الميمز وغلاء الأسعار والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي... في نظرية التأطير الإعلامي

الثلاثاء 20 سبتمبر 202203:32 م

يقال إن لا ضحك في الجنَّة، لأنَّ الفكاهة تنبع من الألم، ونحن نعيش في عالم ثقيل، تخفف من وطأته السخرية، وحين صاغ كيسلر مصطلح الترابط الثنائي Bisociation عام 1964 كي يشير من خلاله إلى التفكير الإبداعي الذي يقوم بالربط – أو إقامة الصلات – بين إطارين متعارضين أو متنافرين من أطر الدلالة references of Frames، لكنهما قابلان لأن يكونا متسقين في الوقت نفسه، بمعنى أن الانفعالات التي لا يتحكم فيها العقل، يتم التنفيس عنها خلال الضحك، وأن العدوان الذي كان مفيداً عند الإنسان البدائي في مواجهة الأعداء، من البشر أو الضواري، فقد أصبح طاقة زائدة لدى الإنسان الحديث ومن ثم أصبح الضحك بديلاً عن العدوان، ومتنفساً إيجابياً عن تلك الانفعالات السلبية.

نقلت شبكات التواصل الاجتماعي الإعلام إلى آفاق غير مسبوقة، وأعطى مستخدميه فرصاً كبرى للتأثير والانتقال عبر الحدود بلا قيود ولا رقابة إلا بشكل نسبي محدود، إذ أوجد ظهور وسائل التواصل الاجتماعي قنوات للبث المباشر من جمهورها في تطور يغير من جوهر النظريات الاتصالية المعروفة، ويوقف احتكار صناعة الرسالة الإعلامية لينقلها إلى مدى أوسع وأكثر شمولية، وبقدرة تأثيرية وتفاعلية لم يتصوّرها خبراء الاتصال.

وفي هذا المقال سيتم التركيز على جانب السخرية في صفحات التواصل الاجتماعي، وتحديدًا كيف تستخدم صفحات التواصل الاجتماعي اتجاهات السخرية المختلفة خاصة "الميمز" في عرض محتواها ومناقشة قضايا تهم الجمهور كموضوع غلاء الأسعار، ومناقشته ضمن نظرية الاحتياجات والإشباعات والتأطير الإعلامي.

قد تفاجأون إن عرفتم أن كلمة meme تشير بالأصل إلى شيء لا علاقة له بالصور الطريفة على الإطلاق، فهو مصطلح مستحدث صاغه عالم الأحياء البريطاني، ريتشارد دوكينز في كتابه (الجين الأناني) في العام 1976، وبحسب موقع BBC Mundo الإسباني، كان دوكينز يحاول فهم سبب شيوع بعض السلوكيات في المجتمعات البشرية التي تبدو غير منطقية من منظور تطوريّ، وشبه الميم بالوعاء الذي ينقل مفاهيم ثقافيَّة تنتشر في المجتمع كما ينتقل الفايروس.

قد تفاجأون إن عرفتم أن كلمة meme تشير بالأصل إلى شيء لا علاقة له بالصور الطريفة على الإطلاق، فهو مصطلح مستحدث صاغه عالم الأحياء البريطاني، ريتشارد دوكينز في كتابه (الجين الأناني) في العام 1976

واعتمد "الميم" على شبكات التواصل الاجتماعي التي نقلت الإعلام إلى آفاق غير مسبوقة، وأعطى مستخدميه فرصاً كبرى للتأثير والانتقال عبر الحدود بلا قيود ولا رقابة إلا بشكل نسبي محدود، إذ أوجد ظهور وسائل التواصل الاجتماعي قنوات للبث المباشر من جمهورها في تطور يغير من جوهر النظريات الاتصالية المعروفة، ويوقف احتكار صناعة الرسالة الإعلامية لينقلها إلى مدى أوسع وأكثر شمولية، وبقدرة تأثيرية وتفاعلية لم يتصوّرها خبراء الاتصال (إبراهيم، 2015).

وتتسم به "السخرية" من قدرة كبيرة على التأثير والانتشار، حيث، على سبيل المثال، قام متابعو جان أوليفييه، مقدم برنامج (Last week tonight)، بتعطيل موقع (FCC*)، عندما طلب جان ذات مرة من جمهوره على الهواء أن يقوموا بزيارة الموقع! (Hoffman, 2015).

ومن هذا المنطلق لا يمكن مناقشة دور الإعلام والاتصال بمعزل عن تناول مفهوم المجال العام، باعتباره البيئة التي يتم فيها التفاعل والنقاش. وفي هذا الإطار تتشكل التوجهات والانخراط في الحوار المجتمعي، مما يسهم في التهيئة للديمقراطية والتشاركية وتحقيق الفاعلية. يقول برنارد كوهين في كتابه "الصحافة والسياسة الخارجية عام 1963" :"الصحافة يمكن ألا تكون ناجحة كثيرًا في أن تقول للناس بماذا يفكرون، ولكنها ناجحة إلى حد كبير في أن تقول للقراء عن الأشياء التي يفكرون حولها" (Michael Waller, 2006).

أوجد ظهور وسائل التواصل الاجتماعي قنوات للبث المباشر من جمهورها في تطور يغير من جوهر النظريات الاتصالية المعروفة، ويوقف احتكار صناعة الرسالة الإعلامية لينقلها إلى مدى أوسع وأكثر شمولية، وبقدرة تأثيرية وتفاعلية لم يتصوّرها خبراء الاتصال

وترتكز النظرية على أسلوب الانتقاء والإبراز في تكوين شكل الإطار الإعلامي ومضمونه عن القضايا والأحداث في التغطية الإعلامية (الحمان، 2012)، وهذا ما حاولت بعض صفحات التواصل الاجتماعي الفلسطينية إيصاله من خلال تكرار النشر بموضوع محدد باستخدام أكثر من "ميميز"، مثلاً صورة لمريض مستلق على سرير أمام الطبيب ويخبره بأنه بحاجة إلى بنزين وليس فيتامين، وميمز أخرى تتناول التغيير على أسعار مختلف المنتجات وكيف يزداد المواطن شيبًا مع كل ارتفاع، مع التركيز على ملامح الإحباط والتعاسة والحزن في الوجوه.

وتقول نظرية التأطير الإعلامي بأن عملية صياغة الأطر الإعلامية تتأثر بمجموعة من العوامل، منها الخبرات السابقة وظروف العمل، والواقع الاجتماعي والثقافي ذاته (Valkenburg, 2000)، وهنا يمكننا ملاحظة ما تمتاز به "الميمز" تحديداً باعتمادها على الفكرة التي يجتمع غالبية الشعب عليها، ثم تنتشر هذه الفكرة بينَ الناس، وذلك لانهم فعليًا هم من صنعوا الفكرة وتعرضوا لها وتفاعلوا معها، فأصبحوا مساهمين في صنع الميمز، وهذا ما يدعمه قول Reese D Stephen، الذي يعتبر أن الأطر تقوم على تنظيم القواعد المشتركة اجتماعياً، والتي تتصف بنوع من الثبات النسبي، وتواصل جلسة الزمن وتعمل بطريقة رمزية لإكساب الواقع الاجتماعي معنى معيناً (زكريا، 2009).

وأكد Rosengren & Windahl أن نظرية الاستخدامات والإشباعات تركز على الفرد المستخدم لوسائل الاتصال ويبني سلوكه الاتصالي على أهدافه بشكل مباشر، فضلاً عن أنه يختار من البدائل الوظيفية ما يستخدمه لكي يشبع احتياجاته، ولتحديد استخدامات الوسائل التكنولوجية الحديثة، فإن كثيراً من الدراسات السابقة تحققت من الافتراض بوجود ارتباط بين الدوافع الشخصية والدوافع المتعلقة بالوسيلة، ولتجديد دوافع الاستخدام، إذ تتناول موضوعاً يهم الشارع الفلسطيني في موضوع غلاء الاسعار، وخاصة في ظل الظرف الجديد الذي يعيشه العالم وهو الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها على العالم، مما منح الناس فرصة للتعبير عن مواقفهم، وأحيانًا اللجوء إلى السخرية كنوع من التعبير والتفريغ، ومن هنا ننطلق إلى تحليل السابق وفق المدخل الاتصالي السيكولوجي. فقد افترض وجود جمهور نشط له دوافع شخصية ونفسية واجتماعية، تدفعه لاستخدام الإنترنت كوسيلة تتنافس مع غيرها من الوسائل لإشباع احتياجاته. وتطبيقاً لذلك فإن فئات جمهور مستخدمي الانترنت أكثر نشاطاً ومشاركة في العملية الاتصالية بتأثير التفاعلية التي يتميز بها الاتصال الرقمي، وبالتالي فإننا نتوقع أن يتخذ الفرد قراره في الاستخدام عن وعي كامل بحاجاته التي يريد إشباعها.

يقول نيكولاس خوري، مقدم برنامج السليط الإخباري على شبكة قناة +Aj : "الأسلوب الساخر يشكل إحدى الوسائل في مواجهة الألم، إذ إنّ البشر أنواع في التعامل مع الألم؛ منهم من يغضب، يبكي، يرسم، يغني، يكتب شعرًا، وأنا عندما أتعرض للألم أسخر منه، فهذه طريقة لإيصال الأخبار إلى فئة عمرية معينة تفضل هذا الأسلوب وتبتعد عن الأسلوب التقريري" (حيدر، 2019).

وجاء في كتاب نظريات الاتصال والإعلام للكاتب كمال الحاج أنّ أطر وسائل الإعلام غالباً ما تتضمن: الكلمات الرئيسية، المجاز أو الاستعارة، المفاهيم، والرموز والصور البصرية المرئية، وهذا ما تقوم عليه الميمز في تكوينها وتشكلها حيث تعتمد على مفهوم وكلمات مفتاحية رئيسية تقدمها بإطار ساخر هادف، وتعتمد على رموز بصرية أو شخصيات مشهورة تهم الجمهور المتابع، وباستخدام اللغة العربية والإنجليزية، وإسقاط جملة مشهورة من فيلم أو مسلسل بطابع كوميدي للتعليق على موضوع جدي لتقديمه بإطار ساخر يدعم الفكرة المرادة.

وبالنسبة لعالم الاجتماع كوفمان الذي طور مفهوم البناء الاجتماعي والتفاعل الرمزي، من خلال مناقشة قدرة الأفراد على تكوين مخزون من الخبرات يحرك مدركاتهم، ويحثهم على حسن استخدام خبراتهم الشخصية؛ وذلك عن طريق أطر إعلامية مناسبة، تضفي على المضمون معنى ومغزى، ويتضمن هذا النموذج عمليات أساسية، تتمثل في بناء الإطار، ووضع الإطار والمستوى الفردي لتأثيرات الإطار. (Dietram, 1999)

مع النظر للموضوع من ناحية البيئة الرقمية القائمة على التعامل مع العالم الشبكي المبثوث في الإنترنت باعتباره مجتمعًا معقدًا متشابكًا يتبادل التأثير أكان ذلك على مستوى الأفراد والجماعات أم على مستوى المؤسسات الإعلامية، وهذا ما استطاع الإعلام الجديد تقديمه لنا إذ قام باستبدال الوحدات المادية بالرقمية، وتشبيك عدد غير محدود من الأجهزة بعضها ببعض، بالإضافة إلى تلبيته للاهتمامات الفردية والاهتمامات العامة، أي أن "الرقمية تحمل قدرة المخاطبة المزدوجة للاهتمامات والرغبات وهي حالة لا يمكن تلبيتها بالإعلام القديم" (الدعمي، 2017). والميزة الأكثر أهمية هي أن هذا الاعلام خرج من أسر السلطة التي كانت تتمثل في قادة المجتمع والدولة إلى أيدي الناس جميعاً.

يملك كل فرد من طرفي الاتصال درجة من درجات السيطرة المتساوية على المحتوى المتبادل بين الطرفين (صادق، 2008)، يقوم صانع المحتوى بصفحة فلسطين مميز، بنشر منشور معين (مرسل)، ويقوم المتابعون (الجمهور) بالتفاعل معها ونشرها، وبالتالي انتقل هذا الجمهور من كونه مستقبلاً فقط إلى مستقبل ومرسل في نفس الوقت. وبالتالي فإن التحكم المتساوي وميزة الفردية ينخفضان في حالة ازدياد عدد المشاركين في العملية الاتصالية، مما جعل خبراء الاتصال يطلقون عليه الاتصال من نقطة إلى أخرى أو من فرد، حيث يمكن للرسائل الفردية أن تصل في وقت واحد إلى عدد غير محدود من البشر، إذ يقوم صانع المحتوى بنشر منشور معين إلى ما يقارب 90,000 ألف متابع ويقوم بعضهم بإعادة نشر المنشور، وهذا ما يحقق انتشاراً واسعاً ضمن نطاق محدود.

إضافة إلى أن "الميمز" تحمل ترميزاً يؤكد الحالة الفردية التي تحقق احتياجات ومصالح صاحب المحتوى، إذ تحتوي الميم المقدم من خلال الصفحة إلى رمز وهو غالباً ما يكون رمزاً جماعياً يعرف الجميع مضامينه، مثلاً تقديم أثر ارتفاع الأسعار على الفرد والعائلات (وهو متعارف عند الأغلبية)، وتقديمه بطرق رمزية ساخرة تشير جميعها إلى الهدف المرجو منها.

ويمكننا القول إن اعتماد المحتوى المنشور على إطار محدد يعمل داخلها، ويغذي حاجات الجمهور وميوله واستخداماته بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، فنحن هنا حوّلنا الواقع الكئيب إلى نكتة وقدمنا من خلالها الرسائل التي نريد إيصالها، سواء من نقد تعامل السلطة مع الغلاء، أو تعامل الناس أنفسهم (الجمهور) معه، وتقديمه بصورة مضحكة ومقارنة حالة الغلاء الفلسطينية مع غيرها من الدول .

ويعبِّر جون كليز، أحد الكوميديين البريطانيين، عن الأثر الذي يحدثه الأسلوب الكوميدي في طبيعة الاتصال والتواصل، قائلًا: "إذا تمكَّنت من جعلك تضحك معي، فستعجب بي أكثر، وهذا سيجعلك منفتحًا أكثر مع أفكاري، وإذا استطعت إقناعك بأن تضحك معي حول أحد الموضوعات التي ناقشتها، فبضحكك عليها أنت تقرِّ بالحقيقة" (Wallerno, 2006).

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard