لأن "الأمن والحرية لا يسيران معاً"... الإعلام القبطي أيضاً تحت الحصار

الأحد 31 يوليو 202205:39 م

"مقتل قبطي في مشاجرة طائفية. اختفاء قبطية قاصر. تظاهرة لأقباط لبناء كنيسة"، أخبار وعناوين يومية نقابلها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن عند البحث عنها في المواقع الصحفية والإخبارية، لا يكون لها أثر، فقط نجدها في المواقع المتخصصة التي تحمل صبغة "قبطية"، كونها تتولى تغطية أخبار وشؤون المسيحيين المصرية التي تغيب عن مواقع وقنوات "المين ستريم".

في كتابه "المجلات القبطية"، الصادر العام الماضي (2021) عن دار روافد، يرصد الباحث والصحافي روبير الفارس، ثورة ظهور المواقع والقنوات القبطية في نهايات تسعينيات القرن الماضي.

السياق الذي ولدت فيه تلك الثورة لم يكن سياسياً بالكامل، بل أقرب إلى انتهاز فرصة تكنولوجية سانحة، فنهاية التسعينيات تزامنت مع إطلاق مصر لقمر صناعي للبث الفضائي مع السماح ببث القنوات الخاصة عبره من دون قيود ترتبط بضرورة البث من المنطقة الحرة "مدينة الإنتاج الإعلامي"، وهي القيود التي فرضت لاحقاً في محاولة –فشلت- للسيطرة على المحتوى المبثوث فضائياً، كما أن نهاية التسعينيات شهدت إتاحة محدودة للإنترنت للمواطنين في المنازل، وميلاد مبادرة حكومية مدعومة من مؤسسات دولية لنشر التكنولوجيا والإنترنت بين المواطنين.

نادر شكري: "ظاهرة التعمية عن الأزمات" لا تقتصر على الأقباط وحدهم، فالتعتيم – بحسبه- يطال كافة القضايا الحقوقية، كقضايا العمال وأخبارهم المتصلة بالإضراب أو التظاهر طلباً لحقوقهم، أو الاعتداء عليهم نتيجة مطالبتهم بظروف عمل أفضل

في ظل هذه الظروف، جرى تدشين عدد من المواقع الإلكترونية القبطية، وإطلاق أول قناة قبطية متخصصة فى الشؤون المسيحية، والتي بدأت إرسالها من السويد وهى قناة سات سفن، وفى عام 2003 تم إطلاق قناة أغابى ثم قناة CTV عام 2007.

تاريخ أقدم

لكن تاريخ إصدار المواطنين المصريين الذين يدينون بالمسيحية لصحفهم ومنصاتهم الإعلامية، يسبق تلك الطفرة التكنولوجية بوقت طويل، فبحسب رصد روبير الفارس في كتابه، يعود تاريخ إصدار أول مجلة قبطية أرثوذوكسية إلى سنة 1892، وكانت باسم "النشرة الدينية الأسبوعية"، وأصدرها القمص يوسف حبشي، أما أول مجلة كاثوليكية فكانت "الأسد المرقمي"، وقد أصدرتها جمعية الوحدة المرقسية عام 1899.

وبحسب دراسة الفارس، مر أقباط مصر بمراحل مختلفة في علاقتهم بالأحداث السياسية والاجتماعية، اتعكست في المواد والوسائل الإعلامية الصادرة عنهم.

"90% من أحداث العنف الطائفي قبل ثورة 30 يونيو، كان يتم إنهاؤها بجلسات الصلح العرفية التي تنتصر الجاني. تلك الجلسات تهتم بأن يمر الاعتداء على المسيحيين دون عقاب"

ويمكن تقسيم تلك المراحل إلى أربع: الأولى من نهاية القرن الـ19 وحتى ثورة يوليو 1952، وهي المرحلة التي "تراجعت فيها الوجبة السياسة نسبياً، لحساب الوجبة الدينية والوعظية والإرشادية". والثانية هي فترة الرئيس عبد الناصر وحتى وفاته في 1970، وفيها حضرت السياسة ليظهر الأقباط دعمهم الواضح لناصر واتجاهاته الاجتماعية والسياسية، والمرحلة الثالثة هي مرحلة السادات والتي انتهت برحيله في 1981، وهي المرحلة "الأكثر توتراً وسوءاً بين الكنيسة والسلطة بشكل عام". أما المرحلة الأخيرة فهي بعد هذا التاريخ، "وهي متقلبة، ولكن لا توجد صدامات كبيرة، أو دعم غير مشروط، مثل المراحل السابقة".

ويشير الفارس إلى أن مستوى الكتابة في الصحافة القبطية لم يكن مثل نظيره في الصحافة العادية، ربما لأسباب عدة، أهمها طبيعة الدوريات القبطية التي كان هدفها الرئيسي وعظي وإرشادي. وكذلك قصر العمل فيها على مجموعة محددة وهم الأقباط وغيرهم من الراغبين في الكتابة، ما أفقدها التنوع المطلوب. وكذلك النقطة الأهم وهي الإخراج الصحفي، الذي يرى أنه "ليس على المستوى بكل تأكيد".

أما أقدم الصحف القبطية المستمرة إلى الآن، فهي "وطني"، التي أصدرها أنطون سيدهم في العام 1958، ولا تزال تصدر إلى الآن، وتميزت وطني منذ نشأتها بأنها اهتمت بالأخبار التي تتصل بالمسيحيين المصريين بشكل عام. ومنذ نهاية التسعينيات بدأت الصحيفة الأسبوعية عبر نسختها الورقية وكذلك عبر موقعها الإلكتروني في الاهتمام بقضايا سياسية واجتماعية أوسع، من دون أن تتخلى عن تغطية ومتابعة الشأن المسيحي باعتباره أولوية تحريرية.

مستوى الكتابة في الصحافة القبطية لم يكن مثل نظيره في الصحافة العادية، ربما لأسباب عدة، أهمها طبيعة الدوريات القبطية التي كان هدفها الرئيسي وعظي وإرشادي. وكذلك قصر العمل فيها على مجموعة محددة وهم الأقباط وغيرهم من الراغبين في الكتابة، ما أفقدها التنوع المطلوب

أما أشهر المواقع التي فادت من تلك الطفرة التكنولوجية، فهو موقع "الأقباط متحدون" وهو من أوسع المواقع المعنية بالشأن المسيحي انتشاراً وشهرة، واكثرها ملاقاة للهجوم أيضاً، إذ كان نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك يعده "منصة هجوم من أقباط المهجر" . ويرصد الفارس في كتابه 76 مجلة وجريدة ونشرة قبطية شهدتها مصر، تنوعت بين الإصدارات الإصلاحية والسياسية والأدبية والاجتماعية والنسائية ومجلات الأطفال المصورة، يجمعها جميعاً كونها تهتم بالشأن المسيحي وصادرة عن مُلاك ومساهمين من المسيحيين المصريين عموماً ومن الأقباط الأرثوذكس بصفة خاصة، كونها الطائفة التي تمثل أغلبية من يدينون بالمسيحية في مصر.

تنقل تلك المواقع، أخبار المسيحيين المصريين الذين يشكلون ما يقرب من 10 لـ15% من تعداد السكان، بحسب الإحصاءات الرسمية. وتعنى بالمتابعة الإخبارية والتقريرية لما يتعرضون له من مشاكل وأزمات يومية وحوادث، ويرى الباحث شريف رسمي، أن تلك المواقع والصحف لم تكن لتولد "لولا التجاهل المتعمد في صحافة المين ستريم لشؤون الأقباط". ويقول رسمي لرصيف22 "هناك العديد من الحوادث الكبرى تتجاهلها مواقع الصحف العامة، وتضطر أحيانا للتحدث عنها بشكل مقتضب عندما يكثر الحديث عنها في السوشال ميديا، بالرغم من أن مختلف المواقع والجرائد يوجد بها قسم مخصص لتغطية أخبار الأقباط، إلا أنه أصبح قسم شكلي".

ويتفق معه نادر شكري، الصحافي المتخصص في الشأن القبطي بموقع الأقباط متحدون، ويتولى شكري تغطية الشأن القبطي منذ 20 عاماً، انطلاقاً من اهتمامه الشخصي بالقضايا الحقوقية وشؤون الفئات المهمشة والأقليات.

بحكم تاريخه الطويل مع موقع الأقباط متحدون، يحكي شكري بداية تأسيسه قائلاً "تزايدت أشكال العنف ضد الأقباط بشكل كبير في نهايات التسعينيات ومطلع الألفية، وكانت جريدة وطني وحدها وبحكم كونها صحيفة ورقية – في ذلك الوقت- تواجه عراقيل أمنية في تغطية ومتابعة أحداث العنف الطائفي، وجاء موقع الأقباط متحدون متحرراً من بعض تلك القيود، وكان الهدف من البداية هو رصد الوقائع التي يتجاهلها الإعلام التقليدي، ومع مرور الوقت وتفرد الموقع في تلك التغطيات، بات معروفاً في كافة المحافظات وتبناه الناس كونه يعبر عنهم ولا يتجاهل أزماتهم، ما سهل وصول الموقع ومراسليه إلى مواقع الأحداث".

ابحث عن الأمن

يلفت الصحافي المختص في الشأن القبطي إلى أن أزمة تغطية الأحداث التي يمر بها المسيحيون في مصر وخاصة تلك المتعلقة بوقائع العنف الطائفي ضدهم، لا تقف عند التجاهل، بل يشكل الالتفات إليها من قبل وسائل الإعلام العامة مشكلة أخرى، تتمثل في "سيطرة الرواية الأمنية على التغطية"، فبحسب نادر، تميل "الروايات الأمنية" التي تنقلها الصحف والمواقع والفضائيات العامة إلى البحث عن مبرر للانتهاكات التي تقع في حق الأقباط، مذكراً بواقعة لا تزال تعد مثالاً على التضليل الإعلامي والانحياز الطائفي من وسائل الإعلام، وهي تغطية مذبحة نجع حمادي الثانية في العام 2010، والتي تتهم مصادر حقوقية قبطية عضو مجلس الشعب السابق ورجل الحزب الوطني البارز عبد الرحيم الغول بالوقوف وراءها.

في تلك الواقعة، أطلق مسلحون الرصاص على مصلين أقباط، عشية الاحتفال بعيد الميلاد بحسب تقويم الكنيسة الشرقية، فقتلوا ستة مسيحيين. إلا أن الرواية التي نشرتها المنصات الإعلامية جاءت لتبرر الجريمة الطائفية بدعوى أنها جرت انتقاماً من قيام أحد رواد الكنيسة بهتك عرض طفلة مسلمة

في تلك الواقعة، أطلق ثلاثة مسلحين الرصاص على مصلين أقباط، مساء 6 يناير/ كانون الثاني 2010، عقب خروجهم من كنيسة بمنطقة نجع حمادي جنوب مصر،عشية الاحتفال بعيد الميلاد بحسب تقويم الكنيسة الشرقية. أطلق المسلحون النيران من سيارة مسرعة فقتلوا ستة مواطنين مسيحيين وضابط شرطة واحد من قوات الأمن المسؤولة عن حماية الكنيسة. وعلى الرغم من كونها الواقعة الثانية التي تجري بنفس الطريقة، وتتزامن مع التمهيد لانتخابات مجلس الشعب، إلا أن الرواية التي نشرتها المنصات الإعلامية جاءت لتبرر الجريمة الطائفية بدعوى أنها جرت انتقاماً من قيام أحد رواد الكنيسة بهتك عرض طفلة مسلمة. يوضح نادر شكري، أن الصحف دأبت على توجيه الأنظار بعيداً عن الطبيعة الطائفية للاعتداءات، عبر "إشهار كارت الشرف والعرض" حتى ولو باستغلال وقائع ليس لها علاقة بالاعتداء وجرت بعيداً عنه.


ويزعم شكري أن "90% من أحداث العنف الطائفي قبل ثورة 30 يونيو (حزيران 2013)، لم تكن تصل للقضاء. وكان يتم إنهاؤها بجلسات الصلح العرفية التي ينتصر بها الجاني، ويتم ذبح الأقباط وضياع حقوقهم من خلال التهديد والرضوخ من خلال تلك الجلسات، التي تهتم بأن يمر الاعتداء على المسيحيين دون عقاب".

يضيف الصحافي مسيحي الديانة، أن اهتمامه بالشأن القبطي لم ينبع من ديانته، بل من اهتمامه الشخصي بقضايا الحقوق والحريات، الذي يدفعه إلى مراسلة مواقع وصحف اخرى بأخبار الاعتداء على الأقليات والفئات المهمشة بمن فيهم الأقباط، "لكن يأتي الرد بأنه لا يمكنهم تغطية الحدث أو النشر عنه، لأن التعليمات الصادرة من الجريدة أو الوسيلة الإعلامية هي عدم الحديث عن تلك القضايا، برغم أنه لا يتم الحديث عنها من منظور ديني".

ما يدعو شكري للتأكيد في حديثه لرصيف22، أن ظاهرة "التعمية عن الأزمات" لا تقتصر على الأقباط وحدهم، فالتعتيم – بحسبه- يطال كافة القضايا الحقوقية، كقضايا العمال وأخبارهم المتصلة بالإضراب أو التظاهر طلباً لحقوقهم أو الاعتداء عليهم نتيجة مطالبتهم بظروف عمل أفضل. ويواصل: "أصبحت كافة القضايا الحقوقيةـ والتي تضم قضايا الأقباط بمختلف أشكالها، تغيب عن تلك الصحف والمواقع، وتظهر على السطح أخبار الفنانين، أو الأخبار ذات الطابع الجنسي للبحث عن المزيد من المشاهدات والترافيك".

حنان فكري: "أصبح هناك من يحمل الأقباط فاتورة السجن والأحكام التي صدرت ضد بعض المحبين والأتباع للأخوان، أو حتى من التيار المدني، فجعل هذا الأمر هناك تراجعاً على تسليط الضوء أو حتى الحديث عن قضايا الأقباط، وأيضا تراجع التعاطف"

ويعيد شكري ذلك التوجه إلى "الدولة" التي باتت تملك معظم وسائل الإعلام، وتتحكم عبر القوانين والآليات الرقابية والعقابية فيما لا تملكه، "أصبحت وسائل الإعلام سطحية. وإن تناولت قضايا العنف، اتجهت للنوع المتعلق بالإثارة كالجنس والمرأة، كسيدة قتلت زوجها أو فتاة ذبحها عاشق لها... إلخ. وهي قضايا مهمة، ولكن يتم تناولها في إطار الإثارة لا البحث في جذور الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الحقيقية التي ولدتها".

يتابع نادر، أن تلك المشاهد تؤكد أن المضمون الإعلامي في أزمة، ولا يستطيع الوصول لما يهم الشارع المصري، "وهذا الأمر مع استمراره سيؤدي لخطورة كبيرة، ففي المستقبل مع تكرار نفس النمط ستكون مواقع السوشيال ميديا هي البديل والمصدر، وهي منصة لها إيجابيات وسلبيات فتصبح سلاح ذو حدين عند نشر مواد غير دقيقة أو غير صحيحة".

يد الكنيسة

ينفي نادر شكري في رده على رصيف22، أن تكون الكنيسة الأرثوذكسية المصرية ذات سلطة على المواد المنشورة بالصحف والمواقع القبطية، وتتفق معه حنان فكري مساعد رئيس تحرير جريدة وطني. لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن الكنيسة "تدعم عمل تلك المواقع، لأنها الوحيدة التي تمثل صوتها". وتدلل على أن العلاقة بين الكنيسة والصحيفة "ليست لصيقة" بتذكر واقعة صدور أحد أعداد جريدة وطني في العام 2006 من دون مقال جديد للبابا شنودة الثالث، بابا الأسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الراحل، واضطرت الجريدة إلي نشر مقال قديم للبابا، لكن رد الكنيسة جاء سريعاً، إذ أبلغ المكتب البابوي قيادات الجريدة شفهياً بعدم نشر أي أخبار تتعلق بالكنيسة، واتضح أن غضب الكنيسة جاء بسبب نشر "وطني" فعاليات مؤتمر الأقباط العلمانيين، ما اعتبرته الكنيسة بمثابة توجيه إساءات لها.

وحول تلك الواقعة تؤكد فكري أن الجريدة رفضت تدخل الكنيسة أو تغيير أي شيء بسياستها الداخلية أو أجندة العمل، واستمر البابا شنودة في الامتناع عن نشر مقاله بها حتى عام 2008 مع اليوبيل الذهبي للجريدة، مشيرة إلى أنه منذ تلك اللحظة لم تتدخل الكنيسة في السياسة التحريرية للجريدة.

لكن الباحث في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إسحق إبراهيم، يستبعد أن تكون تلك الصحف والمواقع منفصلة تماماً عن الكنيسة وإن لم تتلق منها دعماً مبيناً: " سلطة الكنيسة روحية وهذا أمر لا مساس به. المواقع الإلكترونية التي لا تتبع الكنيسة إدارياً وماليا تظل على علاقة بها، ولا تريد إغضابها لمكانة الكنيسة ورجال الدين، وخوفا من تداعيات ذلك".

إنه التهميش

تتفق فكري أيضاً مع شكري في غياب قضايا الأقباط عن الصحف، ولكنها تبرر الأمر في حديثها لرصيف22 بسبب "الخوف".

تقول فكري، إنه منذ ما يقرب من 15 عاماً، بدأت الصحف القومية في الاستعانة بصحافيين مختصين في الشأن القبطي، بعدما رصدت اهتمام الصحف المستقلة الناشئة – خاصة المصري اليوم- بهذا الملف، "لكن هذا الاهتمام أفرز المزيد من إهدار المواطنة، من خلال تطبيق أجندة الجريدة على الملف، فكانت النتيجة أن التغطية لا تأتي دائما بالشكل المرجو الذي يؤكد على حقوق المواطنة، وهو المنهج الذي اتبعه حينها العاملون في جريدة وطني، وموقع الأقباط متحدون".

وتؤكد فكري أن الحديث عن قضايا الأقباط كان متواجداً، ولكن "بسبب المناخ العام، تراجع هذا الحديث في السنوات الأخيرة، فهو مناخ عام طارد للحريات، وهذا بسبب ما حدث عقب 30 يونيو والاستقطاب الشديد للمجتمع والانقسامات الشديدة بين أفراده. وأصبح هناك من يحمل الأقباط فاتورة السجن والأحكام التي صدرت ضد بعض المحبين والأتباع للأخوان، أو حتى من التيار المدني، فجعل هذا الأمر هناك تراجعاً على تسليط الضوء أو حتى الحديث عن قضايا الأقباط، وأيضا تراجع التعاطف".

استمرار غلق المناخ ليس عن قضايا المواطنة فقط، ولكن عن القضايا الحقوقية بشكل عام، سيؤدي لمزيد من المشاكل، وتأجج المشاعر، مع لحظة انفجار

ومع تزايد القبضة الأمنية التي اتجهت أيضا لرقاب الأقباط، بتكرار القبض على بعضهم بسبب آراء أو منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي وتوجيه اتهامات ازدراء الأديان أو إثارة الفتنة في المجتمع، "انتشر الخوف بين الجميع، وأصبح هناك قلق من الحديث ثم السجن. هناك مواقع تسير بتعليمات من الأمن، وأخرى لا تتلقى تعليمات ولكنها تخاف من الحديث عن قضايا المواطنة، فمع زرع الخوف في الناس يكسر القلم. وما حدث هو تراجع طوعي لكل المنحازين لقضية المواطنة، ومن يريد الكتابة فيستخدم الفضاء الإلكتروني، أما المقالات أو مساحات الصحف فأصبحت مغلقة".

ووفقا لحديث الصحفية حنان فكري، فإن مقالاتها حول المواطنة لاقت رفضاً من رؤساء تحرير صحف عدة من دون إبداء أسباب، ما يفسره في رأسها "الخوف"، وتواصل: "الأمن والحرية الآن يسيران في اتجاهان مختلفان، والحل هو سيرهما في طريق واحد مشترك"، فالحل من وجه نظر فكري هو "فتح طاقة نور للمعارضة لإمكانية التحدث، ومن هنا سيصبح الأمر سهلاً للحديث عن قضايا المواطنة والأقباط من دون خوف".

ويتفق معها الباحث إسحق إبراهيم، الذي يقول لرصيف22، إن الصحافة القبطية كانت متواجدة منذ أكثر من قرن، وكانت نشطة أثناء الحقبة الليبرالية في النصف الأول من القرن العشرين، "وبمرور الوقت اضمحلت وتراجعت واختفت باستثناء بعض الدوريات الكنسية المعنية بالشؤون الدينية فقط".

استمرار غلق المناخ ليس عن قضايا المواطنة فقط، ولكن عن القضايا الحقوقية بشكل عام، سيؤدي لمزيد من المشاكل، وتأجج المشاعر، مع لحظة انفجار

ويضيف إبراهيم لرصيف22، أنه خلال الفترة الأخيرة لحكم الرئيس مبارك، ومع ظهور المواقع الإلكترونية في بداية الألفينات، ظهرت كثير من المواقع القبطية كصوت المسيحي الحر، والأقباط متحدون وغيرها، واستغلت مناخ الحرية النسبي في التعبير عن هموم الأقباط، وأعقبها ظهور الفضائيات الدينية، إلا أن كثير من هذه المواقع أغلق أو تراجع دوره لأنها لا تعمل في الفراغ، فهي تتأثر بالمناخ السائد ومساحة الحركة المتاحة.

وتتفق فكري مع حديث الصحفي نادر شكري، في أن استمرار غلق المناخ ليس عن قضايا المواطنة فقط، ولكن عن القضايا الحقوقية بشكل عام، سيؤدي لمزيد من المشاكل، وتأجج المشاعر، مع لحظة انفجار.

شعرة رفيعة

يتفق كلا من الصحفي نادر شكري والصحافية والكاتبة حنان فكري، في أن الموازنة في الصحف القبطية بين المهنية وعدم الوقوع في فخ "التأجيج الطائفي" الذي تتهم به تلك الصحف والمواقع أحياناً، يمكن تحقيقه من خلال "نقل الحقيقة، ولكن دون الخوف من نقلها، فالخوف من نقلها قد يدفع جهات أخرى لنقل أشياء غير حقيقية، بدورها تساعد على التحريض والعنف الحقيقي".

ويعتقد الصحافيان أن "المؤسسات" – في إشارة للمؤسسات الأمنية في مصر- "لا تريد في الأصل الحديث عن الملف القبطي خوفاً من الدخول بتلك الدائرة". لكنهما يتفقان في أن "الخوف والبعد كلياً عن تناول الملف، سيدفعنا بشكل لا إرادي للوقوع في تلك الدائرة، والتي ستكون عواقبها غير محمودة على المجتمع وعلى تماسكه أيضاً".


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard