لن أنسى ما حصل وأنا في السادسة عشرة من عمري في سوريا

الاثنين 19 سبتمبر 202201:09 م

القناص: هل تعلم أنني أستطيع أن أصيب تلك الفتاة الواقفة على نافذة المطبخ في نصف رأسها؟
زميله بتهكّم: أرني إن استطعت.
أجل ربح القناص في تلك المبارزة هو وزميله في قتل فتاة بريئة داخل بيتها الذي كان بجوارنا ببساطة تامة.
هذا المشهد ليس في فيلم أو مسلسل أو اللعبة المشهورة (Gita).

إنه حقيقي شهدناه وسمعناه في دمشق، منطقة القاعة، التي كانت مطوقة من أعلى بناياتها بقناصين يوجهون بندقياتهم لداخل مخيم اليرموك.

إلى أين نذهب؟ ماذا سوف يحدث الآن؟ من المسؤول عن هذا كله؟ هل الآن انتهت الدنيا؟ هل هذا يوم القيامة؟

شبح الحرية قادم فهيّئ نفسك

12/12/2012

الساعة الثانية ظهراً يطرق الباب شخص من أقاربي. دخل وهو خائف، قائلاً: "هيا هيا وضبوا حقائبكم ساعة الصفر قد بدأت". لم أكن أعي فعلياً ما يقصد وأنا في السادسة عشرة. يمكن أن يخيل لك أن عمر السادسة عشرة من المفترض أن تكون واعياً ومدركاً على الأقل ما يجول حولك بشكل عام وما يجول في بلادك. ولكن، هذا لا يحدث في بلدٍ مثل سوريا حاكمتها عصابة جبارة لا تفرق بين طفل ورجل وامرأة. يولد الطفل فيها ويتربى على الكتمان والتخفي والتحفظ على أي شيء يخص السياسة خوفاً من تلفظه بأي كلمة في الشارع أو المدرسة كيلا يصبح هو وأهله في محل "خبر كان". 

يولد الطفل في سوريا ويتربى على الكتمان والتخفي والتحفظ على أي شيء يخص السياسة خوفاً من تلفظه بأي كلمة في الشارع أو المدرسة كيلا يصبح هو وأهله في محل "خبر كان"

لهذا، ألا تفهم شيئاً منذ الصغر تظل في منطقة الأمان على مبدأ "امشي الحيط الحيط ويا رب السترة". هذا الشعار يسري في بلادنا كيلا تفهم شيئاً. وتكبر وأنت لم تفهم شيئاً ولا تعرف شيئاً عن حقوقك حتى لا تدافع عنها.
في تلك اللحظات، ما كانت تنتابني إلا مشاعر الصدمة. ولكن، الجميع بدوا خائفين وسارعوا إلى توضيب الحقائب. دخلت إلى غرفتي وأول شيء فكرت فيه هو كتب الصف التاسع، ولا شيء غيرها.

الساعة خامسة فجراً. نظرت من نافذة المطبخ بحذر! وإذ بي أرى سرباً من الناس خارجاً سيراً على الأقدام. ماذا يحدث؟

ببضع ساعات أصبحت الناس تملأ بيتنا، وران الصمت في أركان الحي والمنزل. لا يوجد طعام ولا كهرباء. عتمة وبرد شديد يكاد يأكل أطرافنا ونحن نترقب...
الساعة إحدى عشر ليلاً. دخلت غرفة والدي، واستلقيت على الفراش منهمكة من البرد والترقب والخوف والقلق الذي لم يرحمني من الأسئلة التالية: ماذا سوف يحدث؟ ولماذا كل هذا يحدث؟ ولماذا نحن في هكذا بلاد؟ ولماذا بلادنا محرم عليها الكلام؟
وما إن أغمض عيني حتى توقظني أختي، قائلةً: نائمة! هيا استيقظي حان وقت الرحيل.

13/12/2012

الساعة خامسة فجراً. نظرت من نافذة المطبخ بحذر! وإذ بي أرى سرباً من الناس خارجاً سيراً على الأقدام. ماذا يحدث؟ ما الذي يجري في الخارج؟ أنْذَروا الناس بأن سوف يتم قصف المنطقة، بحسب ما قالت أمي.

هل يمكن أن أنسى وأمضي بسلام وكأن شيئاً لم يكن؟ هل علينا أن ننسى ذلك الظلم والقهر والتشرد الذي لم يرحم أحداً فينا؟ وأصمت كما اعتدنا الصمت منذ نعومةِ أظافرنا؟

خرجنا وبدأت رحلة الهجرة

خرجنا تاركين وراءنا منزلنا العربي الجميل. نظرت إليه من بعيد. وأنا تتخبطني مشاعر مختلفة. حزن وصدمة وسخط، متأملةً ذلك المنزل الحزين، وكأنه يعاتبني لماذا تركته وحيداً مع أشيائي وذكرياتي الجميلة بداخله في ساحة حرب.
نظرات الاستغراب والاستفهام. والآن، إلى أين؟
إلى أين نذهب؟ ماذا سوف يحدث الآن؟ من المسؤول عن هذا كله؟ هل الآن انتهت الدنيا؟ هل هذا يوم القيامة أم ماذا؟ كل هذه الأسئلة في داخلنا ولا إجابة.
لا تسألني كيف أمضيت أربعة شهور بعدما تم نَزْعُنا من منزلنا. كيف أمضيت النهار والليل خوفاً وأرقاً، إذ تراجعت حالتي النفسية أكثر. وخاصة بعدما أصبحت أعلم شيئاً مهماً جداً وهو أنني أعيش في بلد نظامها لا يكترث لبشر ولا لحجر، وأن حاكمها مستعد لأن يقضي على البشرية بأكملها فداءً لوجوده. أعيش في بلد قائم على كرسيه الثمين.
أنظر من نافذة الباص الذاهب فينا إلى بلاد الجوار التي لا أعرف خيرها من شرها تاركةً ورائي بلاداً لا يوجد فيها مكان يحتويني أنا ومستقبلي المجهول وأشيائي المحطمة

13/4/2013

أنظر من نافذة الباص الذاهب فينا إلى بلاد الجوار التي لا أعرف خيرها من شرها تاركةً ورائي بلاداً لا يوجد فيها مكان يحتويني أنا ومستقبلي المجهول وأشيائي المحطمة.
صامتةٌ وبداخلي مشاعر تجعلني أتقيأ من فرط الألم والصدمة. وأنا أنتظر الحافلة المتوقفة بنا على آخر حاجز عسكري تابع للنظام الذي لم يتردد يوماً في إذلالنا وتخويفنا من كلمتهم المعروفة: "انزل". لهذه الكلمة في سوريا التي تسمعها وأنت واقف على حاجز النظام معنى واحد وهو أنه: "راحت عليك".
لم أستطع أن أفسر وأحلل تلك المشاعر الغريبة التي كادت أن تجعلني أتقيأ امعائي الفارغة.
أعرف أن هذا الكلام قد يشعرك بالاكتئاب أو الملل. ولكن، مهما حاولت كلماتي إيصال مؤشر إلى ذهنك لتخيل صورتها يبقى الواقع أقسى، حيث إنني أبعد ما يمكن عن ترجمة تلك المشاعر الأليمة والغريبة بنفسية مضطربة في حالة الحرب واللجوء. 

أقوم بكتابة هذه الكلمات اليوم بعد عشرة أعوام. وأنا إلى الآن لم أنس يوماً واحداً مرارة أيام الحرب واللجوء

أقوم بكتابة هذه الكلمات اليوم بعد عشرة أعوام. وأنا إلى الآن لم أنس يوماً واحداً مرارة أيام الحرب واللجوء، حيث تتلخص تلك الدوامة التي مررت بها والمليئة بالظروف القاسية ما بين العيش في ظل الحرب وحالة اللجوء وصعوبة الإقامة في بلد عربي آخر. فمهما حاولت أن أقوم بشطب تلك الحقبة وحذفها من قاموس ذكرياتي، يصر عقلي الباطني على عدم نسيان تلك التجربة القسرية الصعبة. بالنهاية، تلك الذكريات ليست بالأمر السهل.

هل يمكن أن أنسى وأمضي بسلام وكأن شيئاً لم يكن؟ هل علينا أن ننسى ذلك الظلم والقهر والتشرد الذي لم يرحم أحداً فينا؟ وأصمت كما اعتدنا الصمت منذ نعومةِ أظافرنا؟ وكيف بي أن أنسى وأطمس الحق في الباطل، وألا يصدح صوتي عالياً عن عيشي تلك التجارب والقصص التي حدثت معنا وشكلت ندبةً في داخلنا؟
إلى الآن، ومع تردي الأوضاع في لبنان، ما زلت أعيش تلك الصراعات الممتدة طوال عشرة أعوام، وكأنه محتمُ عليِّ أن أعيش في دائرةٍ مغلقةً لا تعرف السلام يوماً. دوامة كلما حاولت أن أفتح باباً فيها جاء بي باب أعمق ومغلق أكثر وكأنه يجبرني على ألا أنسى.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard