شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!

"البوركيني" ضد "البكيني"... كيف نوقف هذه العنصرية المتبادلة؟

انضمّ/ ي إلى ناس رصيف.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة "لناسنا"! تفاعل/ ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

رأي

الخميس 12 أغسطس 202102:10 م
كوني مدخناً، اعتدت أن تكون هناك أماكن مخصصة لأمثالي من أجل التدخين. وعلى الرغم من التزامي بذلك، إلا أنه لا يمنع ضيقي الذي يدفعني للرد بحدّة على كل وقح يأتي إلى الأماكن المخصصة للتدخين، ليقول لي: "دخانك يضايقنا". وإن كان هذا الضيق يحصل لي، على الرغم من قناعتي بأن من حق الآخرين ألا يتضرروا بسببي، فما بالنا بالذي يتم عزله، وتمييزه، لمجرد أنه اختار زياً يخالف الأغلبية السائدة، فوجد نفسه مطالباً بارتياد أماكن بعينها، ليجيئه من ينتمي إلى الأغلبية التي اضطهدته، فيشاركه تلك الأماكن؟ أليس من حق المضطهَد حينها أن يرفض؟

تم مؤخراً منع فتاة من النزول إلى حمام سباحة في أحد الفنادق، لأنها ترتدي "البوركيني"، وهي ملابس سباحة مخصصة للمحجبات يرفض الفندق النزول فيها إلى حمام السباحة. وبمجرد أن روت الفتاة قصة المنع، وجدت أنصاراً لها بالملايين، وطرحت أسئلة حول سبب السماح للنساء بالنزول إلى حمام السباحة، ولماذا يتم السماح بالنزول بـ"البكيني"، بينما يتم منع المحجبات من ارتداء ملابس السباحة الخاصة بهن، أليست تلك عنصرية يمارسها من يدّعون الحرية ويطالبون بالمساواة؟ ناهيك عمن عدّ هذه الممارسة هدماً للدين.

الحقيقة أن تلك الواقعة باتت تحضر كل صيف تقريباً. فصراع "البوركيني"، و"البكيني"، هو صراع متجدد يتعامل فيه كل طرف بعنصرية تجاه الآخر. وهو ما دفعني لطرح السؤال التالي: كيف تنتهي تلك العنصرية المتبادلة؟ وأي الأطراف تقع عليه مسؤولية التغيير؟

يتم تخصيص شواطئ يمكن فيها للمرأة أن ترتدي ملابس السباحة بحرية، وهي قليلة، وباهظة التكاليف بالمناسبة. نعم، فللحرية ثمن في وطني 

لا شك في أنها مسؤولية النساء اللواتي يرتدين "البوركيني"، كونهن الأغلبية في مصر. ولو كنا في بلد يرتدي معظم النساء فيه "البكيني"، لكانت تلك الإشكالية مسؤولية أصحابه، ففي النهاية من يتحمل الأمر، الأغلبية لا الأقلية، وهذا مقياس لا يقتصر على قضايا لباس السباحة فحسب، بل على قضايا التمييز التي يعج بها الوطن العربي تجاه كل مختلف أو أقلية، كافة.

إن تحميل المسؤولية للأغلبية، يجيء من باب مسؤوليتها في ضبط إيقاع المجتمع، ولكونها أغلبية، فهذا يعني أن وجودها أكبر في الشارع، والمجالس التشريعية، والجهات المسؤولة التي تنظم حياة الناس، وعليه فهي قادرة أكثر من غيرها على الحفاظ على الحريات العامة، وعلى مجتمع خالٍ من التمييز، سواء من خلال وضع قوانين تعاقب كل من يعتدي على الغير، أو من خلال تغيير الثقافة العامة تجاه كل آخر مختلف.

تلك أمور لا تستطيع أي أقلية، مهما بلغ شأنها، أن تُنجزه في يوم وليلة، فأي قانون يجب أن يحظى بموافقة الأغلبية، وهذا ما لا تريد الأغلبية إدراكه، بل وتزيد الأمر سوءاً من خلال شرعنة قوانين تجعل المختلفين منبوذين، وتحشد ضدهم ثقافة عنصرية، ثم تعود وتشتكي من أنها تتعرض لعنصرية متبادلة، تماماً كما فعلت فتاة "البوركيني"، حين تم منعها من النزول إلى حمام السباحة.

ومثالاً على ذلك، فإن الكثير من الشواطئ المصرية تمنع ارتداء النساء لـ"البكيني". ولو جازفت امراة بارتدائه في أحد الشواطئ الشعبية، لتعرضت لتحرش قد يصل إلى الاغتصاب. وعليه، يتم تخصيص شواطئ يمكن فيها للمرأة أن ترتدي ملابس السباحة بحرية، وهي قليلة، وباهظة التكاليف بالمناسبة. نعم، فللحرية ثمن في وطني.

لكن المهم أن هذا لا يمنع وجود مرارة لدى هؤلاء النسوة مما يرينه من عنصرية الأغلبية، وتالياً، حين يشاركهن أحد أماكنهن، يرفضنه، ويمارسن العنصرية المتبادلة. والسؤال الآن: ماذا لو كان هناك قانون يعاقب كل من يحاول إيذاء أي مختلف؟ وماذا لو لم يتم التمييز، ولم تُحرم النساء من ارتداء ما يرغبن بارتدائه؟ ألن يكون هذا حلاً للمشكلة؟ ومن يستطيع إنجاز ذلك؟ أليست الأغلبية التي بيدها مقاليد الأمور؟

ماذا لو كان هناك قانون يعاقب كل من يحاول إيذاء أي مختلف؟ وماذا لو لم يتم التمييز، ولم تُحرم النساء من ارتداء ما يرغبن بارتدائه؟ 

الأخطر من ذلك أن العنصرية ككرة الثلج، فاليوم نشهد تمييزاً من أصحاب "البوركيني" ضد "البكيني"، وغداً من المحجبات ضد غير المحجبات، ثم من المنتقبات ضد المحجبات، الخ... جميعنا نمارس العنصرية ضد آخرٍ ما. ولذلك، فحين تقوم الأغلبية، أي أغلبية، بواجبها، فهي في الحقيقة تحمي نفسها أولاً، فنحن إن كنا أغلبية من منظور ما، فسنكون أقلية من منظور آخر.

وأعتقد أن هذا ما أدركه الغرب؛ فحمايته للأقليات، وترحيبه بكل مختلف، لا ينبعان من حب خالص للآخر وللمختلف، على قدر حرصه بألا يفتح باب التمييز والعنصرية الذي سيطاله شخصياً بعد ذلك.

أفهم أن القرآن الكريم، حين حذر من الاعتداء على الغير -وهو ما أكد عليه النبي محمد في مواضع كثيرة، كتحذيره من إيذاء أهل الذمة- لم يكن القصد إظهار سماحة الدين الإسلامي فحسب، بل حماية المسلمين أنفسهم من أن يتعرضوا للاعتداء، لو أصبحوا هم الأقلية في أي مكان.

وأخيراً، حين خاطب الله المسلمين في قرآنه الكريم بقوله: " وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ"، لم يكن يؤكد على أن أي أقليه لن تقف مكتوفة الأيدي أمام عدوان الأغلبية، فحسب، بل يؤكد أيضاً أن المسؤولية تقع على عاتق الأغلبية، وهم المسلمون في هذه الحالة. ولذلك أمرهم الله بأن يتوقفوا عن سب "الكافرين". وهذا ما أقوله: الصراع يبدأ دائماً من الأغلبية.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard