إن "بري حاول إبقاء عمل المجلس تحت قبضته، فدعا إلى جلسة في الأيام الأخيرة من النصف الأول للمهلة الدستورية التي تنتهي في آخر تشرين الثاني/ أكتوبر المقبل، ولأنه لم يرغب في أن تتأجل جلسات الانتخاب إلى الأيام العشرة الأخيرة من نهاية ولاية الرئيس، والتي يتحول فيها المجلس إلى هيئة ناخبة بالفعل من دون دعوة رئيس البرلمان".

العارف باللعبة السياسية ودهاليزها، افتتح السباق الرئاسي، لكنه قطع أيضاً الطريق على رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، للحؤول دون ممارسة المزيد من الابتزاز والاستثمار في الوقت المتبقّي من ولاية رئيس الجمهورية، لتحسين شروطه في مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة.

حاول بري إبقاء عمل المجلس تحت قبضته لأنه لم يرغب في أن تتأجل جلسات الانتخاب إلى الأيام العشرة الأخيرة من نهاية ولاية الرئيس، والتي يتحول فيها المجلس إلى هيئة ناخبة بالفعل من دون دعوة رئيس البرلمان

فمطالب باسيل الأخيرة استجدّت في اللحظة التي سبقت الولادة الموعودة للحكومة، ما أغضب بري وحزب الله الذي ضاق ذرعاً بممارسات باسيل الساعية إلى فرض أجندته على الحكومة المقبلة، بدءاً من عشرات التعيينات في المراكز العليا في مؤسسات الدولة التي يتمسك بها باسيل، مروراً بمرسوم تجنيس جديد يطالب به، وصولاً إلى عناوين سياسية عدة يتوق إلى تحميله إياها، من بينها ملف اللاجئين.

ولأن باسيل يدرك صعوبة وصوله، أقلّه حالياً، إلى القصر الجمهوري، يسعى، في مفاوضات تأليف الحكومة، إلى تحسين شروطه في حكومة يُتوقَّع أن تتسلم المهام الدستورية لرئيس الجمهورية في حال حدوث فراغ رئاسي، فيحجز لنفسه موقعاً متقدماً في الحكومة والمشهد السياسي المقبل، بغموضه.

لذلك، أمسك بري مطرقته وفرض على الكتل تأهباً سياسياً بعد فترة سبات فرضتها التوازنات السياسية في البرلمان بعد الانتخابات الأخيرة التي ولّدت مجموعةً من الأكثريات الهشة.

أُربكت القوى السياسية بمهلة زمنية لا تتجاوز الثماني والأربعين ساعة والتي لا تتيح ترف رصّ صفوف القوى المتحالفة لعرض عضلاتها أمام الخصوم.

استُكمل عنصر المباغتة بإعلان كل الكتل النيابية حضور الجلسة وتأمين النصاب بالرغم من يقينها جميعها بأن أياً من المرشحين المعلنين والباطنيين لم تنضج ظروف التوافق حوله، فكانت الورقة البيضاء مخرجاً آمناً لجلسة الانتخاب. حضر مئة واثنان وعشرون نائباً الجلسة، وتوافر النصاب الشرطي لانعقادها، ووُزّعت الأوراق وحضر صندوق الاقتراع.

كشفت الورقة البيضاء عن عدم جهوزية حزب الله وحلفائه لخوض هذا الاستحقاق أو لحرجهم في حسم خياراتهم في هذا المعركة بين مرشحيْن حليفيْن: سليمان فرنجية، وجبران باسيل

في محصلة الجلسة الأولى، اقترع 63 نائباً بورقة بيضاء، و36 نائباً للنائب ميشال معوض الذي توافقت على ترشيحه ودعمه كتلتا القوات والكتائب اللبنانية وعدد من النواب المستقلين، و11 صوتاً لسليم إده الذي رشّحه النواب التغييريون، و12 ورقةً أخرى لأسماء أخرى من بينها لبنان، ومهسا أميني.

لكن الغياب المدوّي كان لأسماء المرشحين الفعليين لمنصب رئاسة الجمهورية. ثلاثة وستون نائباً أصبحوا يشكلون بلوكاً نيابياً واحداً بيّنته استحقاقات عدة آخرها التصويت على مشروع قانون الموازنة، عماده الثنائي الشيعي والتيار الوطني الحر ومن يدور في فلكهما من نواب آخرين، فالموالاة التي يمثلها الثنائي الشيعي وحلفاؤه اقترعت بورقة بيضاء.

الورقة البيضاء كشفت عن عدم جهوزيتهم لخوض هذا الاستحقاق أو لحرجهم في حسم خياراتهم في هذا المعركة بين مرشحيْن حليفيْن: رئيس تيار المردة سليمان فرنجية، ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل.

وتعيد ممارسات الثنائي الشيعي إلى الأذهان صورة جلسة الانتخاب الأولى عام 2014، والتي تنافس فيها رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع وهنري حلو الذي رشحته كتلة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط. استُحضرت يومها الورقة البيضاء من حزب الله وحلفائه، فدشنوا يومها مرحلة فراغ رئاسي طال لأشهر قبل التوافق على ميشال عون عام 2016.

لكن المشهد اليوم يبدو أكثر تعقيداً، فعلى الضفة الأخرى، يقف نواب القوى التي تطلق على نفسها صفة السيادية من دون مظلة تحمي خياراتهم. يعيشون يتماً سياسياً بعد تراجع الاهتمام الدولي بالملف اللبناني، لا سيما من قبل أمريكا وفرنسا، فكان أن ذهبوا لانتخاب النائب ميشال معوض الذي لم يكن مرشحاً قبل هذه الجلسة، خشية الاقتراع لخيار يمكن أن يكون ورقةً تفاوضيةً لاحقاً.

في ختام الجلسة التي وصفها نواب كثر بالمسرحية المرتجلة، قال بري إنه سيدعو إلى جلسة جديدة عند توافر توافق حول الرئيس المقبل، وكأنه بذلك يقول إن البلاد أمام خياريْن: إما التوافق أو الفراغ

في المقابل، بدا النواب التغييرون تائهين وغير جاهزين لخوض هذا الاستحقاق الدستوري. اقترعوا لسليم إده، رجل الأعمال اللبناني المقيم في باريس، من خارج المشهد السياسي. وهناك من يقول إنهم مدركون أن الجلسة هي لشراء الوقت وأنها لن تُفضي إلى نتيجة فعلية.

يقول النائب إلياس حنكش، إن ما كشفته هذه الجلسة هو عدم امتلاك أي من الأطراف للأكثرية التي يمكن الرهان عليها للفوز في أي استحقاق، بل تبيّن بشكل واضح أن المجلس الجديد هو عبارة عن أكثريات صغيرة يتحتم عليها التفاعل والتنسيق لبناء تكتل نيابي وازن، داعياً المعارضة إلى التوحد للتوافق على اسم واحد لرئيس يكون "صُنع في لبنان".

في ختام الجلسة التي وصفها نواب كثر بالمسرحية المرتجلة، بعد أن فُقد النصاب الدستوري في الدورة الثانية من الاقتراع، قال بري إنه سيدعو إلى جلسة جديدة عند توافر توافق حول الرئيس المقبل، وكأنه بذلك يقول إن البلاد أمام خياريْن: إما التوافق أو الفراغ.

فالتوافق، عادةً، لا يحاك محلياً كما أثبتت التجارب السابقة، لا سيما بعد شغور رئاسي حصل عام 2014 واستمر لعامين ونصف قبل التوافق على ميشال عون إثر تسوية سياسية كبيرة مع تيار المستقبل. لكن الظروف اليوم تبدو أكثر تعقيداً لولادة تسوية محلية أو إقليمية. فالبلد المنهار ما عاد يغري أحداً من اللاعبين الإقليميين ليكون موطئ قدم له في المنطقة، والمرشحون الطامحون للوصول إلى بعبدا يفتقدون الحد الأدنى من التوافق على أسمائهم أو برامجهم.

الضبابية التي تخيّم على معطيات هذا الاستحقاق تقود البلاد إلى حتمية تكرار مشهد الفراغ عام 2014 في الحد الأدنى على بعد نحو شهر من نهاية عهد ميشال عون الذي حزم حقائبه، ويتحضر لمغادرة القصر، بعد ظهر يوم الإثنين في الحادي والثلاثين من تشرين الثاني/ أكتوبر المقبل.

فالحزب وحلفاؤه يجيدون اللعب بعامل الوقت، في حين يعيش خصومهم من القوات والكتائب اللبنانية وحلفائهم ما يشبه اليتم السياسي. وفي الوقت المستقطع يقامر النواب التغييريون بالفرص المتاحة أمامهم للتغيير ويستحضرون أدوات استعراضيةً لا يمكن استخدامها كأوراق قوة أو تفاوض.

ووسط هذه الفوضى في المشهد السياسي الذي يغيب عنه اللاعب السنّي، منذ اعتزال رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري، تعيش بيروت هواجس أسئلة تبدو إجاباتها معلقةً، أبرزها اليوم: من يملك القرار في اختيار رئيس جمهوية لبنان الرابع عشر؟

Website by WhiteBeard