لبناني "يستردّ" أمواله من المصرف بالقوّة... هل يُبرّر عنف النظام تصرّف عبد الله الساعي؟

الخميس 20 يناير 202206:19 م

"هذا أفضل خبر سمعته منذ فترة، وسط زحمة الأخبار السوداء في هذا البلد"؛ هكذا وصف جلال، الشاب اللبناني العشريني، خبر استيفاء مودع لبناني وديعته، "غصباً عن إرادة المصرف". هذا الخبر شغل صفحات التواصل الاجتماعي في لبنان، وتصدر عناوين الأخبار. عبدالله الساعي، شاب لبناني يبلغ من العمر 36 عاماً، أجبر المصرف الذي يتعامل معه على تسديد وديعته كاملة بالدولار الأمريكي.

يأتي ما قام به عبد الله، في ظل إجراءات مصرفية مستمرّة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2019، تضيّق على المودعين، وتمنع السحوبات بالدولار الأمريكي، حتى لو كان عملة الوديعة. وفي تفاصيل ما حدث، حسب ما تروي المحامية دينا أبو زور، التي توكلت عن عبد الله، أن موكّلها "دخل إلى فرع مصرف الـBBAC في منطقة جب جنين البقاعية، وفي يده قنينة من مادة البنزين الحارقة، وراح يرش البنزين على جسمه مهدداً بإحراق نفسه، وطلب من الزبائن والموظفين المغادرة، وأن يبقى شخص قادر على أن يسلّمه وديعته، ومقدارها 50 ألف دولار أمريكي". فخرج الموظفون والزبائن، وبقي مدير الفرع ونائبه وموظف آخر، وسلّموه وديعته كاملةً، ووقّع على ذلك، وسلّمها بدوره إلى زوجته، ثم سلّم نفسه إلى القوى الأمنية".

يأتي ما قام به عبد الله، في ظل إجراءات مصرفية مستمرّة منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2019، تضيّق على المودعين، وتمنع السحوبات بالدولار 

في المقابل، لـ"جمعية مصارف لبنان" رواية أخرى، إذ أصدرت بياناً أدانت فيه "الاعتداءات المتكرّرة التي طالت مؤخراً عدداً من الفروع، مهددةً حياة الموظفين، ووصلت إلى حدّ أخذهم رهائن، وتهديدهم بالقنابل والحرق والنيل من كراماتهم"، كما أدانت "محاولة القتل أو حتى التهديد بحرق الموظفين وهم أحياء"، وأكدت على "أن استرداد الودائع هي حقوق لكلّ اللبنانيين"، ولكن "لا يتمّ استرجاعها عبر التحريض والقيام بأعمال جرمية"، بل عبر "مطالبة الحكومة التي توقّفت عن دفع مستحقاتها، ورمت البلد في إفلاس وتعثّر، بحماية أموال المودعين، والحدّ من أزمة السيولة، وإتاحة المزيد من النقد لتلبية طلب المودعين".

هذه "المزاعم مردودة"، حسب ما تؤكد المحامية أبو زور، التي ترى أن "جمعية المصارف تحاول أن تعطي القضاء إيعازاً بما يجب أن يقوم به"، وأن في بيان الجمعية "تلفيق واستباق للتحقيق وخلق سيناريو لم يحصل".

استيفاء الحق بالذات

وأبو زور هي واحدة من بين 14 محامٍ تطوعوا للدفاع عن عبد الله، معظمهم من "رابطة المودعين" التي تأسست في لبنان من مودعين وخبراء قانونيين وماليين، بهدف تشكيل قوة ضاغطة على المصارف، والمصرف المركزي اللبناني، وتمثيل المودعين لإيصال صوتهم بعد بدء الأزمة المصرفية في لبنان، بالتزامن مع انهيار الوضعين الاقتصادي والسياسي في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 2019.

تتهم جمعية المصارف عبد الله الساعي بالسطو والدخول تحت تهديد السلاح، بينما تعتبر محاميته أن سقف ما حصل هو أنه دخل بشكل غير اعتيادي إلى المصرف لاستيفاء الحق بالذات

تقول أبو زور، إنه "بناءً على بيان "جمعية المصارف"، تتوقع أن "يتم مواجهة عبد الله بتهم ارتكاب جنايات متعددة، مثل السطو، والدخول تحت تهديد السلاح، وأخد مبلغ من المال بالقوة، وتهديد حياة الموجودين، ومحاولة القتل، وغيرها"، بينما سقف ما حصل هو أنه "دخل بشكل غير اعتيادي إلى المصرف لاستيفاء الحق بالذات". وتتابع: "لديه حق حاول المراجعة فيه بشكل متكرر لمدة سنتين، ولم يصل إلى نتيجة"، وتضيف: "هذه الحادثة لها مسبباتها، فهو ضحية نهب وسرقة، ووصل إلى حدود العجز عن العيش بكرامة، ما دفعه للتصرف بإطار الضرورة القصوى. فلكل شخص حدود للتحمّل، وهو وصل إلى أقصاها".

أصدر النائب العام الاستئنافي في البقاع، القاضي منيف بركات، "إشارةً بضبط المبلغ الذي تم الاستحصال عليه تحت التهديد"

يقول والد عبد الله، علي الساعي: "ابني لديه ولدان أعمارهما سبع وأربع سنوات، أودع أموالاً في المصرف ليؤمّن لهما عيشةً كريمةً، إلا أن المصرف امتنع عن إعطائه أمواله، وحاله كحال معظم المودعين في لبنان. وهو يملك محلاً لبيع الخضار في سوق تعاونية قب الياس في البقاع، ومصروف المحل الشهري يصل إلى 30 مليون ليرة، بين كهرباء ومازوت ومياه وأجرة عمال. كذلك لديه "كشك" لبيع القهوة والبضائع على الطريق، تعرّض للسرقة الشهر الماضي بقيمة عشرة آلاف دولار، واضطر إلى أن يدفع للموردين ليتمكن من إعادة تشغيله، من دون أن يعوّض عليه أحد، فتراكمت عليه الديون، وقصد أكثر من مرة المصرف خلال السنتين الماضيتين من دون أي نتيجة".

يُقدّر علي أن ابنه قد يكون "فقد أعصابه وتصرّف بهذه الطريقة"، مؤكداً "أنه صاحب حق، ولم يسرق البنك أو يأخذ دولاراً واحداً فوق ما يحق له، فهو استوفى حقه، وحقه فحسب". ويضيف: "ابني ليس سارقاً ولا مجرماً، حتى مخالفة سير لا توجد على سجلّه. هو صاحب حق تعب فيه، وطالب به وحصّله".

وأصدر النائب العام الاستئنافي في البقاع، القاضي منيف بركات، "إشارةً بضبط المبلغ الذي تم الاستحصال عليه تحت التهديد"، على حد وصفه، "إلى حين البت في مسألة تسليم المضبوطات من قبل المرجع القضائي المختص".

يقول علي: "المبلغ تسلّمته زوجته، وهي من الجنسية الفنزويلية، والتواصل معها مقطوع حالياً، فهي متوارية عن الأنظار". فيما تعلّق أبو زور قائلةً: "هذه الإشارة هرطقة، لأن عبد الله وقّع على أنه استلم وديعته، هذا فضلاً عن أن القاضي كان يمكنه أن ينتظر التحقيق معه ليُبنى على الشيء مقتضاه".

قضاء غير عادل

ما حدث مع عبد الله ليس الحادث التصادمي الأول من نوعه مع المصارف اللبنانية خلال السنتين الماضيتين. ففي شهر حزيران/ يونيو الماضي، اقتحم نحو مئة شخص البنك اللبناني السويسري في بيروت، من أجل الوصول إلى بعض الحسابات المغلقة، وقد أعلنت جمعية المصارف إغلاق أبواب المصارف في اليوم التالي، احتجاجاً على ما سمّته اعتداءً.

يقول والد عبد الله إن ابنه صاحب حق، "ولم يسرق البنك أو يأخذ دولاراً واحداً فوق ما يحق له. ابني ليس سارقاً ولا مجرماً، حتى مخالفة سير لا توجد على سجلّه. هو صاحب حق تعب فيه، وطالب به وحصّله"

وفي كانون الثاني/ يناير 2020، دارت مواجهات عنيفة تخلّلها تشابك بالأيدي داخل مقر أحد البنوك في منطقة عكار، شمال لبنان، وتدخلت عناصر من قوى الأمن ومكافحة الشغب لفض الاشتباك.

كذلك، تعرضت واجهات مصارف عدة، وماكينات صرف آلي، لعمليات تكسير وإحراق في مناطق لبنانية مختلفة، آخرها كان بعد أيام من ليلة رأس السنة أمام مصرف لبنان في منطقة الحمرا في بيروت، حيث توجد فروع لمعظم المصارف اللبنانية، ما أعاد إلى الأذهان أحداثاً مشابهةً وقعت في المنطقة نفسها، في ليلة عُرفت بـ"ليلة المصارف" في كانون الثاني/ يناير من العام 2020.

هذه الأحداث ما كانت لتحصل، حسب المحامية أبو زور، "لو كنا أمام قضاء يحكم بالعدل، ويعطي كل ذي حق حقه، ويسعى إلى إعادة أموال الناس من المصارف". تضيف: "لو كنا في دولة قانون، ما كانت النيابة التمييزية لتكون شيخ صلح، وتستضيف ممثلين عن المصارف، كما فعلت في شهر آذار/ مارس 2020، لتتفاهم معهم على ورقة تؤكد على نقاط هي من بديهيات حقوق المودعين، بدلاً من أن تُحقق وتصدر إشارات توقيف رؤساء مجالس إدارات المصارف ومديريها ومسؤولي المصرف المركزي".

استضافت النيابة التمييزية  ممثلين عن المصارف،  في شهر آذار/ مارس 2020، لتتفاهم معهم على ورقة تؤكد على نقاط هي من بديهيات حقوق المودعين

وتُذكّر أبو زور "ببعض القرارات القضائية التي حاولت أن تنصف المودعين، لكنها لم تتخطَ الدرجة الأولى في القضاء، لتعود وتُكسر في أدراج الاستئناف والتمييز". على سبيل المثال، "إصدار رئيس دائرة التنفيذ في بيروت القاضي فيصل مكي، قراراً بإلقاء الحجز الاحتياطي على 34 عقاراً يملكها بنك لبنان والمهجر، بناءً على استدعاء حجز احتياطي تقدّم به وكيل أحد المودعين (كانون الثاني/ يناير 2022)، وإصدار القاضي الناظر في الأمور المستعجلة في النبطية أحمد مزهر، قراراً بالحجز الاحتياطي على موجودات مصرف فرنسبنك في النبطية (نيسان/ أبريل 2021).

أيضاً، أُلزم المصرف نفسه تحويل مبالغ مالية من حساب أحد الطلاب لتسديد مصاريف جامعته في إنكلترا، تحت طائلة إكراهية مقدارها خمسون مليون ليرة عن كل يوم تأخير (حزيران/ يونيو 2021)، وإلزام القاضي الناظر في الأمور المستعجلة في بيروت كارلا شواح، بنك بيروت في الأشرفية، تحويل مبلغ مئة ألف دولار أمريكي من حساب مواطن ألماني في لبنان، إلى حسابه في الولايات المتحدة (كانون الأول/ دسيمبر 2021).

"العنف الأول هو عنف النظام"

السؤال بالنسبة إلى المختص في علم النفس العيادي، الدكتور ألبير مخيبر، "هو ليس لماذا قام عبد الله الساعي بما قام به؟ بل لماذا لم يقم الشعب اللبناني بما قام به عبد الله حتى الآن؟". ويقول: "ما فعله عبد الله طبيعي جداً؛ شخص بحاجة إلى مال، وأمواله في المصرف، فقام بتحصيلها! الغريب كان ليكون في أن يذهب ويسرق المال من المصرف، إلا أن عبد الله لم يقم بذلك، بل ذهب ليطالب بحقه، ولا حاجة إلى تبرير ذلك". ويشرح بأن "سرقة المال من المصرف لا تدخل ضمن إطار العقد الاجتماعي، لكن استعادة مبلغ من المال كان قد أودعه شخص في المصرف، تدخل في صلب هذا العقد، ومن يمنع ذلك، أي البنك، يكون هو من يخالف العقد الاجتماعي".

إذا كان ما قام به يُعدّ طبيعياً، فلماذا تحول عبد الله الساعي إلى بطل في نظر الكثيرين؟ يقول مخيبر: "البطل هو من يقوم بعملٍ لا يمكننا أن نقوم به. وهنا عبد الله قرر المخاطرة بسبب الحاجة، وانسداد الأفق، ولكن لا يمكن للجميع القيام بالمثل، وإن كانوا يرغبون في ذلك، ويريدون أن يستعيدوا أموالهم. البعض لا يريد المخاطرة، والبعض الآخر غير قادرين، أو غير جاهزين، أو عاجزون عن القيام بعمل يُصنّف بالعنيف".

أكبر ظلم يكون بمحاسبة عبد الله على استخدام ‘العنف’ عبر أدوات العنف القمعي، ونسيان العنف الأساسي، أي عنف النظام الذي أوصل عبد الله إلى استعادة حقه بيده

يستذكر مخيبر مقولةً للفيلسوف والأسقف البرازيلي، هيلدر بيسوا كامارا، وهو من مؤسسي حركة لاهوت التحرير التي نشأت في حقبة الحكم العسكري في أمريكا اللاتينية في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، وتشدد على العدالة الاجتماعية، والتحرر السياسي للشعوب، ويقول: "هناك ثلاثة أنواع من العنف؛ الأول، يولّد كل عنف آخر، وهو العنف المؤسساتي، أو عنف النظام، الذي يشرّع الهيمنة والقمع والاستغلال، ويسحق الناس تحت عجلاته الصامتة. العنف الثاني، هو العنف الثوري الذي ينشأ من إرادة مواجهة العنف الأول، ومن السعي إلى إلغائه. والأخير هو العنف القمعي، والهدف منه خنق الثاني، وهو مساعد العنف الأول، وشريكه. ولا ظلم أكبر من اختصار التوصيف العنفي بالنوع الثاني من العنف، أي العنف الثوري، مع نسيان العنف الأول، أي عنف النظام الذي يولّد العنف الثاني، والعنف الثالث أي العنف القمعي الذي يقتله".

ويختم: "أكبر ظلم يكون بمحاسبة عبد الله على استخدام ‘العنف’ عبر أدوات العنف القمعي، ونسيان العنف الأساسي، أي عنف النظام الذي أوصل عبد الله إلى استعادة حقه بيده".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard