شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
الفستق الحلبي "ذهب" شمال سوريا الأحمر... زراعة "مخملية" لم تعد كذلك

الفستق الحلبي "ذهب" شمال سوريا الأحمر... زراعة "مخملية" لم تعد كذلك

حياة

الأربعاء 28 سبتمبر 202203:46 م

على كرسيّه الخشبي، يجلس أبو نايف حاملاً لفافة تبغه، وينقل حبات سُبّحته بين أصابعه، في فسحة صغيرة مزروعة ببعض الورود أمام منزله، وهو يروي حالة اليأس والتشاؤم التي يعيشها بعد خسارة أرضه العامرة بأشجار الفستق الحلبي في مورك شمال مدينة حماه. فبعد انسحاب نقطة المراقبة التركية من المدينة أواخر العام 2020، فقد أمله الأخير برؤية أرضه والعودة إلى مسقط رأسه.

أبو نايف السليمان (63 عاماً)، مزارع مهجر في مدينة إدلب، يصف لرصيف22، كيف ترك 15 دونماً مزروعاً بأشجار الفستق الحلبي، وكيف خسر مواسم عديدة كانت تغلّ عليه ذهباً منذ دخول قوات النظام والميليشيات الموالية إلى البلدة واستملاكها أراضي المعارضين ومن ضمنها أرضه، استناداً إلى القانون الذي استحدثه النظام، وهو إثبات الملكية خلال مدة أقصاها 15 يوماً من تاريخ إصدار ذلك القانون.

يقول: "لا أملك من أرضي وأشجاري التي ورثتها عن أبي إلا الصور، إذ باتت بترابها وهوائها ومردودها، لمن اغتصبها من الشبيحة الموالين للنظام، خاصةً أن مردود أشجاري جيد جداً، نظراً إلى عناية الأسرة بها من جدي إلى أبي وصولاً إليّ، إذ يقدَّر إنتاجها بما بين 7 و8 أطنان من الفستق"، مضيفاً: "مَن نهب الأراضي هناك يأخذ منها ولا يعطي فلا يقدّم لها أي عناية على الإطلاق، ما يجعلها عرضةً للأمراض ولتكسير أغصانها، فسنوات قليلة أخرى كفيلة بموت كل أشجاري والقضاء على إرث أجدادي".

يعجز المزارعون المهجرون من ريف حماه الشمالي وريف إدلب الجنوبي وشرق مدينة معرّة النعمان، عن الوصول إلى أراضيهم 

يعجز المزارعون المهجرون من مناطق ريف حماه الشمالي وريف إدلب الجنوبي ومناطق شرق مدينة معرّة النعمان، عن الوصول إلى أراضيهم المشجرة بالفستق الحلبي، جراء سيطرة قوات النظام على تلك المناطق ووضع يدها على آلاف الدونمات في مدن مثل مورك وخان شيخون وكفرزيتا وطيبة الإمام، بالإضافة إلى تعرّض مساحات واسعة من الأراضي المزروعة بالفستق الحلبي لتجريف ممنهج، بعد أن كانت حماه تشكّل 35% من المساحة المزروعة، وإدلب 13%، وحلب في المقدّمة بنسبة 44%، حسب المجموعة الإحصائية الزراعية التابعة للحكومة السورية في العام 2010.

الذهب الأحمر

بعناقيد من الحبوب حمراء اللون المتناثرة على الجغرافيا السورية، ترتبط هذه الزراعة بهوية السوريين الزراعية وموروثهم الزراعي، وبمدينتهم حلب التي تُنسب التسمية إليها، نتيجة اشتهار المحافظة وريفها الواسع بزراعتها بكثرة، وخاصةً مدينة جرابلس الحدودية. ففي الوقت الذي يدّعي فيه الأتراك أن أصل الشجرة هو من المنطقة الممتدة بين عينتاب والحدود الإيرانية، تؤكد مصادر أهلية وجود أشجار فستق معمّرة في قرية عين التينة ومعلولة في القلمون السوري تُقدَّر أعمارها بما بين 300 و500 سنة، وما زالت تعطي ثماراً، كما أن وجود أشجارٍ كبيرة العمر من الفستق الحلبي المطعّمة على أصل البطم الأطلسي في معلولة وعين التينة يشير إلى وجود الشجرة في سوريا منذ القدم.

ويطلق السوريون على هذه الثروة الإستراتيجية "الذهب الأحمر" أو "الشجرة الذهبية"، لما تدرّه على المُزارع من إنتاج ممتاز النوعية ومرتفع الدخل، ومنخفض التكلفة بالنسبة إلى غيرها من الأنواع، ما أغرى المزارعين لتوسيع زراعتها في إدلب والسويداء ودرعا وحمص، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بل عُدّ الفستق الحلبي من أهم العناصر في مكونات المطبخ السوري عموماً والحلبي والدمشقي بشكل خاص، بعد أن أدخله السوريون في كثير من مأكولاتهم وحلوياتهم على النطاق المنزلي والتجاري والتي حظيت بشهرة عالمية، مثل البلورية والوربات والمبرومة والشعبيات والمدلوقة وغيرها، كما يُؤكل كمكسرات متعددة النكهات أو طازجةً، فضلاً عن جهود وزارة الثقافة السورية مؤخراً في إدخاله إلى القائمة الوطنية للتراث اللا مادي السوري.

لا أملك من أرضي وأشجاري التي ورثتها عن أبي إلا الصور، إذ باتت بترابها وهوائها ومردودها، لمن اغتصبها من الشبيحة الموالين للنظام، خاصةً أن مردود أشجاري جيد جداً، نظراً إلى عناية الأسرة بها من جدي إلى أبي وصولاً إليّ

آسيوياً، احتلت سوريا المرتبة الثانية بعد إيران في إنتاج الفستق الحلبي والرابعة عالميّاً قبل اندلاع الثورة السورية عام 2011، إذ قُدِّر إنتاج تلك السنة بـ56،833 ألف طن، وبقيمة بلغت 292 مليون دولار، ويحتل الفستق الحلبي المرتبة الخامسة بين المحافظات السورية لجهة المساحة المزروعة بمساحة تصل إلى 58،953 ألف هكتار وإنتاج يقدَّر بأكثر من 65 ألف طن حسب المجموعة الإحصائية التابعة للحكومة السورية لعام 2020، كما تشير تقديراتهم الإحصائية للعام 2022، إلى أن عدد أشجار الفستق الحلبي تقدر بـ9 ملايين و500 ألف شجرة، منها 3 ملايين و250 ألف شجرة في حماه، التي تحتل المركز الأول إنتاجياً بأكثر من 31 ألف طن، ثم إدلب بأكثر من 16 ألف طن، تليهما حلب بأكثر من 15 ألف طن، وأخيراً حمص والسويداء بـ1،495 طن.

تأرجح شمال سوريا

توارث أحمد درويش الأحمد (مزارع من جرابلس)، مهنة زراعة الفستق الحلبي عن آبائه وأجداده كابراً عن كابر، ويملك 300 شجرة فستق مثمرة منها ما تجاوز عمرها الـ70 سنةً، موزعة على هكتارين ونصف، كما يملك أشجاراً صغيرةً (بين 3 و8 سنوات) موزعة على ثلاثة هكتارات ونصف.

يصف الأحمد (في العقد الخامس من العمر)، الفستق الحلبي السوري بالذهب الأحمر، وبأجود الأنواع العالمية نسبةً إلى أفضل بيئات زراعته (حلب وصوران ومورك في حماه)، إذ يحظى باهتمام ورعاية واسعة بالرغم من تأخّر إنتاجه إلى ما بعد عشر سنوات من زراعته، إلا أن غلّته ذات مدخول عالٍ، ويزداد الطلب عليها عالمياً نظراً إلى قيمتها الغذائية كمصدر للطاقة والبروتين والأملاح المعدنية.

يقول لرصيف22: "بلغ إنتاج أشجاري هذا العام 2.5 طن، فيما بلغ الإنتاج العام الفائت 5 أطنان، لأنه من المعروف عن شجر الفستق أنه متفاوت الإنتاج بين سنة وأخرى بمقدار النصف". في المقابل، هو مستاء من الأرقام المتدنية التي وصل إليها سعر الكيلو شمال سوريا، والذي لا يتناسب أبداً مع ارتفاع تكاليف الزراعة والمصاريف المادية المبذولة خلال الموسم، إذ وصل السعر إلى دولارين ودولارين ونصف، وهو سعر ثابت منذ ثلاث سنوات، حسب قوله.

إلى جانب الاحتكار، ما يزيد الطين بلّةً هو أن التجار يعتمدون استيراد الأنواع التركية والإيرانية والأمريكية وطرحها في الأسواق المحلية

يحمّل الأحمد سبب ذلك، إلى احتكار التجار عمليات الشراء واقتسام أرزاق الفلاحين في ما بينهم، من دون وجود أسعار تنافسية، ثم تصديره مباشرةً عبر تركيا إلى دول الخليج وأوروبا (ترانزيت)، إذ يقول: "إلى جانب الاحتكار، ما يزيد الطين بلّةً هو أن التجار يعتمدون استيراد الأنواع التركية والإيرانية والأمريكية وطرحها في الأسواق المحلية بهدف كسر أسعارنا، وهذا يؤثر بالطبع على المزارع المجبر في النهاية على البيع لأن لديه التزامات، فحتى لو احتكره الفلاح وخزّنه في مستودعاته لن يستفيد، لأن التاجر هو نفسه وسيشتري بالسعر نفسه مهما طال الوقت".

وعن أهم الصعوبات التي تواجه مزارعي الفستق، يشير الأحمد إلى وجود أنواع رديئة من الأدوية منتهية الصلاحية أو خفيفة التركيز والمنتشرة بكثرة في الصيدليات، تُعدّ كارثةً على المحصول، بالإضافة إلى ارتفاع أسعاره فطن "اليوريا سماد" وصل إلى 1،000 دولار بعد أن كان العام الفائت بـ500 دولار، فضلاً عن ارتفاع أسعار المحروقات وأجور النقل والتقليم والحراثة والسقاية والأنواع الأخرى للسماد، فموسم الفستق يحتاج إلى خمس حراثات، وثلاث سقايات، وأربعة أنواع من السماد على مراحل متقطعة: العضوي وأسود فوسفات ويوريا ومتوازن.

دعم غائب

يغيب دعم المنظمات الفاعلة والحكومة المؤقتة التابعة للمعارضة السورية عبر مكاتبها الزراعية ووزارتها، لأن تلك الجهات تعدّ مزارعي الفستق الحلبي من الطبقة المخملية القادرة على الاعتماد على نفسها في تأمين احتياجاتها، بالرغم من وصول دعم إلى مربّي المواشي ومزارعي المحاصيل الصيفية والقمح وغيره، وفق تأكيدات الأحمد.

يبرر مدير زراعة حلب في الحكومة المؤقتة التابعة للمعارضة السورية، حسن الحسن، في حديث إلى رصيف22، ذلك بقوله: "إمكانيات دعم مديرية الزراعة محدودة، وتالياً لم تستطع تقديم أي مساعدات لمزارعي الفستق بسبب عدّها زراعةً تجاريةً وكماليةً، في حين أن الاهتمام منصبّ في أغلبه على مشاريع الأمن الغذائي وفي مقدمتها زراعة القمح والخضروات، ومشاريع تحسين الثروة الحيوانية، وتقديم الإرشادات الزراعية".

مَن نهب الأراضي هناك يأخذ منها ولا يعطي فلا يقدّم لها أي عناية على الإطلاق، ما يجعلها عرضةً للأمراض ولتكسير أغصانها، فسنوات قليلة أخرى كفيلة بموت كل أشجاري والقضاء على إرث أجدادي

كذلك، يدعو الحسن المنظمات الفاعلة إلى توجيه دعمها نحو هذه الزراعة الإستراتيجية، وتطويرها وإطلاق مشاريع تمويلية لها، خاصةً أن نسبةً كبيرةً من المزارعين تعتمد عليه كمصدر رزق متوارث منذ عشرات السنين، كما يدعو إلى توفير متطلبات نجاحها من تأمين مياه الري خاصةً في سنوات الجفاف، والاعتناء الزراعي من حيث عمليات الفلاحة والتقليم والتعشيب وعمليات المكافحة من الأمراض والحشرات، ودعم المزارع بالمبيدات والأسمدة الموثوقة ذات الفعالية الجيدة وبالكميات المناسبة، لأن ارتفاع أسعارها يجبر المزارعين على استخدامها بالحد الأدنى، ما يسبب نقصاً في كميات الإنتاج، وفق تعبيره.

ووفق إحصائيات مديرية زراعة حلب في الحكومة المؤقتة التابعة للمعارضة السورية، فإن المساحة المزروعة في مناطق ريف حلب المحررة بلغت قرابة 19،149 ألف هكتار، ويقدَّر عدد الأشجار المثمرة بمليونين و336 ألفاً و178 شجرةً، تبدأ بالإثمار من عمر 10 سنوات وصولاً إلى ما بعد 100 سنة، فيما تبلغ تقديرات الإنتاج 18،700 ألف طن، أما عدد الأشجار في الدونم الواحد فمن 15 إلى 25 شجرةً، وفي الوقت ذاته يغيب الاهتمام الحكومي بهذه الزراعة وتغيب الإحصائيات الرسمية في إدلب المحررة نظراً إلى وجود بعض المزارع المتناثرة فقط في الريف الشمالي لإدلب، وانحسار الأراضي المزروعة وتركّزها في الريف الجنوبي للمحافظة وشمال ريف حماه القابعين تحت سيطرة النظام.

الأجود عالمياً

إمكانيات دعم مديرية الزراعة بالحكومة المؤقتة محدودة، وتالياً لم تستطع تقديم أي مساعدات لمزارعي الفستق بسبب عدّها زراعةً تجاريةً وكماليةً

مما لا شك فيه أن التربة السورية تُعدّ من أفضل الترب لزراعة الفستق الحلبي بشكل عام، والمناخ الموجود في سوريا ملائم تماماً لزراعتها، فهي تتحمل 50 درجةً مئويةً في فصل الصيف، ودرجات منخفضةً تصل إلى 15 درجةً تحت الصفر في الشتاء، فضلاً عن حاجتها الماسة إلى ساعات صقيعية ورياح معتدلة من أجل الإزهار. من جهة أخرى، يرى الخبير البيئي والمهندس الزراعي، جميل الخضر، أن المناطق التي تجوز فيها زراعة التين تجوز فيها زراعة الفستق، فهي مقاومة للجفاف.

ويؤكد الخضر لرصيف22، أن أفضل أنواع التُرب لزيادة الإنتاج هي التربة الجافة الخفيفة والغنية بكربونات الكالسيوم، كالمناطق الممتدة ما بين خان شيخون في إدلب إلى مورك شمال حماه والتي كانت مغطاةً بأكثر من 85% من شجر الفستق، لافتاً إلى وجود العديد من الأصناف المزروعة في سوريا، كـ"العاشوري" و"الباتوري" وهما أهم صنفين، نظراً إلى غزارة إنتاجهما وحيوية حبوب اللقاح، وتحملهما للجفاف، ما ينعكس على ثبات عقد الثمار وغزارتها مقارنةً مع الأصناف الأخرى.

يرى الخضر أن الوضع اختلف كلياً بعد العام 2011، فالكثير من الأشجار باتت مقطوعةً أو محروقةً، كما أن المزارع المشهورة بزراعتها باتت خراباً، وتحتاج إلى جيل كامل حتى تعاد زراعة غرسات صغيرة والانتظار سنوات لمعاينة إنتاجها، غير حالة الجفاف ونقص المياه التي تجتاح العالم، والحالة الاقتصادية التي تدفع بالمزارع إلى تقليل الاهتمام بهذه الثروة الوطنية من أسمدة ومبيدات وري وسقاية. 

Website by WhiteBeard