"شنودة"… الطفل الذي خسر المسيح ولم يكسب محمداً

الخميس 15 سبتمبر 202205:19 م

جرت العادة بين عموم المصريين في أي قضية دينية، أو إشكالية عقائدية، أن ينتصر كل فريق لدينه، أو يتخذ موقفاً يتصور هو أنه انتصار لدينه، وإن أنكر البعض ذلك وغلفوا انحيازاتهم بحياد مصطنع وموضوعية انتقائية.

من هنا تحمل قصة الطفل "شنودة" تميزاً واستثناءً غير مسبوقين، فلأول مرة نجد  نسبة ليست قليلة من مسلمي هذا الوطن يقولونها بشكل صريح أو ضمني: فلننحِ إشكاليات الأديان جانباً، ونتناسَ صراع الفردوس والملكوت إلى حين، وننتصر للرحمة. 

في مطلع الشهر الجاري، فجّر الصحافي نادر شكري (المتخصص في الشأن القبطي) قضية الطفل شنودة فوز، الذي أمرت النيابة العامة المصرية بانتزاعه من والديه ووضعه في ملجأ ايتام، مع تغيير اسمه وديانته من شنودة "قبطي"  إلى يوسف "مسلم"، وذلك بعد أن  تبين للنيابة أن الأبوين اللذين ربياه صغيراً، لا يمكنهما الإنجاب، وعليه فذلك ليس ابنهما.

لأول مرة نجد  نسبة ليست قليلة من مسلمي هذا الوطن يقولونها بشكل صريح أو ضمني: فلننحِ إشكاليات الأديان جانباً، ونتناسَ صراع الفردوس والملكوت إلى حين، وننتصر للرحمة

تبدأ القصة من عند فاروق فوزي، تاجر الزجاج في منطقة الشرابية بالقاهرة.

وتاجر هنا لا تعني أنه واسع الثراء او حتى متوسطه، بل نحن نتحدث عن رجل بسيط يمتلك "فرشة" في أحد شوارع ذلك الحي الشعبي العتيق.
بالمقاييس المصرية، نحن نتحدث عن شخص "مستور"، ليس ثرياً، ولا يمكن حتى اعتباره ميسور الحال.

تجاوز الرجل العقد الخامس من عمره، ولم يرزقه الله ذرية، رغم مضي قرابة ربع قرن على زواجه أمل إبراهيم ذات الأصول الريفية.

إلى هنا تبدو الأمور طبيعية، لكن الحدث الأبرز الذي قلب حياتيهما رأساً على عقب مرتين، كان ظهور ذلك الطفل الذي غمرهما بفرحة عارمة بحضوره، ثم أصابهما بألم لا يطاق مع انتزاعه من أحضانهما، في قصة شديدة التعقيد والدراماتيكية.

قصة لها سرديتان يفصل بينهما سور كان كفيلاً بتغيير مسار حياة الطفل ذي الأربع سنوات.

السردية الأولى تتمثل في عثور "أبويه" عليه في حمام كنيسة بمدينة الأمل في القاهرة، ووفقاً لما روته "الأم" لموقع أقباط متحدون، فإنهم أخذاه للكاهن وأخبراه أنهما عثرا عليه، وقررا أخذه لتربيته.

ولأنهما من الناس البسطاء - على حد تعبير "الأب" - قررا استخراج شهادة ميلاد له باسمهما حتى يرفعا عنه لعنة "ابن الحرام" (اللقيط) التي قد تطارده العمر كله.

قصة لها سرديتان يفصل بينهما سور كان كفيلاً بتغيير مسار حياة الطفل ذي الأربع سنوات

بدت الأقدار رحيمه بالطرفين، فجنبت الطفل المجهول النسب مشقة التنقل في الملاجئ، ومرارة حياة غير آدمية مصحوبة بوصمة عار جراء فعل لم يرتكبه.

وكافأت الزوجين المحرومين من نعمة الإنجاب كل تلك السنوات على صبرهما برضيع أتاهما أخيراً بعد أن بلغا من الكبر عتياً.

لكن الحياة إذا كست أوكست، وإذا حلت أوحلت.

فلم تدم سعادة الجميع طويلاً، لتظهر في الصورة ابنة شقيقة "الأب"، التي لم تر في  شنودة سوى تهديد مباشر لها بحرمانها من إرث خالها بعد مماته. 

فكان الخلاص من الطفل هو الحل الأمثل للوصول للميراث الذي لا يعدو كونه نصيب الرجل في منزل قديم بالشرابية. 

مدهش أن يكون ذلك الإرث الزهيد سبباً كافياً لكي يدمر أحدهم حياة طفل ويلقيه في آتون جحيم دور الرعاية المصرية المعروف معظمها بسمعة قاسية!

تقدمت ابنة الأخت ببلاغات عدة، تتهم فيها الأبوين باختطاف الطفل، لكن البلاغات كلها حفظت بعد أن توجهت مندوبة الشؤون الاجتماعية أكثر من مرة، وسألت الطفل عن فوزي وأمل ليؤكد الطفل أنهما أبواه - والطفل صادق - فهو لا يعرف أبوين سواهما، ولم يرَ الحنان والأمان من سواهما.

لكن لسبب - غير مفهوم حتى الآن - أخذ البلاغ الأخير مساراً معقداً، وتم إحالته للنيابة العامة، التي بدورها طالبت بتوقيع اختبار الـ DNA للطفل والأبوين، ليتبين أنه ليس ابنهما.

الموقف الآن أن الطفل شنودة الذي أصبح يوسف بقرار السيد وكيل النائب العام، بات معتقلاً في ملجأ الأورمان منذ أربعة أشهر، معتقل حرفياً، وغير مسموح لأمه بزيارته

وفي فبراير/ شباط الماضي - أي منذ أكثر من أربعة أشهر -  وقع "الأب" على إقرار داخل سرايا النيابة أنه وجد شنودة "خارج" الكنيسة، وليس "داخل" حمامها، مخالفاً سرديته الأولى. والأكثر منطقية أنهما وجداه داخل حمام الكنيسة!

من جانبها اعتبرت النيابة أنه تعامل بحسن ظن، فصرفته من سراي النيابة من دون أن توجه له اتهاماً بتزوير محررات رسمية. لكنها في الوقت نفسه، أمرت بإيداع الطفل ملجأ ايتام، وقررت تغيير اسمه وديانته من شنودة إلى يوسف، وديانته من مسيحي إلى مسلم. مستندة إلى الإقرار الذي وقع عليه "الأب" أنه وجده في الشارع وليس في الكنيسة.

وباعتبار أن الشارع مكان عام، فالطفل يعتبر مسلم وفقاً للقانون الذي ينسب كل الأطفال المجهولي النسب إلى "ديانة الدولة" وهي الإسلام، ويحظر إتاحة كفالته لأسرة أو عائل مسيحي الديانة، لذا أصدرت النيابة قراراً بانتزاعه من بيته بالقوة الجبرية، وإيداعه في أحد الملاجئ. 

ما حدث لا يعدو كونه حلاً توافقياً ينجي كل الأطراف، ما عدا الطفل المسكين، الذي سيدفع الثمن وحده.

مدهش أن تكون القسوة على طفل صغير هي الخيار القانوني السليم في مصر!
ما فعلته النيابة، ظاهرياً، يبدو تسامحاً ورأفه بالزوجين، عندما أخذت بعين الاعتبار حسن نيتهما، لكن عملياً، اتبعت "الحل الأسهل"، على حد تعبير المحامية الحقوقية عزة سليمان.

فما حدث لا يعدو كونه حلاً توافقياً ينجي كل الأطراف، ما عدا الطفل المسكين، الذي سيدفع الثمن وحده.
الزوجان تجنبا قضية تزوير في محررات رسمية كانت ستلقي بهما في السجن لسنوات،ووالأمن ارتاح من عبء الاشتباك مع قصه بالغة الحساسية مصنفة تحت قضايا أمن دولة، إذ يتم وضع قضايا الأحوال الشخصية التي تتصل بالمسيحيين ويكون أي ظل للإسلام طرفاً فيها تحت اسم قضايا أمن الدولة.

أما الكنيسة فتجنبت التورط في مشاكل قانونية و"شوشرة" على اسمها، خصوصاً أن هناك اربع قضايا تفجرت في 2009 تحوم حول فكرة التبني، المقبولة في المسيحية والمرفوضة في الإسلام والقانون، وهو ما أفضى إلى تكييف تلك القضايا قانونياً باعتبارها جرائم تزوير في محررات رسمية أو اتجار في البشر. لذا، فظهور شنودة "داخل" الكنيسة كان سينكأ جراحاً حرصت الكنيسة على اندمالها. 

كاتب هذه السطور مسلم ارتضى الله رباً والإسلام ديناً، لكنه أب لا يقبل قلبه ولا يرضى ضميره أن ينتزع طفل من بيته وتباد حياته لذنب لم يرتكبه

المؤلم أن النيابه كان يمكنها أن "تكمل جميلها" بتطبيق روح القانون (الذي طبقته مع الزوجين) وأعفتهما من جريمة التزوير، وتنظر للمصلحة الفضلى للطفل، وتقرر أن يظل معهما مع تغيير الصيغه القانونية من تبنٍ إلى كفالة، كان هذا ممكناً.
كان يمكن للنيابة أن تنظر للطفل بعين الرحمة، كتلك التي نظرت بها إلى الزوجين، وترى أنه أحق منهما بالرحمة، ولا تلقيه بيدها في غياهب الملاجئ.

 لكن هذا لم يحدث، ولا أفهم لماذا نظرت النيابة بعين الرحمة للمزورين ولم تنظر بنفس العين للبراءة والطفولة!
الموقف الآن أن الطفل شنودة ذا الأربع سنوات الذي أصبح يوسف بقرار السيد وكيل النائب العام، بات معتقلاً في ملجأ الأورمان منذ أربعة أشهر، معتقل حرفياً، وغير مسموح لأمه بزيارته. وحتى الآن لا يفهم الطفل لماذا هو حبيس تلك الأسوار، ومعاقب بالحرمان من بيته ولعبه وحياته.

تقدمت الأم بمناشدات كي يُسمح لها بالعمل في الملجأ لتكون بجوار الطفل، وهذا حل يبدو ممكناً عملياً وقانونياً، ويخفف وطأة العذاب عن الطفل، لكن الطلب لم يجد أذناً تسمع ولا قلباً يشعر، والأغرب أنها ممنوعة من زيارته طيلة تلك الشهور الأربعة. 

أي قسوة هذه وأي تنكيل ذلك بطفل لا يعرف سوى أبويه اللذين ربياه؟

والمدهش أن هناك من يرى أن ما يحدث للطفل من تنكيل هو الأفضل له، وأن تلك المعاناة اللانهائية التي سيقضي فيها عمره، مبررة كونها ثمناً لدخوله الجنة.
يا سادة نحن لسنا وكلاء الرب في الأرض، وليست وظيفتنا أن نرسم مسار أحدهم في العالم الآخر، وصراع الفردوس والملكوت يخصنا نحن، لا يخص طفلاً لم يبلغ الأربع سنوات انتزع من أبويه وألقي في ملجأ أيتام.

القصة ليست قصة مسلم ومسيحي، القصة هي طفل تنطفئ حياته أمامنا، ومنا من يصفق، ومنا من يعميه هواه عن النظر في وجه الطفل البائس.

كاتب هذه السطور مسلم ارتضى الله رباً والإسلام ديناً، لكنه أب لا يقبل قلبه ولا يرضى ضميره أن ينتزع طفل من بيته وتباد حياته لذنب لم يرتكبه، أو انتصاراً لدين لا يشغل باله، وجنه رحمن رحيم لا يملك أياً منّا مفاتيحها.

يا معالي وزيرة التضامن الاجتماعي اقبلي طلب أمل إبراهيم ودعيها تعمل في الملجأ بجوار الطفل يوسف، رحمة به قبل أن يكون عطفاً عليها، علك تقابلين ربك مشفوعة بدعاء طفل قست عليه الحياة وظلمه الناس واستغاث بك فلبّيت.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard