شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

غيّروا، لا تتأقلموا!
على "جسر الملك حسين"... حين يتحوّل السفر إلى كابوس

على "جسر الملك حسين"... حين يتحوّل السفر إلى كابوس

مدونة

الجمعة 25 نوفمبر 202204:52 م

حقيبة سفر سوداء اللون وصلت عن طريق الخطأ إلى بيتي كانت بداية علاقتي مع جسر الملك حسين، حدث هذا في فترة مبكرة من زواجي، فقد وصل زوجي إلى بيتنا في عمان وبعدما فتح حقيبته فوجدنا فيها ما يوحي بأنها لامرأة. تواصلت مع إدارة الجسر وأخبرني أحدهم أن صاحبة الحقيبة تنتظر وهناك عدة حقائب ربما تكون بينها حقيبة زوجي.

في طريقنا إلى الجسر شعرت أنني عدت في الزمن إلى ما قبل اختراع الطائرة، وبدأت تتداخل القصص التي رويت لي في الطريق عن ضياع الحقائب وقلة التنظيم على الجسر مع المشاهد الأخرى التي حضرت في خيالي لنساء ورجال فقدوا حقائبهم فخسروا تذاكر الطيران وفقدوا أموالهم وتعطلوا عن إجراء معاملاتهم الحكومية، ثم استبدلت كل هذا بحدث حقيقي أكثر تأثيراً علي؛ فقد خسرت أربع ساعات من أصل 48 ساعة أقضيها مع زوجي بين فترة وأخرى بسبب إقامته وعمله في فلسطين وعدم تمكننا من اللقاء إلا في فترة العطل.

لا يصل المسافر من فلسطين إلى الأردن عبر جسر الملك حسين سعيداً، مثلما يحدث مع المسافرين عادة، بل يصل منهكاً، منزعجاً، غاضباً من تعب ملفّق للفلسطيني، ونقمة على إجراءات بدائية، وغير إنسانية تعاد في السفرة الواحدة ثلاث مرات، الأولى عند النقطة الفلسطينية والثانية عند النقطة الإسرائيلية والثالثة عند النقطة الأردنية.

لا يصل المسافر من فلسطين إلى الأردن عبر جسر الملك حسين سعيداً، مثلما يحدث مع المسافرين عادة، بل يصل منهكاً، منزعجاً، غاضباً من تعب ملفّق للفلسطيني، ونقمة على إجراءات بدائية، وغير إنسانية تعاد في السفرة الواحدة ثلاث مرات

عكس كل النقاط الحدودية في العالم، السفر من فلسطين إلى الأردن وبالعكس له ساعات دوام محددة، وأيام عطل محددة، وإغلاقات بسبب الأعياد والتصليحات، وأخرى بسبب المزاج الإسرائيلي الذي يمنع الفلسطينيين من السفر دون مبرر أصلاً؛ عدة مرات لم يستطع زوجي الوصول إلى عمّان لأن الحافلات امتلأت بالركاب ولم يبق له ولكثيرين غيره مكان، ومرات أخرى لم يصل لأن الاكتظاظ الخانق خلال فترة انتهاء العطلة الصيفية منعه، ومرات أخرى كان يصل وقد أغلق الجسر وتوقفت حركة السفر، حتى صار يوم السفر من فلسطين وإليها هو أحد كوابيس الزواج من فلسطيني.

ساءت تجربتي مع الجسر في فترة كورونا، فقد تم إغلاق جسر الملك حسين مدة عشرة أشهر، ثم فُرضت إجراءات أردنية صارمة وغير مفهومة وكأنها عقاب على كل من يفكر في السفر من فلسطين إلى الأردن، وصار للسفر إلى الأردن منصة على الفلسطيني تسجيل بياناته عليها وحجز موعد سفر، ثم دفع مبلغ 41 دولاراً ثمن فحص كورونا في الأردن، بالإضافة لشرط القيام بفحص كورونا في فلسطين، وفي تلك الفترة كانت تكلفة الوصول من فلسطين إلى الأردن تتجاوز 200 دولار.

لا داعي لشرح أسباب حاجة أحدنا إلى الآخر بعد سنة من الحرمان من حق إنساني طبيعي وبدائي، ومع لحظة إطلاق منصة السفر فتحت حاسوبي وبدأت أسجل بيانات زوجي، وأقوم بتعبئة خانات معلومات كثيرة غير مفيدة على الإطلاق، ثم أُقفلت المنصة في وجهي لأن الوقت نفد.

في طريقنا إلى الجسر شعرت أنني عدت في الزمن إلى ما قبل اختراع الطائرة، وبدأت تتداخل القصص التي رويت لي في الطريق عن ضياع الحقائب وقلة التنظيم على الجسر مع المشاهد الأخرى التي حضرت في خيالي لنساء ورجال فقدوا حقائبهم فخسروا تذاكر الطيران وفقدوا أموالهم وتعطلوا عن إجراء معاملاتهم الحكومية

تفتح المنصة يوماً واحداً في الأسبوع لمدة تراوح بين خمس دقائق وثلاثين دقيقة، دون قيام الحكومة الأردنية بإعلان الموعد الذي ستفتح فيه المنصة، وقد فشل غالبية الناس في حجز موعد سفر، ونجحتُ بعد جهد جهيد في تسجيل موعد سفر، وكان نجاحاً أدافع فيه عن كرامتي أولاً، ثم كرامة زوجي وبيتنا، فقد حاولت التسجيل مرات عديدة وفشلت، وأخيراً وصلت لي رسالة قبول.

عدد مهول من الناس تعطّل سفرهم بسبب المنصة، ولأن التجارة شطارة و"الأعمى دبّه إنت مش أرحم من ربه"، صار للمنصة مكاتب سمسرة في فلسطين يطلبون من المسافر 100 دولار مقابل حجز موعد سفر له عبر المنصة متأكدين من أن الفلسطيني ليس لديه ترف الخيارات، وعليه أن يدفع مبالغ مضاعفة مقابل الحصول على أبسط الحقوق، ولأسباب قاهرة وجراء الضرر الناجم عن ذلك النهج قام بعض الأشخاص بإنشاء مجموعات فيسبوك تُعنى بشؤون وأخبار المسافرين من الأردن إلى فلسطين؛ إذ نشروا فيها مواعيد فتح المنصة، وسربوا معلومات عن التواريخ المتاحة للسفر، فضلاً عن تقديمهم إجابات شافية لكل سؤال يتعلق بالسفر. شخصياً لم أحصل على معلومة خاطئة من هذه المجموعات التي وصل عدد الأعضاء في واحدة منها إلى ما يزيد عن 100 ألف مشترك وما لا يقل عن 60 ألفاً في بقية المجموعات، وبفضل تلك المجموعات أصبحت المسؤولة عن التسجيل عبر المنصة لأصدقائي وأهل أصدقائي، ولبعض زملاء/ زميلات زوجي ممن لا أطيق لهم أن يدفعوا مبالغ مجنونة لأجل لا شيء، أو تحديداً لأجل قلة إنسانية الكون في تعامله مع الفلسطيني.

ثمة سر في ثقتنا كأعضاء مشتركين في هذه المجموعات في المعلومات التي تنشر عبر المجموعة كونها ليست من مصدر رسمي، علماً أن هناك صفحة رسمية عنوانها "الادارة العامة للمعابر والحدود" تنشر الأخبار الرسمية عن كل ما يتعلق بالجسر، ولديها ما يزيد عن 200 ألف مشترك، إلا أن تفاعل الأعضاء في المجموعات غير الرسمية وثقة بعضهم ببعض جاءت بسبب حاجة الفلسطيني إلى أكثر من خبر رسمي حول ساعات الدوام وأيام الإغلاق والتحديثات في قوانين السفر، هناك حاجة لمساعدة حقيقة خلال السفر قائمة بناء على تجربة حديثة، ففي كل مرة يفقد فيها المسافر حقيبته ينشر معلوماتها على المجموعة ويساعده الناس في الوصول إلى صاحبها دون الدخول في الإجراءات الرسمية المعقدة التي تستهلك وقتاً طويلاً من أناس محتلين مسلوبي الوقت بطبيعة الحال.

وصلت إلى جسر الملك حسين كمسافرة وقد حفظّني زوجي مراحل السفر، لكن التجربة أصعب مما يصفها المسافر الخبير، فقد وصلت إلى قاعة المسافرين في الأردن وأنا متعبة من حوار مزعج مع سمسار الحقائب الذي أخذ حقيبتي ورماها في مكان لا أعرفه، ثم وقفت في طابور طويل فيه تفتيش وانتظار في مكان غير مناسب ليكون قاعة بشرية، ثم ركبت في الباص ووصلت إلى النقطة الإسرائيلية وبعد وقت طويل سُمح لنا أن ننزل من الحافلة، ووقفت في طابور أصحاب التصاريح، وقام ضابط باستجوابي حول سبب دخولي إلى فلسطين، وبعد انتظار مدة 4 ساعات عند المحقق صار قريباً من مخيلتي أن أحدهم سيعيدني إلى الأردن، لكنهم أعادوا لي أوراقي وسمحوا لي بالدخول، وانتقلت إلى النقطة الفلسطينية لأبحث عن حقيبتي التي رُميت بين كومة حقائب وتكسّرت عجلاتها، وتلفت بعض محتوياتها.

من وجهة نظر إسرائيل أنا مقيمة غير شرعية، لم أحصل حتى الآن على لم الشمل، لذا لا أغامر في مشوار من رام الله إلى بيت لحم أو نابلس أياً كان السبب، لأن هناك حاجزاً إسرائيلياً مقيتاً، وإن اكتشف الجنود أمري فسأرحّل إلى الأردن أو سأسجن لديهم. هناك آلام يمكن لنا فهمها والتعامل معها، لكن ما يحدث في فلسطين من الاحتلال ومن صمت العالم عن انتهاكاته وتدخله في اليومي المعاش للفلسطينيين ألم لا يمكن فهمه أو التأقلم معه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard