عصابات تهريب البشر تنتقل إلى جنوب لبنان... 5 آلاف دولار إلى "خارج الجحيم" أو القبر

الاثنين 25 يوليو 202204:49 م

لا تعلم أُم محمد، مصير ابنتها وزوجها وأولادهما، فهذه العائلة التي عاشت في شمال لبنان ظروف الفقر، وصلت إلى مرحلة من اليأس جعلتها تختار خوض البحر في سبيل حلمها في الوصول إلى القارة العجوز، أو بالحد الأدنى الخروج من بلاد ذاقوا فيها الويل، فجرّبت الهجرة غير الشرعية للمرة الأولى العام الماضي، ولم تنجح، لكنها على ما يبدو جرّبت مرةً ثانيةً قبل فترة ليست بعيدةً.

تقول أم محمد، وهي أمّ لتسعة أولاد، إنها لا تعرف شيئاً عن ابنتها وعائلتها اليوم، في محاولة منها ربما لحماية ابنتها: "إن شاء الله عندما أعرف عنهم شيئاً سأبلغكم".

في المحاولة الأولى، تروي أم محمد أن "العائلة تعرضت للسرقة بين اليونان وتركيا، برفقة من كانوا معهم على متن القارب الذي اشتراه المهاجرون بمالهم الخاص، وتُركوا على شواطىء تركيا من دون مال، ثم أُعيدوا إلى لبنان"، مشددةً على أن ظروف الهجرة الطبيعية غير متوافرة، ومن "تسنح له فرصة الهجرة إلى أوروبا من أبنائها، لن يُقصّر".

حال أم محمد كحال كثيرٍ من اللبنانيين والفلسطينيين المقيمين في لبنان، والسوريين النازحين إليه، الذين لا يملكون سوى "حلم" الهروب من جحيم الحياة الصعبة إلى ما يرونه نعيم الحياة الأوروبية، ولو كانت تجربتهم كلعبة قمار، مع فارق جوهري، هو رهانهم على حياتهم وحياة عائلاتهم لا أموالهم وحسب.

تشديد الرقابة الأمنية، وتكثيف الدوريات العسكرية في الشمال، جعل المهربين يخططون لرحلات تنطلق من الجنوب، من على الشاطئ الذي يفصل بين صيدا وصور

س. ع.، أحد هؤلاء الذين باعوا كل ما يملكون لأجل تسديد الثمن الذي يطلبه المهرّب مقابل تأمين هروبه، يُشير في حديث إلى رصيف22، إلى أنه "غامر بكل شيء من مال وروح لأجل الهجرة، ولم ينجح الأمر بسبب السلطات القبرصية التي اكتشفت أمر المهاجرين وأعادتهم إلى لبنان"، مشدداً على أنه لن يستسلم وسيحاول مجدداً.

ابنة أم محمد في اليونان

تذكر أم محمد، أن ابنتها وعائلتها حاولت الهجرة من جديد، وتمكّن رصيف22، من الوصول إلى الابنة التي اتّضح خروجها من لبنان قبل أسابيع عبر قارب هجرة جديد برفقة عائلتها. تقول المرأة التي تمكّنت من التواصل معنا لوقت قصير قبل أن يخرج هاتفها من الخدمة: "أول كلمة أريد قولها إن الكلّ يُتاجرون بالبشر، ولا يوجد أحد صادق"، مشيرةً إلى أن زوجها تواصل مع أحد المهربين من بلدة بنين العكارية شمال لبنان، بعد إعادتهم إلى لبنان في المرة الأولى، وطلب المحاولة مجدداً لأن كل ما دفعناه كان بمثابة ديون علينا، ولا يمكننا ردّها في حال بقينا في لبنان.

وتُضيف: "اتفقنا على تفاصيل الخروج وكان يُفترض أن يضمّ القارب 82 شخصاً فقط، لكنه احتوى على 240 شخصاً كانوا يجلسون فوق بعضهم البعض"، كاشفةً أنهم اليوم في جزيرة كوس في اليونان في عهدة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ولا يعلمون مصيرهم، بعد أن كانت وجهتهم إيطاليا، ثم ألمانيا.

المهرّبون وطرق التهريب

تفيد معلومات حصل عليها رصيف22، ممن يتابعون الملف، أن بعض المهربين يحمل الجنسية اللبنانية، وبعضهم يحمل الجنسية السورية، ولا أحد يجرؤ على الإفصاح عن هويّتهم، والسبب هو رغبة كل من جرّب ولم ينجح بأن يُعيد التجربة مجدداً، لذلك هناك خشية من فضح المهربين.

ويعتمد المهربون بشكل أساسي على الشاطئ الواقع بين منطقتي القليعات والشيخ زناد، في شمال لبنان، ونقاط محددة على شاطىء القلمون شمالاً، للانطلاق في رحلات الهجرة، إلّا أن تشديد الرقابة الأمنية، وتكثيف الدوريات العسكرية في الشمال، جعل المهربين يخططون لرحلات تنطلق من الجنوب، من على الشاطئ الذي يفصل بين صيدا وصور، وكانت التجربة الأولى في شهر حزيران/ يونيو الماضي، عندما حاولت إحدى المجموعات التحضير لعملية تهريب سوريين إلى إيطاليا انطلاقاً من شاطىء بلدة الصرفند الجنوبية.

"غامرت بكل شيء من مال وروح لأجل الهجرة، ولم ينجح الأمر بسبب السلطات القبرصية التي اكتشفت أمرنا وأعادتنا إلى لبنان، لكنني لن أستسلم وسأحاول مجدداً"، وهذه حال كُثر ممن حاول الهرب من الجحيم اللبناني 

كذلك يحاول المهربون استخدام شواطىء المنتجعات السياحية في الشمال للتغطية على عملية هروبهم، ومؤخراً تم إلقاء القبض على مجموعة حاولت الهرب عبر أحد هذه المنتجعات.

تقول مصادر مطلعة لرصيف22، إن "المهربين ينقسمون إلى قسمين، قسم لبناني وآخر سوري، ويعملون بطريقة خفيّة فلا ينشرون أرقام هواتفهم، ويصل إليهم من يرغب في الهجرة عبر نقل خبر رغبتهم بين الناس، فيصل الخبر إلى المهرب بأن فلاناً يريد الهروب، فيتواصل المهرب مع الشخص المقصود بعد التأكد عبر مصادره من النية الحقيقية للشخص المعني".

وتكشف المصادر عن وجود معطيات في طرابلس شمال لبنان، تتحدث عن تورط بعض المعتقلين السابقين في سجون العدو الإسرائيلي في هذه العملية، بسبب خبرتهم المكتسبة من تهريب السلاح إلى فلسطين في قديم الزمن.

وتصل كلفة التهريب إلى نحو 2،500 دولار أمريكي للفرد، من أجل الوصول إلى قبرص، وترتفع إلى 5 آلاف دولار أمريكي إذا كانت الوجهة شواطىء إيطاليا، ويحاول المهاجر بعدها الوصول إلى ألمانيا، وهي البلد الأكثر استقطاباً لهؤلاء المهاجرين، مع الإشارة إلى أن المهربين يقدّمون حسومات خاصةً للأطفال.

لا يُظهر المهربون أنفسهم، ولا يعرّفون عن هويتهم الحقيقية أمام المهاجرين، خوفاً من توقيفهم والتحقيق معهم، حتى أن الشخص المتواجد على متن القارب لإدارة عملية الهجرة وربما قيادته، يكون من ضمن فريق المهربين لكنه يلعب دور المهاجر أو مجرد سائق، والكلام الأبرز للمهاجرين عند توقيفهم يكون أنهم نسقوا مع بعضهم البعض لأجل شراء القارب والهروب على متنه.

احتمال الموت المرتفع

يكاد لا يمر شهر من دون قيام الجيش اللبناني بتوقيف قوارب هجرة، أو منع محاولات هجرة غير شرعية، من الشمال الذي اعتاد شاطئه أن يكون نقطة الانطلاق، إلى الجنوب الذي دخل مؤخراً في لعبة الهجرة غير الشرعية، بعد أن وجد المهربون في الجنوب فرصةً للهروب من دوريات الجيش اللبناني المكثفة شمالاً.

يتم توقيف المهاجرين غير الشرعيين ثم يُطلق سراحهم بعد التحقيق معهم، وأوقف الجيش أكثر من مرة عناصر تنتمي إلى عصابات التهريب، وتمكن من تفكيك بعضها

ويتم توقيف المهاجرين غير الشرعيين ثم يُطلق سراحهم بعد التحقيق معهم، وتكشف المصادر أن الجيش أوقف أكثر من مرة عناصر تنتمي إلى عصابات التهريب، وتمكن من تفكيك بعضها، لكن رغبة الهجرة الكبيرة جعلت من هذه المهنة، مهنةً رابحةً، بالرغم من الخطر الكبير الذي قد يتعرض له المهاجرون.

آخر هذه المخاطر كان غرق أحد المراكب في شهر نيسان/ أبريل الماضي، وكان على متنه نحو 80 شخصاً، ولا يزال أكثر من 30 شخصاً منهم في عداد المفقودين حتى الآن، في ظل هجوم مباشر على الجيش اللبناني من قبل الناجين وأهالي الضحايا الذين اتهموا دورية الجيش بإغراق المركب عن سابق تصور وتصميم، وقد تفاعلت هذه القضية في لبنان ولا تزال تتفاعل، إذ يُطالب الأهالي بانتشال جثث أبنائهم من قعر البحر حيث لا تزال موجودةً.

ولم تكن حادثة الغرق هذه هي الوحيدة التي أصابت المهاجرين اللبنانيين، فالقوارب التي غرقت كثيرة خلال السنوات الماضية، وبحسب الدولية للمعلومات فقد شهدت السنوات الماضية 5 حوادث أدت إلى وفاة وغرق 51 شخصاً معظمهم من عكار وطرابلس شمال لبنان، والسبب ببساطة هو أن القوارب المستخدمة لا تلبّي متطلبات الرحلة، وتُحمّل بحمولة زائدة لأجل تحقيق الأرباح.

بدأت رحلات الموت تتزايد منذ العام 2009، أي قبل الانهيار الاقتصادي في لبنان بسنوات، وحتى قبل اندلاع الحرب السورية التي خلّفت وراءها الويلات لسوريا ولبنان. ففي 17 كانون الأول/ ديسمبر من العام 2009، انطلق زورق من طرابلس في اتجاه قبرص وسقط خلال الرحلة 4 ضحايا، وتوالت الأحداث حتى عام 2013، عندما سقطت 27 ضحيةً من عكار جراء غرق سفينة كانت متجهةً من أندونيسيا إلى استراليا، واستمرت المحاولات، ومنها ما نجح ومنها ما تم إحباطه، ومنها ما أدى إلى كوارث وسقوط ضحايا، كالحادث الذي وقع في نيسان/ أبريل الماضي.

ليس الجيش وحده من يعمل على خط توقيف هذه العصابات، بل الأجهزة الأمنية كلها، وتمكن جهاز أمن الدولة مؤخراً من توقيف امرأة فلسطينية بجُرم تهريب أشخاصٍ معظمهم من المخيّمات الفلسطينيّة في بيروت، عن طريق البحر في اتجاه إيطاليا واليونان، وذلك عبر شاطئَي ساحلَي المتن والشمال، وتبيّن بعد التحقيق معها ضلوع أفراد آخرين في عمليّات التهريب، مشكّلين عصابةً من لبنانيّين وسوريّين وفلسطينيّين، كانت تخطّط لعمليّات تهريبٍ أخرى إلى أوروبا خلال شهرَي آب/ أغسطس وأيلول/ سبتمبر المقبلَين.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard