أين لولدٍ في السادسة أن يجدّ مفرّاً؟… ذكرياتي عن الختان المتأخر

الأربعاء 14 سبتمبر 202201:06 م

بعد عهود طويلة من النكران والجحود، كان لا بد من الختان، كـ"أضحية" وعلامة للطاعة، دلالةً على الرضوخ البشري. فوفقاً لما يرد في سفر التكوين اليهودي، كانت سارة زوجة إبرام (إبراهيم)، قد شاخت هي وزوجها، وقد تعاظمت ثروتهما دون وريث لهما، لذا قامت لإدخاله على إحدى جواريها لينجب منها الوريث المأمول. كان الله أيضاً، يتطلع إلى إيمان إبرام، ليدخل معه وذريته من بعده في "عهد أبدي"، قوامه علامة تبقى في جسد كل ولد ذكر، وهو الختان. وعليه، كان لزاماً على إبرام أن يختتن ليتم ميثاقه مع الله باستئصال وبتر تلك الجلدة المسماة بـ"القلفة". فيقول الله لإبرام:"أنا الله القدير، سرّ أمامي وكُن كاملاً، فأجعل عهدي بيني وبينك، وأكثرك كثيراً جداً".

بالنسبة لليهود الذين يُعرفون بـ" أهل الختان"، كان قوس قزح هو علامة الميثاق الأول مع الله بعد الطوفان، ويأتي الطوفان تالياً، كعلامة أبدية في جسد كل مختتن كغفران لخطايا الإنسان الماضية، وبدء صفحة جديدة في مسيرة العلاقة مع الله. ويذكّر الله إبراهيم بمصير من لم يختتن من شعبه، قائلاً له:" أما الذكر الأغلف الذي لا يختتن في لحم غرلته فتقطع تلك الأنفس من شعبها، إنه قد نكث عهدي".

إسلامياً، يُعدّ الختان جزءاً من العقيدة الإبراهيمية التي يرتكز عليها الدين الإسلامي. وقد جاء الأمر الإلهي بغاية الوضوح في سورة النحل، الآية 123، "ثم أوحينا إليك أن اتّبع ملة إبراهيم حنيفاً". فهو كما يوضح حديث نبوي رواه مسلم: "اختتن إبراهيم- عليه السلام- وهو ابن ثمانين سنةً بالقدوم"، ويعدّه النبي محمد من أركان الفطرة الخمس إلى جانب الاستحداد، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب، كنوع من حصول الطهارة للمسلم، وتعديلاً للشهوة الجنسية المفرطة التي توجد لدى غير المختتن.

في أثناء حديث هاتفي مع صديقي، الذي أنجب حديثاً طفلاً ذكراً، قال لي إنه يفكر جدياً في عدم ختانه أو تطهيره، لأنه ببساطة، لا يؤمن بالخرافات الدينية والاجتماعية السائدة عن هذا الطقس الممارس منذ قرون طويلة

ذكرى مريرة

مؤخراً، وفي أثناء حديث هاتفي مع أحد أصدقائي المقربين، الذي أنجب حديثاً طفلاً ذكراً، قال لي إنه يفكر جدياً في عدم ختانه أو تطهيره، لأنه ببساطة، لا يؤمن بالخرافات الدينية والاجتماعية السائدة عن هذا الطقس الممارس منذ قرون طويلة. وأنه لا يُمكن في أي حال من الأحوال، أن تكون تلك الجلدة قطعةً زائدةً في أي حال. لكنه، ونتيجةً لحالة طبية ناتجة عن تضييق هذه الجلدة عند وليده الذي قد تؤثر صحياً عليه مستقبلاً، وتفادياً لشتيمة باردة قد ينالها من ولده البكر، اضطر تحت ضغط الطبيب ونصيحته إلى استئصالها بالختان.

أعادني هذا إلى يوم ختاني المشؤوم، وتذكرت تلك التفاصيل المؤلمة والطريفة التي حدثت لي فيها لأن عملية ختاني جرت متأخرةً نوعاً عما نعرفه اليوم. في محاولة لتهيئتي لهذا "العهد الإلهي الأبدي" السابق، كان لا بد من اختتاني. كنت في سن السادسة حينها، ولم تصل إلينا تلك التكنولوجيا (الختان بالليزر) التي ستساعد المواليد الذكور من بعدنا في عدم معاينة هذه التجربة القاسية، وتالياً، لا يتجاوز أي منهم العشرة أيام من ولادته حتى يكون قد تخلص من تلك الجلدة الزائدة عن الحاجة، وهو الذي "خلق الإنسان على أحسن تقويم"، والتي أضافها الله بشكل عبثي، من باب "لزوم ما لا يلزم"، وقامت الثقافة والدين بتصحيح هذا الاجتهاد الإلهي.

أعادني هذا إلى يوم ختاني المشؤوم، وتذكرت تلك التفاصيل المؤلمة والطريفة التي حدثت لي فيها لأن عملية ختاني جرت متأخرةً نوعاً عما نعرفه اليوم.

بالتأكيد لم أكن الولد الوحيد في حيّنا الذي سيتعرض لهذه العملية. كان المُطهّر أو (الصفوري: وهي التسمية الشائعة لمن يمارس هذه المهنة في بلاد الشام)، المدعو "أبو أحمد"، بمقصه أو بمشرطه الطبي، ذي الأشفار الحادة، هو التكنولوجيا المتوفرة وقتها، والذي يزور منطقتنا مرتين في العام للقيام بهذا "العرف المقدس"، مثار رعبنا وجزعنا في الليلة التي تسبق حضوره. لم أستطع النوم جيداً ليلتها، وأنا أفكر في ما سيحدث.

أما بالنسبة إلى أهالينا، فكان الأمر بمثابة "حفلة جماعية" تسبقها توجيهات الأهل بضروراتها كـ"شرط للإيمان"، وأحد شروط الطهارة الخمس التي أوصى بها النبي محمد، ولازمة من لزاوم الشهادة والإمامة المقبولة إسلامياً، ولأهميتها لصحتنا، خشية إصابتنا بأمراض خبيثة في حال بقائها، فغالباً ما يُوصف "غير المختون" بالقذارة والنجاسة. بالإضافة إلى تلميحات النسوة الساخرة والتهكمية مثل "رح يقصولو تبعو"، المترافقة بالقهقهات الخبيثة والإشارات الجنسية الفاضحة.

الهروب الفاشل

تغلب عليّ الخوف، وقررت الخروج من المنزل هرباً من مهرجان الطهور الذي انشغلت به الحارة بأكملها ابتهاجاً وسروراً وإعداداً لليوم المشهود. بالطبع، لم يكن هروباً كاملاً، فأين لولدٍ في السادسة أن يجد مفرّاً؟ سرعان ما انتبه أهلي لغيابي. وجدني أبي الغاضب وبدأ بنهري وتأديبي بعد مطاردة مضحكة. لم تكن استغاثاتي المتكررة "مشان الله" و"كرمال النبي" تجدي نفعاً. وجرّني جرّاً إلى بيتنا. كان المطهّر يتنقل من دار إلى أخرى، وما أن يتنهي من ختان أحد الأولاد حتى تنطلق الصرخات والزغاريد في آن واحد.

وجدني أبي الغاضب وبدأ بنهري وتأديبي بعد مطاردة مضحكة. لم تكن استغاثاتي المتكررة "مشان الله" و"كرمال النبي" تجدي نفعاً. وجرّني جرّاً إلى بيتنا. كان المطهّر يتنقل من دار إلى أخرى، وما أن يتنهي من ختان أحد الأولاد حتى تنطلق الصرخات والزغاريد في آن واحد

أحد الأولاد من فرط الرعب، وفي أثناء عملية الختان، بال جزعاً في وجه "أبو أحمد" المعروف بيده الخفيفة وحركته السحرية السريعة في استئصال "الجلدة الشيطانية"، فدخل إلى بيتنا متجهمّاً وغاضباً، شاتماً هذه المصلحة ومن يعمل فيها. أراد إنهاء العمل بسرعة. سرعان ما تجمّع الجيران وأبي لتثبيتي على المسند، فأمسك كل منهم بأطرافي بشدة لجعلي عاجزاً تماماً عن أي حركة. فأي خطأ أو حركة زائدة قد تؤدي إلى قطع جزء من قضيبي، هكذا أخبرني أحدهم ساخراً.

بعد عملية التثبيت اللعينة، أخرج المطهّر عدّته، وطُلب إليّ عدم النظر، وبدؤوا بمحاولة تسليتي وإشغالي لصرفي عن عملية القطع التي لن تتجاوز الثواني المعدودات، وأشاروا إلي برؤوسهم للنظر إلى أعلى، وهم ينشدون "شوف الحمامة فوق". بالتأكيد لم تكن هناك حمامة. سرعان ما شعرت بـ"سيالة" عصبية شديدة الألم تسري في عروقي، وأطلقت صرخةً كبرى لأسقط مغشياً عليّ من شدة الألم.

كانت أمي تقول: "جرحك لساتو طري"، مبتسمةً بخبث، وهو ما يجبرني على التمدد فاتحاً قدميّ منعاً لأي احتكاك بين عضوي وفخذي.

عورة مختونة ونفسٌ أمارة بالسوء

بعد حفلة الآلام المبرحة، استيقظت لأجد نفسي على السرير، مرتدياً عباءةً أو جلابيةً في الأغلب الأحيان، ولأجل الطرفة كانت نسائيةً، وعورتي ملفوفة بشاش، كما مُنعت من ارتداء أي سروال داخلي، لمنع أي احتكاك قد يؤدي إلى جعلي أنطح رأسي بالسقف من هول الألم. كانت أمي تقول: "جرحك لساتو طري"، مبتسمةً بخبث، وهو ما يجبرني على التمدد فاتحاً قدميّ منعاً لأي احتكاك بين عضوي وفخذي.

كانت تقوم يومياً، بتبديل الشاش، بعد مهرجان من النقع في الماء المالح. كان هذا الإجراء اليومي لمدة أسبوع، عذاباً إضافياً لا يجاريه عذاب، ثم تأتي بمستحضر تسميه "الدردور"، وتدهنه مكان الجرح لتسريع الاستشفاء المضني، وتلفّه بالشاش مجدداً.

بعد أسبوع العذاب ذاك، تعافيت وعدت إلى حياتي الطبيعية، ولكن بـ"جزء ناقص"، قد لا يكون مؤثراً للغاية سواء في حياتي الجنسية أو يخفف من الحساسية العصبية لأدائها على أكمل وجه، أو يضعف "الفحولة" ويمنع النشوة الكاملة، أو على ضروب النظافة الشخصية التي يمكن أن أمارسها من دون ختان.

بالنسبة لأهلي كان الأمر يمثّل لهم طقساً احتفالياً عُرفياً، يتبادلون بعده التهاني والتبريكات بطهور ولدهم البكر؛ أبي بابتسامة رضا، وأمي بزغرودة مدوية، إذ يعدّون أنهم قاموا بواجبهم الشرعي الذي يحتمه عليهم دينهم، فقد كانوا فخورين بذلك، وأيضاً كإجراء وقائي صحي خشية أن أتعرض لأمراض جرثومية مستقبلية. أما أنا، وكلما تذكرت الأمر، فقد كان أشبه بحفلة تعذيب شنيعة، حاولت التمرد والهروب منها دون جدوى، اليوم قد ألومهم ممازحاً وساخراً، متذكراً الإحراج الكبير لارتدائي تلك العباءة، وجلوسي بطريقة منفرجة خشية احتكاك عضوي المختون بلحم فخذي وصراخي ألماً نتيجة ذلك.

فالختان في النهاية إجراء لو صحّ، وهو "مختلَف عليه علمياً"، يجب أن يكون اختياراً شخصياً لا قسرياً، فأجسادنا كما عقولنا ورغباتنا وأفكارنا يجب أن تقع في حيز إرداتنا الحرة لا تحت وصاية الآخرين مهما بلغت صلتنا بهم

كشخص راشد، تقترن المسألة اليوم عندي بنوع من الاستبداد الأبوي والوصائية على "صحة العقيدة" التي يجب أن امتلكها، والجسد الطاهر الذي يجب أن يحتويني. لكن وللأسف فقد خذلتهم جميعاً، وبقيت بـ"عورة مختونة، ونفسٍ أمّارة بالسوء".

فالختان في النهاية إجراء لو صحّ، وهو "مختلَف عليه علمياً"، يجب أن يكون اختياراً شخصياً لا قسرياً، فأجسادنا كما عقولنا ورغباتنا وأفكارنا يجب أن تقع في حيز إرداتنا الحرة لا تحت وصاية الآخرين مهما بلغت صلتنا بهم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard