"حلال على البيكيني، حرام على البوركيني"... جدل حول لباس السباحة في الفنادق التونسية

الاثنين 19 سبتمبر 202202:40 م

"حجزتُ في أحد الفنادق التونسية لقضاء عطلتي الصيفية، ودفعتُ نصف المبلغ المطلوب، وذلك بعد اطّلاعي على كافة شروط الحجز وتفاصيله على موقع الفندق الإلكتروني. تسلّمتُ رسالةً إلكترونيةً بالموافقة، ومرّ في البداية كل شيء بخير"؛ تروي الصحافية صفاء لحامي.

نشرت لحامي، في أيار/ مايو 2022، عبر صفحتها على فيسبوك، مقطع فيديو تحكي فيه تفاصيل تجربة "غريبة" مرت بها في هذا الفندق، إذ بعد أيام من تأكيد الحجز، تلقت رسالةً إلكترونيةً ثانيةً تخبرها بأن ارتداء "البوركيني" (لباس سباحة للمحجبات)، ممنوع في الفندق.

تتساءل صفاء غاضبةً: "لماذا لم تضعوا هذا الشرط مسبقاً على موقعكم الإلكتروني، قبل أن أدفع نصف المبلغ؟ ليس معقولاً أو مهنياً أبداً ما حصل، هذا احتيال".

تؤكد الشابة، أن "ليس من شأنك ماذا ألبس، ولست أنت من يحدد للناس ماذا يرتدون، كما أن البيكيني (المايوه) مصنوع من قماش البوركيني نفسه: أستخرجون 60 في المئة من نساء تونس المحجبات من ملّتهنّ؟ بعد عشر سنوات أخريات ستمنعني من دخول البحر، ومن الخروج إلى الشارع. لست في فرنسا".

تشدد صفاء لحامي، على أن 99 في المئة من الشعب التونسي مسلمون، و"لا توجد عائلة تونسية ليست فيها امرأة محجبة، فكيف تمنعون البوركيني؟ إنه أمر غير منطقي. تريدون فقط استقبال السياح. افعلوا ذلك وأخرجونا من البلاد".

وسط هذا الجدل السنوي المتكرر حول لباس السباحة المناسب في الفنادق التونسية، وما أحدثه من انقسام داخل الرأي العام التونسي، اكتفت الجامعة التونسية للنزل بالصمت، ولم تردّ على كل الانتقادات الموجهة إليها.

"الفنادق حرّة"

جاء آخر تعليق للجامعة في لقاء إذاعي على لسان كاتبتها العامة ريم بن فضل، التي أكدت فيه أن "ظاهرة ارتداء البوركيني ليست جديدةً في تونس، وأن لكل فندق الحرية في منع السباحة به أو السماح بذلك".

علّلت بن فضل موقفها هذا بأن "كل فندق حرّ في اختيار صنف ونوعية زبائنه الذين يتوجه إليهم بخدماته في إطار المنافسة، وكما توجد فنادق تمنع الكحول، فمن حق أخرى أن تمنع السباحة بالبوركيني أو البكيني كذلك، فهي مسألة عرض وطلب"، وفق تعبيرها.

"ليس من شأنك ماذا ألبس، ولست أنت من يحدد للناس ماذا يرتدون، كما أن البيكيني (المايوه) مصنوع من قماش البوركيني نفسه"

انتشر تصريح الصحافية صفا لحامي، بشكل واسع، وتداولته مواقع إلكترونية عدة، خاصةً مع حديث محجبات أخريات عن مرورهن بالتجربة ذاتها، فيما نشرت وكالات أسفار جزائرية عدة عبر صفحاتها الرسمية على فيسبوك لزبائنها الجزائريين قائمةً بأسماء الفنادق التونسية التي تمنع السباحة بلباس البوركيني.

"هذه فضيحة"

عارضة الأزياء التونسية عزة سليمان، سارعت إلى دعم المحجبات وانتقدت بشدة قرار منعهن من السباحة بلباس البحر: "شنوة (ما) هذا؟ معناها عريانة ميسالش (لا بأس) تعوم ومتحجبة لا؟ هذه فضيحة، واحدة لابسة بيكيني ولّا واحدة لابسة بوركيني هذه حرية شخصية وما ثماش (لا يوجد) فرق".

موجة منع المحجبات في تونس من السباحة بالبوركيني في الفنادق ليست جديدةً في البلاد وهي موجة فرنكوفونية لأن كافة البلدان الغربية تقريباً تسمح بالبوركيني إلا فرنسا

انتقدت سليمان تحجج أصحاب الفنادق بذريعة "تسبب المرأة المحجبة بتلويث مياه المسابح جراء اتساخ ملابسهن بالأكل، مش صحيح أنا نراهم بعيني كيفاش يدخلوا يدوشوا قبل ما يهبطوا للبيسين، وزيد الكلام الّي نسمع فيه في بعض الإذاعات التي ترسخ الفكرة هذه، والله عيب والله".

تعود الناشطة الحقوقية مريم دابي، بدورها، إلى سنة 2012، عندما مرت بالتجربة ذاتها ومنعها أصحاب أحد الفنادق التونسية آنذاك من السباحة بلباس البوركيني: "حجزتُ حينها لقضاء أربعة أيام، لذلك احتججت وتمسّكت بحقي في السباحة لأن الأطفال يسبحون بكامل ملابسهم، فإما نسبح جميعاً أو لا نسبح".

وتؤكد لرصيف22: "إن كنت أمثّل خطراً ومصدر تلوث لمياه المسابح كما يدّعي أصحاب الفنادق، فالأطفال الذين يرتدون ملابسهم هم كذلك".

تشبُّه بفرنسا 

برأي مريم، فإن ظاهرة منع المحجبات في تونس من السباحة بالبوركيني في الفنادق "ليست جديدةً في البلاد وهي موجة فرنكوفونية لأن كافة البلدان الغربية تقريباً تسمح بالبوركيني إلا فرنسا منعته وحذت تونس والمغرب حذوها".

وتدعم، ردّاً على الرأي القائل بأن الفنادق "ملكية خاصة"، ويحق لأصحابها فرض القواعد التي يرونها مناسبةً لهم، الناشطة الحقوقية هذه النقطة، وتؤكد في المقابل أن الحل الوحيد هو في مقاطعتها، لأن مثل هذه الإجراءات "تعدٍّ على المساحة والحرية الشخصية للمحجبات، ولكن للأسف تغيب في تونس ثقافة المقاطعة".

كما ترى أن على فئة المحجبات، على سبيل المثال، وقبل الحجز في الفنادق، أن تبحث وتسأل وتعرف أدق تفاصيل الحجز ومن بينها المنع أو السماح بالسباحة بالبوركيني في الفنادق التونسية.

"ازدواجية العمل النسوي"

من جانبها، كانت الناشطة والإعلامية فادية ضيف، شاهدة عيان على حادثة مماثلة سنة 2019: "شاركتُ حينها في دورة تكوينية من تنظيم إحدى الجمعيات التونسية النسوية في أحد الفنادق حول موضوع محاربة التطرف العنيف ضد النساء وشاهدت أصحاب الفندق يمنعون نساءً محجبات من السباحة بالبوركيني"، تروي لرصيف22.

أثار هذا التصرف حفيظة فادية، ولكن ما أغضبها بشدة "لا مبالاة عضوات الجمعية وصمتهن عن الحادثة وهن اللواتي يُفترض أنهن يدافعن عن حقوق المرأة وحرياتها، على اختلافهن، ومن دون تمييز حتى بعد مطالبتهن بالتدخل وهو ما لم يحصل"، تؤكد.

تنتقد ضيف بشدة ما عدّته "ازدواجيةً في العمل النسوي لضمان حقوق المرأة، والذي يتخذ اتجاهاً واحداً ويغض النظر عن اتجاه أخر معيّن".

"موقف سياسي وأيديولوجي وتجاري"

من جهته، يرى الناشط الحقوقي كريم عبد السلام، أن موجة منع السباحة بالبوركيني في الفنادق التونسية ليست تونسيةً فحسب، وإنما أصبحت عربيةً، وأن الطب والعلم لم يقولا بتسبب هذا اللباس المحتشم في مشكلات صحية، "لذلك من الواضح أن الموقف ليس حقوقياً وإنما سياسي وأيديولوجي وتجاري"، يقول لرصيف22. 

ويرى المتحدث أن "عشاق المسابح بكل طقوسها الغربية (أي المايوه)، يقلقون من حدوث مفارقة بينهم وبين من يرتدون ملابس (تغطّي أجسادهم)، خاصةً في صفوف النساء، إذ يضع الأمر اللواتي يرتدين البيكيني في إشكالية نفسية ودينية وعقائدية فيعبّرن عن امتعاضهن من البوركيني".

برأيه، فإن تعلّل أصحاب الفنادق بتسبب لباس البوركيني في تلوث مياه المسابح ليس منطقياً، "وإنما هو قانون تجاري يفصل بين العرض والطلب، وقواعد يضعها كل شخص وفق رغبات زبائنه بالرغم من سماح القانون العام التونسي بالحرية الفردية في كل اتجاهاتها، ومن بينها حرية اللباس والمعتقد".

إرضاء الزبائن

يضيف عبد السلام، أن هذه الفنادق التجارية ترغب في إرضاء غالبية زبائنها، "لأن المقبلين بالزي الديني أقل بكثير من المقبلين بالمايوه".

أما عن صمت وزارة السياحة وعدم اتخاذها أي إجراءات تجاه هذه الفنادق، فيوضح الناشط الحقوقي أنه لا توجد في تونس قوانين حقيقية زجرية تجبر المؤسسات الخاصة التجارية على ممارسة نشاطها واحترام الحريات الخاصة للأفراد على اختلافهم.

ويتابع: "لذلك يبقى صاحب المحل هو واضع قانونه الخاص به، لأنه ملكية خاصة، ويقدّم خدمات من نوعية خاصة ويختار نوعيةً محددةً من الزبائن والأفضل للوزارة ألا تتدخل".

حق التونسيات المحجبات

التزمت وزارة السياحة التونسية هي الأخرى الصمت، ولم تعلّق على الإجراءات التي اتخذتها فنادق تونسية عدة، بالرغم من الجدل الواسع الذي أحدثته وتوالي شكاوى العديد من المحجبات اللواتي مررن بهذه التجربة.

لم يُسجَّل للوزارة أي موقف ما عدا موقف قديم لوزيرة السياحة السابقة سلمى اللومي، يعود إلى سنة 2018، إذ كشف النائب السابق في البرلمان المنحل ماهر مذيوب، عن تلقّيه تأكيداً كتابياً من الوزيرة تؤكد فيه "حق التونسيات المحجبات في السباحة في الفنادق من دون إزعاج ومن دون تقييدهن بلباس محدد".

نشر مذيوب، رسالة الوزيرة عبر صفحته على فيسبوك، والتي أكدت فيها "إسداء تعليمات إلى مصالح ديوان السياحة بأخذ الشكاوى التي ترد في هذا المجال بالجدية اللازمة وإعلام الوزارة بها ومساءلة مسؤولي الفنادق ووكالات الأسفار التي تستعمل شارات أو صوراً للتدخل في لباس المصطافين أو غيرها من التضييقات أو التجاوزات".

بخصوص صمت المجتمع المدني والمنظمات المدافعة عن الحريات الشخصية، يرى كريم عبد السلام، أن المجتمع المدني "لا يمكنه إجبار أصحاب رأس المال على فعل ما لا يريد، لأنه يعتقد أنه من حق أصحاب الفنادق أن يضعوا بعض المعايير لزبائنهم ومن العبث الدخول في هذا الأمر والتنديد بمثل هذه الممارسات".

ويشدد على أن المسألة ليست حقوقيةً، لأن قرار منع السباحة بالبوركيني "ليس صادراً عن موظف عمومي أو مؤسسة رسمية ليتحرك الجميع، ولأن الفنادق فضاءات خاصة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard