سالي حافظ أوّل الغيث… يوم مشهود للمودعين على المصارف اللبنانية

الجمعة 16 سبتمبر 202206:02 م

ليست "طوكيو"، أو "نايروبي" كما أُطلق عليها على مواقع التواصل الاجتماعي، وهما شخصيتا المسلسل الشهير La casa de papel الذي يعرض قصة دخول عصابة مسلحة إلى البنك المركزي في إسبانيا، بهدف صكّ مبالغ ضخمة من المال وسرقتها في بعض الأجزاء، وتهريب احتياطي الذهب في أجزاء أخرى. إنها سالي حافظ، الشابة اللبنانية التي ضجّت نشرات الأخبار والصحف في لبنان والعالم العربي في اليومين الماضيين باسمها، فاتحة عهد اقتحام المصارف لاسترداد الودائع بعد كل من المودعين عبد الله الساعي (BBAC جب جنين)، وبسام الشيخ (فيديرال حمرا).

لا تشبه سالي بطلتي مسلسل "بيت من ورق" أو "بيت المال". ليست سارقةً بل تملك وديعةً داخل خزائن مصرف لبنان والمهجر الذي اقتحمته في 14 أيلول/ سبتمبر الجاري، كما أنها لم تكن مسلّحةً بالفعل فالمسدس الذي أشهرته في وجه الموظفين والحاضرين داخل مركز البنك صرّحت لاحقاً بأنه غير حقيقي بل هو مسدس زائف، "بيلعب فيه ابن أختي". أختها التي تخوض صراعاً مريراً مع مرض السرطان كانت دافع فتاة المصارف للقيام بفعلتها والاستحصال على 13 ألف دولار من قيمة الوديعة بالدولار، وبقية المبلغ بالعملة اللبنانية بغية تغطية نفقات علاج شقيقتها.

لا تشبه سالي حافظ بطلتي مسلسل "بيت من ورق" أو "بيت المال". ليست سارقةً بل تملك وديعةً داخل خزائن مصرف لبنان والمهجر، اقتحمته واستردتها وكُثر على خطاها

وجه الشبه الوحيد بينهم ربما، هي الصورة الجديدة في لبنان، الصورة الأنثوية لفتاة تحمل مسدساً وتقتحم مصرفاً لاسترجاع حقها، ولتخفيف عذابات أختها ومحاولة إنقاذ حياتها. لم تحتج سالي إلى خطة متقَنة يعدّها لها البروفسور على مدار سنوات، ويدرس كل تفصيلٍ فيها، بل ساعدها فقط شابان موقوفان حتى الساعة في ثكنة الحلو في بيروت، كما لم تكن لديها سوى خطة بسيطة للهروب وهي التواري عن الأنظار بعد الخروج من موقع العملية ثم السّفر إلى تركيا بحسب ما نشرت عبر صفحتها في فيسبوك، لكن مرادها لم يتحقق ولم تتمكن من مغادرة الأراضي اللبنانية بعد صدور مذكرة توقيف بحقها.

سالي اليوم في مكان ما، مجهول، ولم تسلّم نفسها بعد. أمّا رامي شرف الدين، صاحب عملية استرداد الودائع الثانية يوم الأربعاء، في اليوم نفسه لـ"اقتحام سالي"، فقد دخل بنك "ميد" مسلّحاً، وحصل على وديعته بقيمة 30 ألف دولار أمريكي ثم تم توقيفه في مخفر عاليه والتحقيق معه.

يوم الاقتحامات

اليوم، 16 أيلول/ سبتمبر 2022، هو يوم اقتحامات المصارف بامتياز، وبدأ باكراً، مع المودع اللبناني محمد علي قرقماز الذي دخل إلى فرع بنك بيبلوس في منطقة الغازية جنوب لبنان، واستحصل على مبلغ 19،200 دولار باستخدام سلاح حربي ثمّ سلّم المبلغ لجهة آمنة ومن بعدها سلّم نفسه للسلطات الأمنية.

تبعه المودع عبد سوبرة، مقتحماً بنك لبنان والمهجر في الطريق الجديدة، حيث احتحز رهائن وطالب بوديعته قبل أن يستقدم المصرف مسلحين من الخارج لمواجهته، بحسب ما نشرت جمعية المودعين، كما نقلت عن المودع أيضاً: "المسدس معي للحماية الشخصية، ولم أرفعه على أحد، ومدير البنك معه رشاش حربي"، ثم شهدت المنطقة تجمّعاً لشبّان الطريق الجديدة دعماً لعبد وقضيته.

على إثر الفوضى المصرفية الحاصلة، حشدت جمعية المصارف اللبنانية جهودها للإعلان عن قرار إغلاق المصارف أيام 3 أيام

مصرف لبنان والخليج في منطقة الرملة البيضاء في بيروت، شهد اقتحاماً ببندقية صيد، بينما استحصل المودع م. الموسوي بقوة السلاح على مبلغ 20 ألف دولار أمريكي من البنك اللبناني الفرنسي فرع الكفاءات، في الضاحية الجنوبية لبيروت.

فرنسبنك فرع الحمرا، وبنك عودة فرع الشياح، بالإضافة إلى أحد المصارف في حلبا، كان لهم نصيب من اقتحامات اليوم، أما آخر اقتحام نُفّذ حتى الساعة، فقام به ملازم أول في الجيش لبنك البحر المتوسط في منطقة شحيم، في الشوف.

وعلى إثر الفوضى المصرفية الحاصلة، حشدت جمعية المصارف اللبنانية جهودها للإعلان عن قرار إغلاق المصارف أيام 19 و20 و21 أيلول/ سبتمبر الجاري، "استنكاراً وشجباً لما حصل من اعتداءات جسدية وعلى كرامات موظفي المصارف، وكذلك بعد الأخذ بعين الاعتبار المخاطر التي يتعرض لها الزبائن داخل الفروع وذلك بغية اتخاذ التدابير التنظيمية اللازمة"، وفق بيان جمعية مصارف لبنان الذي شدّدت فيه على نبذ العنف ووضع مصالح المودعين نصب أعينها لكن وفقاً للقوانين الكفيلة بمعالجة الأزمة على حد تعبيرها.

ما الحل؟

يرى رئيس جميعة المودعين حسن مغنية، أن إضراب المصارف ليس حلّاً على الإطلاق، ويقول لرصيف22، إن "أضربت المصارف ثلاثة أيام ستجد في اليوم الرابع مئات المودعين أمام أبوابها للاقتحام، والحل الوحيد اليوم إنشاء خلية أزمة فورية لمعالجة الوضع، وإلا سنكون أمام فوضى اجتماعية مسلّحة عارمة"، مضيفاً: "لا يجوز بعد مرور 3 سنوات الاستمرار في التلاعب بالمودعين وإذلالهم، ومبالغ منصة صيرفة اليومية بقيمة 30 مليون دولار المودعون أحق بها، فهذا المبلغ كفيل بتهدئة الشارع وغير ذلك لن تسلم المصارف من الاقتحامات اليومية".

وبلغ حجم التداول على منصة صيرفة التي يديرها مصرف لبنان المركزي، يوم أمس، 22 مليون دولار أمزيكي، بمعدل 29،300 ليرة لبنانية للدولار الواحد، وفقاً لأسعار صرف العمليات التي نُفذت من قبل المصارف ومؤسسات الصرافة على المنصة، وقد أكّد مصرف لبنان لوسائل إعلام محلية أنه سيصدر بشكل طبيعي سعر الدولار على منصة صيرفة، إذ إن الأحداث التي شهدتها المصارف لن تؤثر على عمله. مع توقعات بارتفاع سعر صرف الدولار على المنصة اليوم.

إن أضربت المصارف ستجد حين تفتح مئات المودعين أمام أبوابها للاقتحام، والحل الوحيد اليوم إنشاء خلية أزمة فورية لمعالجة الوضع، وإلا سنكون أمام فوضى اجتماعية مسلّحة عارمة

أما ماهية منصة صيرفة، فتقوم على توفير الدولار بسعرٍ مرن يتم تحديده كل يوم، لمساعدة البنوك على توفير العملة الأجنبية وتقديمها للعملاء، من وجهة نظر مُطلقها، مصرف لبنان. في حين تستمر التداولات بالدولار وبأسعارها المتخبطة وارتفاعه الخيالي في السوق السوداء، مع دولرة الأسعار في العديد من القطاعات آخرها المحروقات. بمعنى أن مصرف لبنان أتاح منذ شهر أيار/ مايو الفائت وبشكل يومي لجميع الراغبين بتحويل أموالهم من الليرة اللبنانية إلى الدولار، وضعها في المصارف اللبنانية والحصول على دولار بقيمة منصة صيرفة، ثم بعد ذلك يمكنهم الاستفادة من الأرباح بالفوارق الحاصلة بين سعر الدولار على صيرفة وسعره في السوق السوداء.

مصير المقتحمين

بعد كُل ما حصل اليوم، يُطرح السؤال حول ما مصير من قاموا باقتحام المصارف للحصول على وديعتهم؟ تقول محامية رابطة المودعين دينا أبو زور، لرصيف22، إن "الرابطة لن تتخلى عنهم ولا عن حقوقهم"، شارحةً أن ما يقوم به المواطنون المحتجزة أموالهم اليوم مخالف للقانون وفق قانون العقوبات، لكنه مطابق للعدالة؛ فالمودع استنزف كل الوسائل المباحة لتحصيل حقوقه وبالطبع ليس هو المسؤول عن حالة التفلت التي يعيشها البلد، إنما السلطة السياسية مجتمعةً ومعها مصرف لبنان والمصارف الذين نفّذوا خطة ظلّ ببسط يد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في السنوات الثلاث الماضية والذي عمل عبر تعاميمه على سحق قيمة ودائع الناس".

برأيها، "الحل الوحيد أمامهم اليوم هو القبول بالخطط التي تطرحها رابطة المودعين لما فيها من مراعاة لحقوق الناس ووضع خطة تعافٍ شاملة وشفافة على عكس الخطة الكارثية والكابيتال كونترول".

ما يقوم به المواطنون المحتجزة أموالهم اليوم مخالف للقانون وفق قانون العقوبات، لكنه مطابق للعدالة؛ فالمودع استنزف كل الوسائل المباحة لتحصيل حقوقه 

من جهته، يقول العضو المؤسس في رابطة المودعين هادي جعفر، لرصيف22، إن "الرابطة ستتوجه إلى قضاء العجلة بدعوى لوقف إضراب المصارف، فهذا إضراب ابتزازي، يحتجزون أموال المودعين منذ سنوات ثم يضربون اليوم لمنعهم من استرداد حقوقهم المجتزأة عبر تعاميم مصرف لبنان، ويبتزون الناس بأموالها ويعطّلون المصلحة العامة والدورة الاقتصادية".

الهرج والمرج لم يكن مقرّهما فروع المصارف اللبنانية فقط، بل على مواقع التواصل الاجتماعي وككل حادثة في لبنان انقسم المعلّقون والمغرّدون، بين من يتبنى حقوق المودعين وربما يعاني هو الآخر من احتحاز أمواله وصعوبة العيش واستعصاء العلاج في حال المرض في ظل الأزمة الراهنة في البلاد، كما حصل مع شقيقة سالي، وبين من يعتقد بأن تصرفات المودعين هذه ستعرقل العمليات المالية في البلد وتؤدي إلى تفلّت أمني واجتماعي، والتساؤل عن ما ورائيات ومؤامرات قيام المودعين بهذه التحركات.

في هذا السياق، يرى جعفر أن الناس نفد صبرها، "وعود كاذبة وأموالهم تتبخر في المصارف، توجهوا إلى القضاء وكثيرون منهم لم يتم إنصافهم، ما يفعلونه اليوم هو مقاومة شرعية في وجه الجهة التي اغتصبت حقوقهم. تحصيل الحق بالذات مبدأ قانوني، نرفض تماماً ما تحاول السلطة ممثلةً في وزير الداخلية الإشارة إليه بأن هناك من يحرّك الناس، صاحب الحق لا يحتاج إلى كلمة سر أو أي توقيت".

اتهم وزير الداخلية بعد اجتماع مجلس قوى الأمن المركزي "جهات" بدفع الناس إلى تحركات ضد المصارف

وكان دعا وزير الداخلية اللبناني بسام المولوي لاجتماع طارئ لمجلس الأمن الداخلي المركزي للبحث في الإجراءات الأمنية التي يمكن اتخاذها في ضوء الأحداث المستجدة على المصارف، واتهم بعد الاجتماع "جهات" بدفع الناس إلى تحركات ضد المصارف، مضيفاً "لا يمكنني الإفصاح عن التفاصيل لسرية التحقيق ونتعامل بحكمة مع الموضوع، هدفنا حماية البلد والمودعين ولا يجب أن يدفع أحدهم المودع للإضرار بالوضع الأمني في البلد وتشدّدنا بالإجراءات الأمنيّة ليس هدفه حماية المصارف وإنما حماية النظام اللبناني". 

خمسة وأربعون يوماً تفصل لبنان عن انتهاء ولاية رئيسه الحالي، ميشال عون. أيامٌ مفصلية قد يتبعها فراغ رئاسي وقد يحدث خلالها العديد من التوترات الأمنية. كلها فرضيات تشغل المحللين والعاملين في الشأن السياسي، أما ما يشغل المواطن اللبناني فعلياً فهو تراكم مستلزمات الشتاء المقبل من وسائل تدفئة وتغطية نفقات المدارس والجامعات وتأمين القوت والملبس، فمن كان منهم بلا وديعة يعاني الأمرّين في سبيل غريزة البقاء، أما من يملك وديعةً فربّما يمرّ اسمه بعدّاد المقتحمين وربما يجلس منتظراً حلول الطبقة الحاكمة العاجزة عن حلّ مفاصل الأزمة الاقتصادية الكبرى حتى اليوم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard