"تقرفيت" أو "أصقر" حب قَبَليّ مُباح في جبال الأطلس المغربية

الخميس 22 سبتمبر 202205:27 م

يخيّل إلينا أن علاقات التعارف بين الجنسين، قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، كانت نادرةً، ومنعدمةً، في المداشر والقرى، حسب طبيعة المجتمع القروي المحافظ، لكنه مجرد وهم ونظرة "استعلائية" إلى المجتمعات التقليدية التي استطاعت، بالرغم من كل الأفكار السائدة، أن تترك للحبّ كوّةً يتعرف عبرها العشاق قبل الزواج. ولعلّ هذا ديدن طقس تقرفيت في جبال الأطلس المغربي.

قواعد الحب القبليّ

لم يقمع النظام القبلي في مناطق الأطلس شبابه، بل عمل على تنظيم عادة خاصة لهذا العرض، في إطار عُرْفي بحماية من المجتمع وتحت مرآه.

سُمّيت هذه العادة باسم "أصقر" في مناطق الأطلس الصغير، وبـ"تقرفيت" في مناطق الأطلس الكبير والجنوب الشرقي، وصيغت لهذه العادة ضوابط خاصة على الجنسين احترامها، وأماكن لممارستها، وشعار على الشباب استحضاره بين الفينة والأخرى.

وتعني "تقرفيت" في الأمازيغية، البرد، والمقصود منها هنا الكلام البارد بين الجنسين، ويمكن أن يفضي إلى الكلام الحميمي وبعده إلى الزواج، أو يبقى في إطار ما هو عليه من برودة كحوار بين شباب القرية يملؤون به أوقات الفراغ.

لم يقمع النظام القبلي في مناطق الأطلس شبابه، بل عمل على تنظيم عادة خاصة وهي "تقرفيت" أو "أصقر" التي تسمح بتعارف الشباب خارج البيوت، في إطار عُرْفي بحماية من المجتمع وتحت مرآه

وعياً من القبيلة بأهمية المشاعر والعواطف التي يكنّها جنس إلى الجنس الآخر، وضرورتها في تأسيس النواة الأولى للمجتمع (الأسرة)، عملت على تأطيرها من خلال تخصيص أماكن مفتوحة وتحت مرآها، وتحديد توقيت زمني على الشباب احترامه.

يقول إبراهيم أمركي، الباحث في التراث المحلي لواحة تكموت ن يعقوب في إقليم طاطا، إن الحقول ونقاط التزود بالماء كالعيون والسواقي قديماً، كانت تحتضن طقس "أصقر"، إذ تقصد فتيات المداشر نقاط التزود بالماء المعروفة في اللغة الأمازيغية بـ"أسيـﯖم" بعد صلاة العصر لجلب الماء، والترفيه عن الذات بعد مجهود يومي من العمل الشاق داخل البيت وخارجه. كما أنهن يحرصن على ارتداء أجمل الملابس والحلي والتزين بالكحل والسواك، ليلحق بهنّ شباب المداشر الذين يحرصون بدورهم على حسن المظهر والهيئة، للتمكن من الظفر بقلوب الفتيات.

من جانبه، يؤكد خالد بن عدي، ابن منطقة آيت هاني في تنغير، أن العادة تمارَس صباحاً في السواقي وبعد الزوال في الحقول، أما مساءً فتُمارس في ساحة معروفة لهذا الغرض حيث يستمر الحديث إلى غروب الشمس، ويضيف أن العادة قد تجمع الإخوة في مكان واحد، حيث يبحث كلّ عن شريك أو شريكة له، في جو يغلب عليه الوقار والحشمة، والتعبير عن المشاعر في احترام تام لشعار العادة "سوّل إس يمي تامزد أفوس"، أي تحدّث بفمك وأمسك يديك، وهنا تُستحضر البلاغات والعبارات المجازية للتعبير عن الإعجاب والتتيّم بالشريك ما أن يُعثر عليه.

تقصد الفتيات  نقاط التزود بالماء المعروفة  بـ"أسيـﯖم" بعد صلاة العصر لجلب الماء، والترفيه عن الذات كما يحرصن على ارتداء أجمل الملابس والحلي ، ليلحق بهنّ الشباب للتمكن من الظفر بقلوب الفتيات

قد تختلف أماكن العادة حسب فصول السنة، وفق إبراهيم أمركي، فخلال فصل الشتاء يجري الطقس في أزقة ودروب الدواوير، حيث يجتمع الشباب من الجنسين بعد وجبة العشاء، وتتكفل الفتيات بجلب الحطب للتدفئة والجلوس في صفّ، يقابلهن الشبان في الصف المقابل، لتبدأ جلسات السمر والحوار الشعري بينهما. إذ ترتجل إحداهن بيتاً شعرياً ويرد عليها المعجب بآخر، ويسري الأمر نفسه بالتناوب بين جميع الحضور حتى يرجع الجميع إلى منازلهم.

"تابلاط"... غرام بطعم الزهر والريحان

ضمن الطقوس التي ترافق العادة في السواقي ومجاري المياه، وفق أمركي، تقوم الفتيات ببناء ما يُسمى بـ"تابلاط"، وهي عبارة عن مجموعة من ثلاثة إلى ستة أحجار توضع الواحدة فوق الأخرى على شكل هرمي، وتوضع فوقها "تاوشكينت" أي باقة من الأزهار ونبتة الريحان، وحين يمر أمامهن أحد الشبان الذي تتوفر فيه شروط التحدي، يُطلب منه هدمها على إيقاع نظمهن للبيت الشعري التالي: "ؤول حموس أغ تكيت أركاز تخلوست"، أي "إذا كنت شجاعاً فأقدم على هدم تابلاط".

إذا وافق يشرع في هدمها ويأخذ باقة الأزهار والريحان، وحينها تشترط عليه الفتيات تنظيم أمسية لرقصة أحواش في قريتهنّ، كتعبير منه عن رغبته في الزواج.

إلى جانب طقس "تابلاط"، هناك طقس يرتبط هو الآخر بالماء، إذ يلتقي المعجب بمحبوبته ويملأ قلّتها بالماء، ويقال عنه "يوكماس" أي "سقاها"، كعربون محبة، وكخطوة أولى للشروع بعدها في الحوار الحميمي "البارد" حتى مغيب الشمس.

فيما يؤكد الحسين بويعقوب، أستاذ الأنثروبولوجيا، أن من شأن هذه اللقاءات السماح بتوطيد العلاقة بين الشاب والشابة، والتي تنتهي بالحب والزواج، أو قد لا تتجاوز مستوى التعارف.

حسب أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة ابن زهر، تمكّن العادة من رفع الحواجز النفسية بين الجنسين، وتسمح باللقاء بينهما وفق أعراف وتقاليد متعارفة، لذلك لا تخلق أي إحراج لأي من الطرفين ولا للمجتمع الذي تمارَس فيه، مضيفاً أن حالات الاغتصاب تنعدم في المناطق التي تحافظ على هذه العادة، في انتظار دراسات علمية تثبت ذلك.

"أصقر"... نساء حرّات في اختيار الشريك 

كانت المرأة في مناطق سوس والجنوب الشرقي سبّاقةً إلى حق اختيار الشريك المناسب أمام العلن، وإبداء رأيها إعجاباً به، عكس ما كانت عليه النساء في بقية المناطق القروية والحضرية في المغرب. إذ لا تزال تناضل كثيرات حتى الساعة للحصول على هذا الحق، أمام سلطة قرار العائلة في اختيار الزوج المناسب.

لم تستثنِ القبيلة في هذه المناطق أيّاً من الجنسين، بل أعطت لكل منهما حق اختيار الشريك المناسب، من دون أن تصنّف العادة في إطار المحرّم والممنوع، كما تدعو له بعض الأصوات الحاليّة في المناطق التي لا تزال العادة مستمرةً فيها، بسبب غزو الفكر الديني المتشدد.

يرى بويعقوب، أن الممارسة تعود إلى الفترة "الأميسيّة" في مجتمع الأمازيغ، والتي كانت فيها للمرأة حظوة، وهي الثقافة التي تشبّع منها المرابطون، القادمون من الصحراء حيث مكانة المرأة كبيرة، كما هو الحال لدى أمازيغ الطوارق إلى اليوم.

 هناك طقس يرتبط بالماء، إذ يلتقي المعجب بمحبوبته ويملأ قلّتها بالماء، ويقال عنه "يوكماس" أي "سقاها"، كعربون محبة، وكخطوة أولى للشروع بعدها في الحوار الحميمي "البارد" حتى مغيب الشمس

يشدد إبراهيم أمركي، على أن عادة "تقرفيت" غير محرّمة لكونها متوارثةً منذ أجيال، مستثنياً بعض الأصوات التي وصفها بـ"النشاز" في الآونة الأخيرة، والتي تحرّم العادة، ويعزو الأمر إلى تأثر هؤلاء ببعض الأفكار الدينية التي لا تؤَثّر في العادة.

يصف أهل القرية هؤلاء حسب خالد بـ"أحَرَّازْ"، وتعني الكلمة لدى قبائل آيت مرغاد وآيت حديدو، "إزالة الحرج"، أي أن ممارسة عادة "تقرفيت" لدى شباب المنطقة ليس فيها حرج، ومن حقهم التعرف على الشريك المناسب لهم، مثلما كان عليه الأمر مع آبائهم وأجدادهم.  

هذا التحريم يعود بنا إلى واقعة سنة 2014، حين أقدم سكان دوار إحوضيكن في تنغير، على احتجاز دركيّين، بعد اعتقالهما شابين يتعارفان في إطار عادة "تقرفيت"، وهو الأمر الذي عدّه أبناء القبيلة شططاً في استعمال السلطة، ومسّاً بأعراف وتقاليد ضاربة في القدم.

استحواذ وسائل التواصل على "تقرفيت"

أمام جمالية هذا التنظيم القبلي الذي شرعن للشباب حقهم في الحب والإعجاب، والحرية الكاملة للفتاة في اختيار شريكها، كما هو الأمر في المجتمعات الصناعية والمدن الكبرى حالياً، تعرف عادة "تقرفيت" تقلصاً مستمراً في هذه المناطق القروية. بعدما تداخلت جملة من العوامل الدينية والاقتصادية والتواصلية في ذلك.

في هذا الإطار، ربط أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة ابن زهر، العادة بمجتمع له سياقه التاريخي وأعرافه وتقاليده، وهو مجتمع يوصف بالتقليدي، بناءً على نمط حياته، ويرى أن السياق الذي أفرز هذا المجتمع لم يعد موجوداً اليوم بفعل التحولات الكبرى التي عرفها المجتمع المغربي، مع سيرورة العصرنة والتحديث ثم ظاهرة الهجرة، مستنتجاً أنها عوامل ساهمت في تراجع هذه العادة أمام ظهور وسائل تواصل أخرى تسمح للجنسين بالحديث والتعارف، فضلاً عن بروز بعض الخطابات الدينية التي تحارب هذه العادة، بناءً على فهم معيّن للدين، وخارج النسق الثقافي المؤطر لهذه العادة.

في المقابل، هناك بعض المبادرات، مثل أن يتم عقد موعد باستعمال وسائل التواصل الاجتماعي في ساحة للتعارف وتبادل الحديث، غير أنها لا تنجح على أرض الواقع إذ يحضر الذكور وتغيب الإناث، ويتم اللجوء إلى إسقاط العادة على وسائل التواصل الاجتماعي كبديل لواقعها المنقرض، وفق بن عدي.

فيما يتأسف إبراهيم أمكري، لغياب جمعيات ثقافية في إقليم طاطا، تهتم بحماية هذه العادة التي تُعدّ إرثاً ثقافياً غير مادي من الانقراض في هذه المناطق.

في ظل غياب دراسات مسح أنثروبولوجي وسوسيولوجي حول العادة، والمناطق الأمازيغية التي تنتشر فيها، نتساءل: لماذا ظلت هذه العادة صامدةً في وجه كل هذه التحولات التي عرفها المغرب، في مناطق الجنوب الشرقي والأطلس الكبير والمتوسط، في حين غابت عن بقية المناطق الأمازيغية الأخرى (الريف مثلاً)، واكتفى شباب هذه المناطق بالأعراس والسواقي ومواسم الجني لعقد لقاءات حميمية في ما بينهم من دون تنظيم من أفراد القبيلة وخلسةً من المجتمع؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard