"هذا الزي الأسود يُراد منه التعبير عن دناءة الجسد"... درزيات من لبنان يفشين "السرّية"

الخميس 22 سبتمبر 202201:05 م

هذا التقرير أُنتج ضمن مشروع "المدافعات عن حقوق المرأة"، بدعم من منظمة Civil Rights Defenders.

ليس هذا التقرير على نحو "عشر حقائق لا تعرفينها عن الدروز"، ولا هو عرض إكزوتيكي لهذه الفئة، أو شرح لأسباب احتسائها المتّة، أو علاقتها بـ"القاف"، بل هو عن النساء الدرزيات اللواتي قلّما يُحكى عن صراعاتهن، بألسنتهن.

إذا سألنا مشايخ "الدائرة السرّية" في الطائفة، أو حتى عموم الدروز، بمن فيهم النساء، عن أحوال الدرزيات، سيجيبون بما هو متوقع. سيتحدّثون عن الحقوق التي تمتلكها النساء، وإنصاف النصّ الديني لهن، وأشياء عن كيف أن المشكلة الحقيقية تكمن في مخالفة الناس لمبادئه. وكأن الأديان في حالة تبارٍ دائمة في ما بينها ومع سواها من النظم القيميّة لتبيان أنها تمتلك حصرية تكريم النساء، أو أنها أفضل من غيرها، في حين أن الواقع اليومي يُكذّب كل هذه الأقاويل.

لا يخفى على أحد أن للدروز، ونسبتهم 5% من عدد سكّان لبنان، ارتباطاً وثيقاً بما هو غامض وسرّي. وإذا كان هذا الانطباع المكوّن عنهم عند غير الدروز، فإنّ ما لا ريب فيه أن الدروز أنفسهم، لا سيما "مشايخهم الكبار"، عملوا جاهدين على تكوين هذا الانطباع ولفّ طائفة بأكملها بغطاءٍ من السرّية أبعَدَ، ولا يزال، الكثيرَ من أبنائها وبناتها عن المساحات التي من شأنها أن تقرّبهم من أضواء المجتمع، أي ذاك المجتمع الذي يجب أن يبقى في خانة "الآخر".

قد تكون لهذا الأمر علاقة بطبيعة الديانة التي توقفت عن التبشير عام 1043، وانغلقت على نفسها بسبب الاضطهاد التاريخي الذي طال دعاتها ورافق نشأتها في العصر الفاطمي في مصر. لكن المؤكد أن ما تتعرّض له الدرزيات اليوم هو نتيجة اضطهاد راهن ومحسوس ومُضاعَف، يُرتكب في حقهن من داخل "دوائر الطائفة".

إذا سألنا مشايخ "الدائرة السرّية" في الطائفة، أو حتى عموم الدروز، بمن فيهم النساء، عن أحوال الدرزيات، سيجيبون بما هو متوقع. سيتحدّثون عن الحقوق التي تمتلكها النساء، وإنصاف النصّ الديني لهن، وأشياء عن كيف أن المشكلة الحقيقية تكمن في مخالفة الناس لمبادئه

"دوائر" الدروز

بدايةً، هناك الدائرة السرّية، أي مركز القرار، أو المكان الذي تُحاك فيه المصائر والطقوس ويُفتى فيه عن الحلال والحرام، وهي دائرة "المشايخ الكبار"، أو الأجاويد بحسب التعبير الديني الشائع، وهذه الدائرة هي أشبه بنادٍ سرّي للرجال المُلتحين، تلي دائرة القرار دائرة الشيخات والمشايخ العاديين الذين تطالهم قرارات المشايخ الكبار وتتحكم بحيواتهم. ثم تأتي دائرة "الجسماني" التي تتضمّن مَن ليسوا مشايخ، ممّن يتأثرون بتوجيهات الدوائر الأعلى. 

لكن هناك دائرة أخرى لا يذكرها أحد، وقد تكون الدائرة الأخيرة. لا تشتمل تلك الدائرة على النساء وحسب، بل تحديداً على المنبوذات منهن اللواتي خالفن أوامر الدوائر.

لكن هناك دائرة أخرى لا يذكرها أحد، وقد تكون الدائرة الأخيرة. لا تشتمل تلك الدائرة على النساء وحسب، بل تحديداً على المنبوذات منهن اللواتي خالفن أوامر الدوائر. فلنسمّها دائرة "اللا منتميات" إذاً، أي دائرة اللواتي يدفعن ثمناً باهظاً ليبقين على قيد الحياة. من بين هؤلاء، "هيفا" التي اضطرت إلى الهجرة لتكونَ نفسها، و"ريم" التي حُمّلت "خطيئة" الزواج المختلط في عائلتها، وتحتفظ بمثليّتها الجنسيّة لذاتها، و"ليلى" التي تواجه محاكم وقرارات مجحفةً. هنّ بعضٌ من اللواتي أدركن حجم الجور وتحرّكْن، كلّ على طريقتها. هنّ المدافعات الصامتات عن الحقوق داخل مجتمعٍ ينبذ الضوء في الأساس، فكيف إذا كان الضوء مسلطاً على نسائه؟ 

إمّا الطاعة أو الهرب

في حديث مع رصيف22، تقول هيفا (31 عاماً)، وهي ممثلة مسرح لبنانية مقيمة في السويد، "إنّ "النساء الدرزيات إمّا يكنّ نسخةً مكرّرةً لنموذج تاريخي واحد، أو يصبحن نساءً هاربات".

وُلدت هيفا في قريةٍ صغيرة في منطقة حاصبيا لعائلة درزية غير متديّنة. لم يُجنّبها عدم تديّن عائلتها سلطةَ المنظومة الاجتماعية السائدة في المجتمع الدرزي الريفي التي ساهمت في تسريع هجرتها إلى السويد. تشارك هيفا الخلفيّة التي تأتي منها وتقول: "آتي من قرية بيوتها متلاصقة وقريبة جداً من بعضها، حيث لا خصوصية لأحد. الجيران يعرفون كل شيء عن جميع مَن حولهم. عندما أنجبتْ أمّي بناتاً، عُدْنا من المدينة إلى الضيعة، وقالت حينها، 'عندي بنات بدّي جوّزهن!'. بدأ العمل منذ صغرنا على هندسة منزلنا ورفع مستوانا المعيشي لضمان نصيب أفضل لنا في الزواج. وأمّي لم تفعل هذا لأجلها، بل لأجل الجيران والمعارف".

من بين هؤلاء، "هيفا" التي اضطرت إلى الهجرة لتكونَ نفسها، و"ريم" التي حُمّلت "خطيئة" الزواج المختلط في عائلتها، وتحتفظ بمثليّتها الجنسيّة لذاتها، و"ليلى" التي تواجه محاكم وقرارات مجحفةً

تتابع هيفا: "بدأتُ المواجهة مع هذه المنظومة عام 2009، عندما ذهبتُ إلى الجامعة. في البداية، كنت أدرس المسرح -وهذه تهمة بحد ذاتها- وكان الجيران يسألون دائماً إذا كنتُ سأوافق على تقبيل شاب على التلفاز! هم لا يعلمون أننا في المسرح قد نفعل أكثر من ذلك... ثم انطلقت مواجهة أخرى في الجامعة نفسها، إذا كنا مجموعة شابّات نزلنا من الضيعة وتشاركنا السكن الجامعي. فجأةً، صار محرّماً علينا الجلوس مع أي شخص من خارج المجموعة وأصبح كل شاب، لمجرد أنه درزي، وصيّاً علينا... فقررتُ أن أعلن هروبي وأهاجر إلى بلد آخر رفضاً لهذا الفرض الاجتماعي الذي يدفعه الشخص من عمره".

الزواج المختلط: عقاب تتوارثه الأجيال

ريم (اسم مستعار، 22 عاماً)، تتحدر من قرية متنية في جبل لبنان، وهي خرّيجة علم نفس واختصاصية اجتماعية تعمل في إحدى المنظمات غير الحكومية. لم تقدم ريم على الزواج من شخص غير درزي، لكن احترامها لهذه القاعدة "المقدّسة" لم يَقِها شرّ العقوبة التي سبق أن طالت عائلتها. 

تروي ريم لرصيف22، عن أحوال أسرتها المعقّدة، وتقول: "أنحدر من عائلة فيها خليط غريب. فجدّتي مسيحية كاثوليكية وجدّي درزي، وأولادهما مسلمون على الهوية لأنهما (أي الجدّين) اضطرا إلى أن يُسلِما ليتمكّنا من الارتباط. عندما أراد عمّي أن يتزوج، رفض أهل زوجته تزويجه لأنه في الهوية مسلم، ما أجبر جدّي وجدّتي على الطلاق، بالرغم من أنهما لم يريدا ذلك، ليعود جدّي درزياً ويسجّل أولاده على خانته دروزاً (...) وهكذا، استطاع عمّي أن يتزوج. لكن في ما بعد، تزوج والدي من شيعية. في هذا الوقت، وعندما كانت عمّاتي على مشارف عمر الزواج، كان الرجال الذين يبدون اهتماماً بهن يتراجعون لأن والدتهم مسيحية، وشقيقهم متزوج من شيعية!". 

هذا مثال بسيط على العقاب الذي طال نساء عائلة درزية عرفت الزيجات المختلطة غير المحبّذة لدى الدروز الذين يفضّلون عدم اختلاط الدم داخل مجتمعهم، بحيث كانت للأعراف الاجتماعية -لا القانونية- قدرة عالية على تفريق الأشخاص. أما عقاب النساء فغالباً ما كان يأتي مضاعفاً. ففي حين تمكّن الرجال في عائلة ريم من الزواج، وتسامح معهم مجتمعهم، لم تلقَ نساء الأسرة التفهّم نفسه. 

"أنحدر من عائلة فيها خليط غريب. فجدّتي مسيحية كاثوليكية وجدّي درزي، وأولادهما مسلمون على الهوية لأنهما (أي الجدّين) اضطرا إلى أن يُسلِما ليتمكّنا من الارتباط"

تؤدّي العادات الاجتماعية للمجتمع الدرزي، وهيمنة التكتّم وهرميات السلطة الأبوية فيه، إلى شحّ واضح في الانتقادت الموجّهة علناً إلى ممارسات رجال الدين فيه، وربما يكون ذلك انطلاقاً من جنوح المجتمعات العشائرية نحو الانغلاق على نفسها، واستقائها هويتها من تمايزها عمّا ليست عليه. والنتيجة تكون أن قلّةً قليلةً في المجتمع الدرزي تسائل فعلياً موسوعة العقوبات التي يُلقِّن بها أربابُ الدوائر مَن تجرأ/ ت على الزواج من خارج الطائفة، درساً قاسياً.

الترقب والوعيد بالعقاب لم يتوقفا عند هذا الحد، إذ تخبر ريم كيف "طلب المشايخ من عمّي أن ينبّه أولاده من الزواج من غير دروز، لأن النبذ حينها سيكون نهائياً. أكثر من ذلك، نحن ممنوعون من أن نُدفن في مدافن الضيعة، فكان علينا أن نبحث عن مدافن في ضيعة مختلفة، حيث يُدفن الأشخاص مجهولو الأصول". 

ليست ممارسات النبذ الشائعة في صفوف الطوائف -خاصةً مجموعات العبادة المُغلقة- غربيةً عن ريم. فقد شهدت عليها بنفسها من خلال ما تعرّضت له عمّتَاها اللتان، للمفارقة، كانتا مواظبتَين على حماية النظام الاجتماعي نفسه الذي ظلمهمها. تحذّر العمّتان ريم من الزواج برجل غير درزي، لأنها لو فعلت ذلك، كما تقولان، ستخرب كل ما تفعله العائلة "من أجل الاندماج وسيذهب طلاق جدّك وجدّتك سدى".

تؤدّي العادات الاجتماعية للمجتمع الدرزي، وهيمنة التكتّم وهرميات السلطة الأبوية فيه، إلى شحّ واضح في الانتقادت الموجّهة علناً إلى ممارسات رجال الدين فيه.

الشيخة الناجية

لا تحتاج الدرزيات، بمن فيهن الشيخات، إلى ارتكاب "الكبائر" حتى يُمارَس القمع والظلم عليهن. وليلى (اسم مستعار)، الشيخة البالغة من العمر 40 عاماً، التزمت بما قُرّر لها وعنها، علّها تسلم، ولم تسلم. 

"عدّوا أنني كبرتُ وأنه ما عاد يجب أن أذهب إلى المدرسة. كانوا يعتقدون أن على الفتاة الزواج في عمر مبكر، وعندما تقدّم لي زوجي السابق الذي يكبرني بعشرين عاماً، لم يحاولوا توعيتي بتصرّفاته العصبية. كان زوجي السابق يستفز أبي، وأبي شخص عنيف سرعان ما كان يُستفز، لكنه لم يتدخّل ليقول لي إن هذا الرجل سيسبّب المتاعب لاحقاً. عندما أفكر في الموضوع الآن، أرى أن كل ما في الأمر أنهم أرادوا التخلص مني". 

ليست ممارسات والد ليلى ممارسات "شاذةً" تطال فتاةً أو امرأةً دون سواها. فالحرمان والعنف اللذان قاستهما الأم في طفولتها، لم تسلم منهما ابنتها. تروي ليلى كيف أنه، فور إنجابها ابنها، أخذ التمييز يستفحل بابنتها. "عندما وُلد الصبي، أصبح كل الاهتمام موجهاً إليه. كان ممنوعاً عليها، وهي طفلة في السابعة، أن تخرج إلى الشرفة مرتديةً البيجاما، أو أن تلقي التحية على الزوّار الأقارب، بحجّة أنها لم تكن مرتديةً اللباس الديني". 

لم يكن التلويح بتزويج ابنتها مبكراً أمراً غريباً عن ممارسات الزوج، وفي ذلك تكرار واضح لتجربة الأم المريرة. على الرغم من العنف والجحيم اليوميّين، استمرت ليلى في زواجها. ربّت أطفالها وعملت في المنزل والحقل واهتمّت بأهل زوجها السابق. تحمّلت الإهانات والعنف الجسدي. وعندما أخذت القرار بالافتراق عن زوجها، فعلت ذلك خوفاً من الأذى الذي قد يلحق بأطفالها إذا ما جرى لها شيء قبيح، على حد قولها. "كنتُ أرى كيف يتعامل مع أخته المريضة وأهله، وعلمت أنه إذا ما جرى لي شيء، سأُترك لأموت في زوايا هذا البيت ولن يحمي أحد أطفالي". 

لا تحتاج الدرزيات، بمن فيهن الشيخات، إلى ارتكاب "الكبائر" حتى يُمارَس القمع والظلم عليهن. وليلى (اسم مستعار)، الشيخة البالغة من العمر 40 عاماً، التزمت بما قُرّر لها وعنها، علّها تسلم، ولم تسلم

في المقابل، لم تشكّل كل المرارة التي تجرّعتها ليلى يومياً، برأي القاضي المذهبي، سبباً كافياً للطلاق. "ردّ القاضي عليّ قائلاً: لا تظنّي أنني سأطلّق كل امرأة تطلب الطلاق". 

تروي ليلى أن ابنها الذي كان في عهدة أبيه مات بعد فترة وجيزة من تركها زوجها، نتيجة إهمال الأخير لصحّته. مات الصبي والأب كان حاضناً مفترضاً له ومخالفاً لقرار المشاهدة الذي كانت الأم قد حظيت به. كل هذا لم يدفع القاضي إلى أخذ قرار يتعلق بسلامة الأطفال الآخرين الذين ظلّوا تحت وصاية الأب وسقفه. 

بعد أيام من فقدانها طفلها، توجّهت الأم الثكلى إلى مقابلة القاضي الذي يبدو أنه لا يأتي إلى المحكمة إلا نادراً. قالوا لها إنه يأتي كل خميس وثلاثاء. كانت تذهب كل خميس وثلاثاء، لكن دون جدوى. اضطرّت إلى الانتظار لأشهر قبل حصولها على قرار يسمح لها برؤية الأطفال وتسجيلهم في المدرسة، ثم أشهر أخرى ليُنفَّذ الحكم، لتعود وتُحرَم منه بسبب استمرار الأب في تعقيد صيرورة الملف القضائية بهدف معاقبة الأم. 

ظنّت ليلى أنها ستحصل على شيء من الدعم لدى المشايخ، لكن الجواب أتاها على نحو "هودي ولادو، كبّيلو ياهن، خلّي هوي يصرف عليهن".

تروي ليلى أن ابنها الذي كان في عهدة أبيه مات بعد فترة وجيزة من تركها زوجها، نتيجة إهمال الأخير لصحّته. مات الصبي والأب كان حاضناً مفترضاً له ومخالفاً لقرار المشاهدة الذي كانت الأم قد حظيت به

المحاكم المذهبية الدرزية حليفة الظالمين

يبدو من قصة ليلى ومئات الملفّات التي ينظر فيها القضاة الدروز كيف أن المحاكم المذهبية تكون أحياناً بمثابة شريك في عمليّة إبقاء الدرزيات أسيرات بيوتٍ أهلها معنِّفون وممارسات ذكورية مؤذية.  

في هذا الإطار، تشرح ألفت أبي فراج، لرصيف22، وهي محامية في منظمة "كفى عنف واستغلال" النسويّة، كيف أنّ "القضاة الذين يُعيَّنون في المحكمة لا يخضعون أصلاً لمعهد القضاة وشروطه، وليست لديهم خبرة في العمل القانوني أصلاً. لذا، هناك الكثير من الثغرات القانونية في التعامل مع الملفّات". 

ليست قوانين الأحوال الشخصية الدرزية شديدة الاختلاف عن سائر القوانين الطائفية التي تحكم شؤون الأسر في لبنان، فأحكام حضانة الأطفال فيها ما زالت جائرةً وتتأثّر بجنس الطفل، وتزويج الأطفال ما زال متاحاً، والتمييز بين النساء والرجال في أسباب الطلاق وأحكامه قائم.  

ليست قوانين الأحوال الشخصية الدرزية شديدة الاختلاف عن سائر القوانين الطائفية التي تحكم شؤون الأسر في لبنان، فأحكام حضانة الأطفال فيها ما زالت جائرةً وتتأثّر بجنس الطفل، وتزويج الأطفال ما زال متاحاً، والتمييز بين النساء والرجال في أسباب الطلاق وأحكامه قائم

تُذكّر أبي فراج، بكيف "اعترض القضاة الدروز على ‘قانون حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري’، لأنه سحب منهم صلاحيات عدّة. غير أنهم ظلّوا يتمتّعون بحيّز شاسع من السيطرة على حياة النساء. فالقرارات الصادرة عن قاضي العجلة صارت تتوقّف فور تقديم دعوى طلاق، من دون أن يكون الحكم قد صدر بعد". فمثلاً، كما تنقل أبي فراج، طلبت قاضية العجلة في منطقة عاليه في إحدى القضايا التي تابعتها، إفادةً من المحكمة الدرزية "تؤكّد أن لا دعوى موجودةً في القضية التي تنظر فيها، مع العلم أن قرارات العجلة هي قرارات منفصلة وموقّتة". 

ما قامت به قاضية الأمور المستعجلة يشي إذاً بازدواجية في المرجعية التي تقوم عليها الممارسة القضائية على أرض الواقع، لأن ما حصل عمليّاً هو أن القاضية انتظرت خبراً من القضاة المذهبيين قبل أن تبتّ في مسألة جواز حماية امرأة من العنف، بالقانون، من عدمه.

بحسب المحامية أبي فرّاج أيضاً، "عندما تكون هناك شبهة خيانة على الزوجة، يتشدّد القاضي المذهبي كثيراً. لكنّ هذا التشدّد تخفّ حدّته حين يتعلّق الأمر بخيانة الزوج لزوجته، فلا يمنع القاضي الزوجة المشتبه بخيانتها من التنازل عن حقوقها (كالمؤخّر) في حال رغبت في الانفصال، أو عن حصولها على حق الحضانة، علماً أن هذه الحقوق مُصانة ويجب ألا يكون القاضي مجرّد راعٍ للتسويات في مثل تلك الحالات".

هذا الكبت لا يمرّ عرضاً على النساء الدرزيات وعلى تشكّل علاقاتهن بأجسادهن.

الجسد "دنيء" والتعبير غير مستحب

من تهمة الخيانة، وخلفها مفهوم "الشرف"، إلى عادات كبت التعبير التي ما زالت تسود الكثير من البيوت الدرزية، يبدو في المجتمع الدرزي، بحسب هيفا، "أنّ هناك روتيناً رتيباً في الأحاسيس، وامتناعاً عن التعبير يحيلان الأجساد أغراضاً هامدةً، كالزي المختار للطائفة، هذا الزي الأسود الذي يُراد منه التعبير عن دناءة الجسد".

هذا الكبت لا يمرّ عرضاً على النساء الدرزيات وعلى تشكّل علاقاتهن بأجسادهن. في هذا الإطار، تخبر هيفا عن اكتشافها للأثر الذي تركه القمع والكبت عندما بدأتْ بصفوف المسرح، وتقول: "التوتر والخوف الدائمان والحذر من الخطيئة كلها أمور انعكست على جسدي. لم أُدرك كم تمكّنتْ مني الحشمة المتوحشة، إلا عندما ذهبت إلى بيروت لأدرس المسرح، ففي صفوف التحمية الجسدية، وهي تمارين تنفّس واسترخاء، بقيت 4 أشهر أحاول فقط أن أستلقي في صالة التمرين وأسترخي. كنا في الغرفة، رجالاً ونساءً، وكانت صورة أمي، المنتفضة من استلقائها إذا ما دخل أحد إلى المنزل -"لأن المرأة عيب تنام قدّام الرجال"- ترافقني إلى غرفة التمرين".

أمام تعميم ثقافة الخوف، لم يبقَ هناك مكان للّواتي لا يستسغن الانصهار في الصورة الجامعة. "لم أنتمِ لا إلى الدروز ولا إلى سواهم، وعندما كبرتُ مع كل الأشياء التي اكتشفتُها عن نفسي، كمثليّتي الجنسية وإلحادي، لم يعد هناك مكان لي إطلاقاً، حتى بين النساء اللواتي يشبهنني..."، تقول ريم في حديثها إلى رصيف22.

لا تُفصح الشابّة عن إلحادها أمام أفراد أسرتها، لأنه لو صدر منها أي إيحاء بذلك، ولو على سبيل المزاح، فلن تكون عواقبه حميدةً. أمّا الإفصاح عن مثليتها، فأمرٌ لا يمكن أن يرد في حساباتها البتّة. ولذلك، تفضّل أن تُبقي قصصها لنفسها.

 "لم أنتمِ لا إلى الدروز ولا إلى سواهم، وعندما كبرتُ مع كل الأشياء التي اكتشفتُها عن نفسي، كمثليّتي الجنسية وإلحادي، لم يعد هناك مكان لي إطلاقاً، حتى بين النساء اللواتي يشبهنني..."

لماذا لا تَتَّحِد الدرزيات لمواجهة البلايا؟

حتّى الآن، لم تشكّل الدرزيات حراكاً مرئياً جامعاً يجابه التعنّت الذكوري والتسلّط الديني المُمارسَين عليهن. فهنّ لسن فقط أعضاء طائفة، بل هن جزء أساسي من المصنع الذي ينسج غطاء السرّية الذي تلفّ الطائفة به نفسها. والجميع تقريباً في هذا المجتمع يُعَدّ إعداداً مُحكَماً ليحفظ هذه السرّية ويضفي عليها طابع القدسية، فيساهم في حماية الطائفة وخباياها.

في هذا الإطار، تشرح فرح أبي مرشد، وهي ناشطة نسوية ريفية ومديرة مشاريع في جمعية "نون التضامن"، "أن المشكلة الأساسية التي تواجهها النساء الدرزيات تكمن في التقوقع الناتج عن ممارسات فصل غير عبثية وتعتيم الإعلام على قضايانا، بالإضافة إلى سيطرة الأحزاب الإقطاعية على الخطاب العام. كما أن التستر المذهبي أو الديني ينسحب على أمور حياتية أخرى للدرزيات، ويصبح جزءاً مهمّاً من هويتهن وطريقة عيشهن". 

"إن المشكلة الأساسية التي تواجهها النساء الدرزيات تكمن في التقوقع الناتج عن ممارسات فصل غير عبثية وتعتيم الإعلام على قضايانا"

أمام هياكل السيطرة الراسخة، تبقى خيارات التحرّر محدودةً. اليوم، هناك خياران طاغيان لم يشقّ الثالث جدارهما بعد. يكمن الخيار الأول في تقبّل نتيجة فقدان الأمان والحماية التي عادةً ما تنبع من حماية الأب لأسرته وأفرادها، في حال الرغبة في التحرّر وتحقيق الذات. وهو ما لم تفعله النساء الدرزيات بعد، بحيث تُظهر مراجعة بحثية لرامي زيدان ومايلز لويس (2021)، أن النساء الدرزيات غالباً ما يتحركن تحت "الرادار"، ضمن المساحات المسموحة، وغالباً ما يحاولن الحصول على بعض المكتسبات، خصوصاً في حالتَي متابعة التعليم الجامعي أو قيادة السيارات، من خلال التفاوض. ما يعني أن الدرزيات لا يزلن يتفاوضن مع النظام الأبوي الدرزي من دون أن يخرجن عن شروطه.

أما الخيار الثاني، فلا يعني فقدان الأمان أو شبكات العلاقات وحسب، بل ينطوي على مواجهة صعبة مع أصحاب السلطة وتحمّل الثمن الذي لن يكون بخساً. أما اللواتي قرّرن تكبّده، فغالباً ما وجدن أنفسهن مُبعدات، نتيجة عقابٍ صارم لا يطالهن وحدهن، إنما محيطهن أيضاً. فبحسب زيدان ولويس، استُخدم العقاب الاجتماعي ضد الكثير من النساء، كالنميمة، حتى في حالات أقل جديةً، كالذهاب إلى الجامعة من دون "محرم"، أو الانتقال إلى المدينة. كذلك استُخدمت صفة "قويّة" بمعنى سلبي للدلالة على أن المرأة المقصودة خارجة عن معايير المجتمع أو "الشرف".

في المقابل، يُشهد للمجتمع الدرزي أنه استطاع الحفاظ على بعض شبكات أمانه وعاداته التي ليست كلها سيئةً. فلا شك في أن هذا الجو بإمكانه أن يمنح المنتميات إليه شعوراً بالحماية تغذّيه بروباغندا سياسية وإجراءات يتّخذها المشايخ حين يستشعرون مسّاً بأمان مجتمعاتهم وعاداتهم، كما جرى مثلاً مع الشيخة العائدة من فلسطين، ورفض المشايخ توقيفها. لكن سرعان ما ينقلب وهمُ الحماية الأبوية على النساء ليُستخدَم ضدّهن لأي سبب يراه الرجال مناسباً، كما حصل مع ليلى، وقبلها الشيخة التي كانت محتجزةً في منزلها منذ سنوات ،لأن ذكوره قرّروا ذلك.

يشير زيدان ولويس في دراستهما إلى مفهوم المساحة لا كمفهوم مجازي، إنما كترجمة فعلية لتجربة النساء الدرزيات ضمن المنظومة الأبوية الدرزية. وتلك المساحات، بحسب الباحثين، عادةً ما نجدها محكومةً بمعايير جندرية صارمة تبتّ بشأنها، بشكل أساسي، دائرة المشايخ التي تتحكم بتحركات النساء، فتسمح بها حين تنسجم مع معاييرها وتمنعها حين لا تنسجم معها.

في ظلّ هذا الواقع المعقد، ترى فرح أبي مرشد، أنّ "ما ينقص الدرزيات لخوض المواجهة بشكل جماعي اليوم هو تفعيل دور النسويات الدرزيات الناشطات في بيروت، أو خارج قراهنّ، والسعي إلى وضع معارفهن وخبراتهن في خدمة المناطق أيضاً". وتضيف أبي مرشد: "ينبغي خلق خطاب تحيكه نساء عشن التجارب وفهمنها وفكّكنها، والابتعاد عن الخطاب الأكاديمي أو الفوقي. أرى أيضاً أن النساء الدرزيات بحاجة إلى التنظيم والحصول على فرص، وأن يكنّ هنّ المتحدثات عن قضاياهنّ، لا ممثَّلات بالوكالة".

اليوم، ووسط هذا الكمّ الهائل من القيود التي تكبّل النساء، يكمن بصيصُ الأمل في مستوى الإدراك والقوة الذي تمتلكه الكثير من الدرزيات، وفي قدرتهن على الصمود أمام الصعاب

اليوم، ووسط هذا الكمّ الهائل من القيود التي تكبّل النساء، يكمن بصيصُ الأمل في مستوى الإدراك والقوة الذي تمتلكه الكثير من الدرزيات، وفي قدرتهن على الصمود أمام الصعاب، كليلى التي حدّثتنا عن عزمها استكمال المواجهة مع زوجها السابق ومحاميه والقاضي، وريم التي اخترعت لنفسها مساحات تخبّئ فيها أفكارها وأحاسيسها العميقة، وهيفا التي غادرت لبنان لتبني لنفسها مساحةً فنيّةً تستعيد فيها قوّةً سُلبت منها، في انتظار فصل المواجهة المقبل. 

القوّة هذه، بحسب الشاهدات والخبراء بالشأن الدرزي، هي رصيد النساء اللواتي امتلكن فيضاً من الشجاعة لابتكار مساحاتٍ بديلة جديدة، إما ضمن المسموح الضيّق، أو المرغوب الواسع.

من هناك، سيستمررن في إقلاق راحة نظامٍ ديني واجتماعي متكامل لم تعد ذكوريّته وهرميّاته سرّيةً أو خفيةً على أحد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard