الفنان الذي يعبّر عن رأيه بلا مساومة يعرف أنه سيدفع الثمن… محمد عطية نموذجاً

الجمعة 9 سبتمبر 202202:40 م

في هذه الأيام، ليس هناك أكثر من القضايا الكبرى والحقوق التي تضيع في زحام تصريحات و"هري" مناصريها والمدافعين عنها. ترتد آراء هؤلاء إلى صدورهم لتطعن القضية في لبّها، وهي في الأساس لا تحتمل الطعن. وتتحول قضية حقيقية تهمّ المجتمع والأسرة، مثل حقوق الزوجة والأم في القانون والشرع، إلى تراند "المرأة مش ملزمة".

وفيما تُقتل الفتيات في الشوارع لرفضهن الارتباط بأحد الشبان، ويجد القاتل من يدافع عنه، أو يُقتلن على يد ذويهن بدعوى "الشرف"، ولا يستطيع الشباب التعبير عن مشاعرهم إلا في الخفاء لو استطاعوا إلى المشاعر سبيلاً، وغيرها من القضايا المجتمعية التي تؤرق الجميع، يخرج المطرب المصري، محمد عطية، في لقاء تلفزيوني، ليتكلم بجرأة عن "زواج المساكنة"، كونه الحل الأمثل من وجهة نظره لمواجهة المشكلات الأسرية والطلاق، لا سيما مع ارتفاع معدلات الطلاق في بداية الحياة الزوجية، حسب الإحصاءات المصرية الرسمية.

يرى عطية في "زواج المساكنة" حلاً، لأنه يفضّل "شخصياً" أن يعرف إن كان هناك توافق جنسي بينه وبين من يختارها شريكة حياته، أو لا.

يقوم "زواج المساكنة" على علاقة زوجية كاملة من دون أي أوراق رسمية، ويعيش الطرفان في منزل واحد ويلتقيان في أوقات محددة، ويمكن بعدها أن يعود كل منهما إلى منزله أو منزل أهله.

بالعودة إلى تصريح عطية، فهو يرى في "زواج المساكنة" حلاً، لأنه يفضّل "شخصياً" أن يعرف إن كان هناك توافق جنسي بينه وبين من يختارها شريكة حياته، أو لا. وأكمل وجهة نظره على صفحته الرسمية رداً على أحد المعلّقين قائلاً: "في جميع الأديان لم تكن هناك عقود للزواج. العقود عرف مجتمعي. والأصل في الزواج الإيجاب والقبول والإشهار، ولذلك الرفض الحاصل هو جهل بالدين، وتقيّد بأعراف قد تنزعج منها خالتي وخالتك وأصحابك على القهوة".

تحوّل تصريح عطية هذا إلى "تراند" آخر، لمهاجمته وتكفيره والمطالبة بمحاكمته، بحجة محاولته هدم ثوابت المجتمع والإساءة إلى الإسلام. وفي المقابل، خرجت حملة مضادة لدعم الفنان من "الفانز" على صفحته الشخصية، ومن تيار المدافعين عن الحريات والحقوق الشخصية في مصر.

في المقابل، لم يلتفت أحد من المهاجمين إلى ما أدلى به عطية من تصريحات عن رفضه عقوبة الإعدام في مصر مثلاً، أو كلامه عن حقوق المرأة المهدورة في منطقة الشرق الأوسط، والتحكم بأفكارها وملابسها، والحجر على رأيها وحقها في الاختيار، وربط شرف الأنثى بغشاء البكارة، ورفضه تعدد الزوجات، ضمن تصريحات مستنيرة ومنفتحة للفنان، على النقيض من تيار كبير من الفنانين الذين يخشون غضب الأصوات الرجعية على وسائل التواصل الاجتماعي، ويحاولون عدم الاقتراب من أي تصريحات تجرح مشاعر الجمهور المحافظ. فعطية قام بخطوة تختلف عما يقوم به المنتمون إلى المجالين الفني والغنائي، الذين يرون أن الفن حرام، وينتظرون أن يمنّ الله عليهم بالتوبة. أدعو الله صادقاً أن يعجّل في توبتهم ويرحمنا.

في المقابل، لم يلتفت أحد من المهاجمين إلى ما أدلى به عطية من تصريحات عن رفضه عقوبة الإعدام في مصر مثلاً، أو كلامه عن حقوق المرأة المهدورة، والتحكم بأفكارها وملابسها، والحجر على رأيها وحقها في الاختيار، وربط شرف الأنثى بغشاء البكارة، ورفضه تعدد الزوجات

ماذا يريدون من عطية؟

إن أزمة محمد عطية، مع قطاع عريض من الجمهور، تتلخص في تجربة ستار أكاديمي التي اشترك فيها وشكلت أول ظهور له، وكانت أولى برامج المعايشة الواقعية العربية، واشترك فيها عدد من شبان الوطن العربي وشاباته، الذين تعايشوا تحت سقف واحد ترصدهم الكاميرات طوال اليوم وعلى مدار موسم كامل.

البرنامج كان بمثابة صدمة للجمهور المحافظ، بالرغم من نجاحه بين فئة المراهقين، وحصل "عطية" على اللقب في نهاية الموسم، إلا أنه نال ما نال من شتائم وتحقير وتنمّر من مصريين، والتصقت التجربة باسمه وكأنها لعنة، وقطعاً ظلم للفنان أن يتم الحكم عليه من خلال تجربته في البداية، مهما كانت سيئةً أو ناجحةً.

بالرغم من سخرية عطية من نفسه، ومن بداياته في هذه التجربة، إلا أن الجمهور لم ينسَ له ذلك، لا سيما أنه لم يكفّر عن جرأة البدايات "وإسفافها" من وجهة نظر الجمهور، وفي الوقت نفسه لم يقدّم عطية فروض الطاعة للجمهور المحافظ ويهادنه في مسألة الشكل الذي يظهر به أو الكلام الذي يقوله والآراء التي يتبنّاها، فحتى في الآراء السياسية هو يتبنى وجهة نظر معارضةً لسياسة الدولة الرسمية، مما يزيد سهام النقد والتحريض والشتائم التي تطفح من تعليقات المتابعين لحساباته على فيسبوك وتويتر، إذ يعدّها البعض أنها الهدف الذي يسعى إليه عطية من تصريحاته، وقصصه الشخصية كل فترة، ولإثارة الجدل فقط والبحث عن "ركوب التراند"، وهي وجهة نظر لا يمكن أن نعوّل عليها هنا، لأنها تدخل في نطاق "الهري"، كما يسميها متابعو التراند.

في الوقت نفسه لم يقدّم عطية فروض الطاعة للجمهور المحافظ ويهادنه في مسألة الشكل الذي يظهر به أو الكلام الذي يقوله والآراء التي يتبنّاها، فحتى في الآراء السياسية هو يتبنى وجهة نظر معارضةً لسياسة الدولة الرسمية

محمد عطية، ابن "ستار أكاديمي" الذي نضج بسبب ثورة 25 كانون الثاني/ يناير في مصر، مثلما نضج جيل بأكمله، وتغيرت أفكار عطية واهتماماته من بعدها، وانتقل من مجرد "نموذج دعائي" لشاب مصري صغير لا يفكر سوى في الرقص والغناء والموضة، اجتمعت أطياف المجتمع على مهاجمته، إلى مشروع فنان واعٍ بقضايا مجتمعه السياسية والاجتماعية، ويعبّر عن رأيه بكل صراحة وجرأة، حتى لو لم يطرح هذه الأفكار والموضوعات على المستوى الفني لأعماله لاحقاً وحتى الآن. وبالرغم من تأثير الثورة والتكنولوجيا على مستوى الغناء والفن، وميلاد تجارب موسيقية مختلفة وجديدة واعدة، إلا أنه بقي "مكانك سر". وهذه قصة يمكن سؤاله عنها في سياقات فنية.

محمد عطية، ابن "ستار أكاديمي" الذي نضج بسبب ثورة 25 كانون الثاني/ يناير في مصر، مثلما نضج جيل بأكمله، وتغيرت أفكار عطية واهتماماته من بعدها.

أبعاد التصريحات

في المقابل، نجح عطية في منطقة أخرى بجوار الفن والموسيقى، وتميّز فيها أكثر وأصبح له جمهور وسط طبقة من شباب "الكومباوندات" العصري المنفتح على الثقافات الغربية، والمؤمن بالعلم والحريات والحقوق والمساواة، وهو جيل ينتمي إلى بقايا الطبقة الوسطى التي تآكلت تماماً في مصر، وهي طبقة ينتمي إليها عطية، وبينهم من يمكنه أن يستوعب ثقافة العيش المشترك بين رجل وامرأة من دون زواج، ولا يسعون إلى شرعنة الفكرة، وتحويلها إلى "مساكنة" في الشرع، وكأنه لباس بحر "بيكني"، تحوّل إلى "بوركيني"، ليصبح شرعياً وويصبح ارتداؤه حلالاً.

والأزمة الأكبر، أن التصريحات جاءت عبر لقاء تلفزيوني، لذا وصلت إلى جمهور مختلف عن متابعي صفحته، ما يعني أنك تطرح الفكرة للنقاش مع تيار آخر أغلبه يسعى إلى فرض الرقابة الأخلاقية، ومحاكمة كل مخالف، وهو تيار محافظ في الغالب لديه من الأزمات في العلاقة الزوجية ومشكلات الأسرة ما يكفيه. جزء كبير من الشعب يخوض حرباً ضروساً موزعةً على جبهات عدة بين المنازل ومحاكم الأسرة، ومنصات التواصل وصفحات الحوادث، وبين شلال الفتاوى والتصريحات من شيوخ وفقهاء لا عدّ لهم ولا حصر، يتكلمون عن واجبات الزوجة وحقوق الزوج، ومستشاري العلاقات الزوجية في القنوات والبرامج والمنصات التي "تعلك" ليلاً نهاراً في خطط المرأة الناصحة وطرائقها للحفاظ على بيتها وتدليع زوجها وتقديم كل شيء له ليرتاح ويتركها في حالها. وكل ذلك لوضع قواعد العيش السلمي المشترك بين الزوجين.

من الطبيعي أن هذا الأمر سيكون فرصةً مناسبةً لتيار آخر أخطر، يصيح ليلاً نهاراً على منصات التواصل الاجتماعي عن المؤامرة التي يحيكها العالم ليدمر الشباب المسلم وبلاد المسلمين. وعطية وأمثاله من هؤلاء الساعين إلى تدمير المجتمع ببث الأفكار السامة، حسب رأي هؤلاء

من الطبيعي أن هذا الأمر سيكون فرصةً مناسبةً لتيار آخر أخطر، يصيح ليلاً نهاراً على منصات التواصل الاجتماعي عن المؤامرة التي يحيكها العالم ليدمر الشباب المسلم وبلاد المسلمين. وعطية وأمثاله من هؤلاء الساعين إلى تدمير المجتمع ببث الأفكار السامة، حسب رأي هؤلاء، وما يصطادونه من تصريحات أو شطحات -وهي كثيرة- لمن يخالفهم الرأي وأسلوب حياتهم وقيمهم المجتمعية، سواء عطية أو غيره، يقومون بنصب سيرك له: "شوف العلمانيين عايزين يعملوا إيه في الدين؟"، و"أترضاه لأختك يا عطية؟". وهذا ما يقودنا في كل مرة إلى منطقة "الهري"، كما قلنا سابقاً، وكأنها حلقة مفرغة من الـ"ولا حاجة". الخاسر الوحيد هو القضية الأساسية والحقوق التي من المفترض أنها كانت أصل النقاش. لكن أي حقوق وأي نقاش يا "عطية"؟ كأنك تقول إن حل المشكلة السكانية والأزمة الاقتصادية هو تبنّي "اللا إنجابية"!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard