علياء أبوخضور: "أنا فنانة أنتمي للكرة الأرضية وليس لألمانيتي ولا لسوريتي"

الأحد 4 سبتمبر 202212:48 م

"لم أشارك في الثورة مشاركة حقيقية، كنت أحلم بالحرية وبغد أفضل، وكنت أكتب منشوراً هنا وآخر هناك على فيسبوك وأنا خائفة على أهلي، لأن الخوف مزروع فينا نحن كسوريين/ات ولا نستطيع إلغاءه، ونمارس دوماً المراقبة الذاتية".

كان هناك حلم وأمل، كما كانت خطتي أن أعود إلى بلدي بعد استكمال دراستي، وأن أنضم للكادر الأكاديمي في الجامعة، ولكن بعد تطورات الوضع في سوريا، انهارت هذه الخطة، وأصبحنا نفكر في البقاء وفي أنفسنا كألمان/نيات، وتصالحت مع فكرة أن ألمانيا هي بلدي الثاني، وبلدي الوحيد الذي أستطيع العيش فيه، وليس هناك مجال للعودة للبلد الأم".

لوحة للفنانة علياء أبو خضور 

هكذا تحدثت الفنانة السورية علياء أبو خضور عن قرارها المصيري بالبقاء في ألمانيا، التي كانت تقيم فيها لتحضير رسالة الدكتوراه في تاريخ الفن في جامعة “كارل فون أوسيتسكي” في مدينة أولدنبورغ، وكيف أن الثورة شكلت حلماً وذهولاً لديها، وغيرت مسار حياتها من كونها أكاديمية في تاريخ الفن والتصميم الداخلي ومهندسة ديكور، إلى فنانة ورسامة illustrator معروفة على مستوى البلدان التي تتحدث الألمانية وبعض البلدان العربية ولا تزال تسعى للانتشار أكثر.

وُلدت "أبو خضور" في دمشق، وتخرجت من كلية الفنون الجميلة، اختصاص العمارة الداخلية، انتقلت إلى ألمانيا لاستكمال الدراسات العليا، فعملت في عدة مشاريع تحت إشراف المؤرخ الفني البروفسور “ديتلف هوفمان”، مما وفر لها فرصة الاحتكاك الأول مع عالم المتاحف الأوروبية والفن المعاصر.

لوحة للفنانة علياء أبو خضور

تغيير المسار

تتحدث أبو خضور لرصيف22: "عندما أصبحت أطروحتي للدكتوراه تقريباً جاهزة، بدأت الثورة السورية، فتركت كل شيء والتفت إليها، بعدها انتقلت لمدينة "كاسل" وهناك أصبحت أماً، وتوفي البروفيسور المشرف على رسالتي، وبسبب البعد الجغرافي عن الجامعة، والتلكؤ من البدء مع بروفيسور جديد، قررت التوقف، وتوجهت للفن الذي هو شغفي وأشعر بأنني دائماً أدور حوله ولا أواجهه".

"أحسست أن الفن هو الطريق لتحقيق ذاتي، وكنت محظوظة لأنني منذ بدأت بنشر أعمالي التي تحتوي على فانتازيا وسوداوية، لفتت هذه الأعمال متحف "عالم غريم" الألماني، فحصلت على فرصة للعرض هناك"

وتضيف: "تسببت الثورة لنا بحالة من الذهول، لم نتوقع ما حدث، كان أمراً يشبه الحلم، تابعنا ما حدث في مصر وتونس باهتمام كبير، أتذكر كيف كنت جالسة في مكتبة الجامعة وأيقنت أنه ليس لدي القدرة على التركيز في شيء آخر، فقد كل شيء آخر قيمته، كنت حينها أكتب مشروع الدكتوراه عن المساحات المفتوحة في المدن، وأناقش أعمالاً فنية وتماثيل في المساحات المفتوحة، فيما فكرة الفضاء العام في العالم العربي غير متوفرة لأنها مرتبطة بفكرة الديمقراطية وقدرة الناس على التجمع في ساحة عامة، وهذا ما جعلني أنظر لبحثي بأنه منقوص ولا يعبر عما أريد قوله".

تفصح أبو خضور أن مشروع الفنانة تبلور في الغربة، تحديداً بعد أول محاولة رسم كانت راضية عنها في العام 2015، فمنذ سبع سنوات فقط بدأت بتقديم نفسها كفنانة: "رغم أنني أعلم إنني شخص مبدع طوال عمري". كما قالت.

وتواصل: "أحسست أن الفن هو الطريق الوحيد لتحقيق ذاتي، وكنت محظوظة أنني منذ بدأت بنشر أعمالي التي تحتوي على فانتازيا وسوداوية، لفتت هذه الأعمال متحف "عالم غريم" الألماني، فحصلت على فرصة للعرض هناك، وكانت أول مشاركة لي عبر 20 عملاً، تم نشرها ضمن مطبوعة توزع في البلدان الناطقة باللغة الألمانية، ومنها بدأت التعاون مع هذا المتحف حتى اليوم، ضمن العديد من المشاريع".


لوحة للفنانة علياء أبو خضور

وتصف أبو خضور كونها رسامة illustrator أنها شخص موجود بين النص وبين الصورة. "وهذا ما يسمح لي بأن أكون في عدة مشاريع ليس فقط كفنانة مرئية، ولكن لدي القدرة على ترجمة النص لصورة، ويعود ارتباطي بهذه العلاقة بين النص والصورة لطفولتي، فكان والدي كاتباً وصحافياً، وكنت أجلس تحت مكتبه، وأقلب الكتب في مكتبته بلغات متعددة، وهنا كان التواصل الأول لي مع الصورة ضمن النص، وليس عبر متحف أو معرض فني، كان الرسم يعبر عن فكرة، عن نص، عن رسالة معينة".

وتشير إلى أن فن ال Illustration مطلوب اليوم، فوسائل التواصل الاجتماعي خلقت الحاجة إلى الصورة لربطها بالنص وعدم الاكتفاء بالنص وحده".

تجربة دوكيومنتا

بدأ مشروع دوكيومنتا في العام 1955، عندما أنشأه الفنان "آرنولد بوده" في مدينة "كاسل" الألمانية، بهدف العودة إلى الفن الألماني في فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، وقد بدأ كمحاولة لإصلاح العلاقة بين ألمانيا والعالم، وإعادة السمعة الجيدة للفن المعاصر الذي كان النازيون يطلقون عليه مصطلح الفن الرديء، وقد أصبح اليوم مهرجاناً يقام كل خمس سنوات ويعرض أعمالاً متنوعة في 30 موقعاً للعرض، يشارك فيه آلاف الفنانين/ات من كل العالم.

"كان والدي كاتباً وصحافياً، وكنت أجلس تحت مكتبه، وأقلب الكتب في مكتبته، وهنا كان التواصل الأول لي مع الصورة ضمن النص، وليس عبر متحف أو معرض، كان الرسم يعبر عن رسالة معينة". علياء أبو خضور

بدأت علاقة الفنانة السورية "علياء أبو خضور" مع هذا المشروع في دوكيومنتا 14، عبر عملها كوسيط فني، تقوم بالبحث والدراسة ومقابلة الفنانين/ات والقراءة حول الأعمال الفنية، ومن ثم تقديمها للجمهور الزائر للموقع، وتقول عن ذلك: "يستقطب دوكيومنتا فناً ليس مفهوماً لأغلب الناس، لذلك فإن مهمة الوسيط هي إيصال فكرة لا يمكن لنص مكتوب بجانب العمل أن يوفرها".

وتوضح أن عملها على أطروحة الدكتوراه أسس لهذه المعرفة في مجال تاريخ الفن كمؤرخة، فالبروفيسور الذي أشرف على الأطروحة ساعدها لوضع أولى خطواتها في طريق المتاحف، وكيفية تشكيل أفكار المعارض والمتاحف من خلال البحث، وبناء المراحل للوصول إلى المعرض النهائي، مما سهل عملها كوسيط فني تركز تقريب الفن من الجمهور وزائري المعرض، من خلال بحث مكثف وتصميم منهاج خاص يهدف إلى إقامة علاقة خاصة بين الجمهور والأعمال الفنية، وتطوير طرائق تعليمية تجريبية.

وعن تجربتها في دوكيومنتا 15 بشكل خاص تقول: "كفنانة تعيش في الغربة، أستطيع أن أفهم الكثير من الأعمال والمواضيع وأحس بارتباط معها في مهرجان هذا العام، فمن خلال ممارسة الفن والاحتكاك بتاريخ الفن أحاول أن أثبت أن صناعة الفن وصناعة تاريخ الفن يمكن أن يتعايشا في ديناميكية ناجحة".

لوحة للفنانة علياء أبو خضور 

علياء أبو خضور، هي الوسيط الفني لتسعة مواقع من أصل 30 موقعاً للعرض، وتضم هذه المواقع أعمالاً ضخمة وفيها الكثير من البحث من كل العالم الجنوبي. "هو عمل ضخم ومرهق، ولكن الجولة ممتعة مع الجمهور". حسب ما قالت.

وأبدت أبو خضور إعجابها بدوكيومنتا 15: "نسفت هذه النسخة من المهرجان الكثير من الأفكار، وأعطت المساحة الكاملة لأشخاص من العالم الجنوبي، في معرض غير منصاع للأجندات الغربية والنظرة المركزية الأوروبية، فأتى بأفكار جديدة بشكل غير متعال ومغرور ولم يقدم فناً نخبوياً، ولكنه اندمج مع الناس وفتح الباب بكثير من الكرم للعديد من الفنانين، وأعطاهم صوتاً، وعامل الغرباء بحب، بعيداً عن الماضي الاستعماري الذي يتضمن الانتهاز والاستغلال".

أبدت أبو خضور إعجابها بدوكيومنتا 15: "أعطت هذه النسخة من المهرجان  المساحة الكاملة لأشخاص من العالم الجنوبي، في معرض غير منصاع للأجندات الغربية والنظرة المركزية الأوروبية".

تضم نسخة هذا العام من المهرجان 1500 فنان وفنانة، قدموا أعمالهم/ن بفكر جماعي وكمجموعة، مما أخفى نجومية الفنان الواحد ووضع الفريق في المقدمة، كما ألغى فكرة الأعمال القادمة من معارض فنية ومتاحف بأسعار خيالية، وكرس الفكرة التي تدعم أن تكون الأعمال لخدمة المجتمع وليس هدفها ربحياً فقط. كما تقول علياء، وتضيف: "هذه النسخة من دوكيومنتا ستغير مستقبل التفكير في مجال الفنون والعروض، فلم تنصَع للمؤسساتية، كانت ثورية حقاً، وأنا فخورة أنني أعمل معها".

الأعمال الخاصة

عملت أبو خضور على مدى السنوات الماضية على دراسة العوالم بين الخيال والواقع، تقول: "الفكرة الأساسية لمحتوى لوحاتي وأعمالي هي خلق مشهد قد يبدو عادياً من الحياة اليومية في الوهلة الأولى، لكن عنصر المفاجأة يبرز في الصور بطريقة غير متوقعة".

وتضم أعمال الفنانة علياء عدة موضوعات منها، الإنسان والطبيعة والمشاهد اليومية، وتجمع بين التقنيات اليدوية والرسم في أعمالها، كما تعمل مع مجموعة متنوعة من الوسائط. وقد وبدأت مؤخراً تعتمد على تقنيات الديجيتال، وشاركت في العديد من المعارض في أوروبا، وقامت بنشر أعمالها بعض المتاحف والمؤسسات الثقافية والمجلات والمنظمات غير الحكومية في شكل مطبوع ورقمي وفي سياقات مختلفة محلياً ودولياً.

تؤكد أبوخضور: "الـ illustration هي بذاتها أعمال نفسية، وبالإمكان عرضها بعيداً عن النصوص التي ترافقها وتبقى ذات معنى ورسالة، فعادة ما يكون لدي مساحة الحرية الكاملة في أعمالي، وجميعها تولد من بنات أفكاري، ولم أساوم قط على فكرة من أفكاري، أو على قيمة العمل".

لوحة للفنانة علياء أبو خضور 

"الفكرة الأساسية لمحتوى لوحاتي وأعمالي هي خلق مشهد قد يبدو للوهلة الأولى عادياً ضمن الحياة اليومية، لكن عنصر المفاجأة يبرز في الصور بطريقة غير متوقعة". علياء أبو خضور.

بعد سنوات طويلة في الغربة، تطورت "أبوخضور" وأصبحت تستخدم هذه الحرية في فنها، لكنها ترى أن الخوف هو جزء من شخصيتها: "هناك أشياء وصدمات نفسية لا تختفي أو تتغير مع الزمن، وهي لا تزال موجودة، وربما هي التي دفعتني لأعبر من خلال الفن، لأن الفن يتحمل الكثير من المعاني، وأعتقد أنني أنا أرسل رسائل مبطنة عبر أعمالي".

وأضافت: "أنا رسامة وأعتمد على القلم والورق والخطوط، أعمالي تعتمد على الربط بين الواقعية والسيريالية والخيال، وهناك دمج بين الكثير من المواضيع التي تشبه الأحلام والتخيلات، حتى مؤخراً عندما بدأت العمل على أعمال بالتكليف من مجلات، حافظت على أفكاري ونمطي، وأصبحت لوحاتي تستخدم كحلول لنصوص معقدة".

واعتبرت أن الرسام هو مترجم، يترجم النصوص/الأفكار إلى مرئيات وصور: "أرسم النصوص باللغات الألمانية والإنجليزية والعربية. اللغة هي أيضاً وسيطي في إلقاء المحاضرات الخاصة بدوكومينتا والمواضيع دائماً معقدة على عدة مستويات".

"عندما أبدأ بأي عمل أعطيه كل وقتي وجهدي، وأنهيه بسرعة، وعادة ما أكون منهكة ومصابة بالاحتراق بعد الانتهاء منه". علياء أبو خضور

لا يزال اللون جديداً على علياء، قالت: "أحب الخطوط كثيراً، استخدمت اللون بسبب الأعمال الجديدة التي أعمل عليها، فأنا أخاف من اللون وأحببت أخيراً أن أتصالح معه. أحب الشكل وإيصال الفكرة عبر الخطوط، وعندما أبدأ بأي عمل أعطيه كل وقتي وجهدي، وأنهيه بسرعة، وعادة ما أكون منهكة ومصابة بالاحتراق بعد الانتهاء منه".

هل تظهر علياء في الأعمال؟

تجيب: "لا تظهر علياء السورية، العربية، المرأة، المهاجرة في الأعمال، وهو قرار مقصود اتخذته، لا يمكن أن يعرف المشاهد من أي ثقافة هذا العمل، ومن أي بلد، فمعاناة السوريين، الاشتياق، الحياة في الغربة وغيرها من الموضوعات التي تعنيني وتكونني، لا تجدها واضحة بشكل مباشر في أعمالي، لأنني أردت أن أثبت نفسي خارج إطار سوريتي، خصوصاً أني موجودة في السياق الألماني والغربي، فأحببت أن أقدم نفسي كفنانة أنتمي للكرة الأرضية، وليس لألمانيتي، ولا لسوريتي، ولا لثقافتي العربية".

لوحة للفنانة علياء أبو خضور 

وتشير أبو خضور: "على الرغم من ذلك كله، جاء التأطير في مرحلة معينة، بعد أن عملت على عمل عن النساء المحجبات في أوروبا وهو ما وضعني في إطار معين، وأصبح من الصعب الخروج من هذا الإطار".

الغربة

تقول علياء أن الغربة أعطتها الكثير: "أعطتني العمق"، مستشهدة بالبيت الشعري "ذو العَقلِ يَشقى في النَعيمِ بِعَقلِهِ وَأَخو الجَهالَةِ في الشَقاوَةِ يَنعَمُ"، وتواصل: "تعلمت الكثير، رأيت الكثير فزادت حساسيتي، وأخذت مني الغربة العفوية الجميلة، وأخذت مني السند والظهر الموجودين في بلدي، وأخذت مني الدلال، والشعور بالاطمئنان، ولكنني أفضل أن أكون واعية لعالمي أكثر، ولو عاد بي الزمن سأسافر وأتغرب، أرى أن هذا الأمر ضروري للإنسان، ولو أن هناك ما أستطيع تغييره، فهو أن تكون أوطاننا بسلام أكثر، وأن نتمكن من العودة إليها متى ما أردنا".

التحديات

وعن التحديات التي تواجهها: "التأطير أولها، حتى بالنسبة لبعض المؤسسات والمعارض، فهم يستبعدوننا من أي مشاريع لا علاقة لها بالهجرة والحرب"، وترى علياء إنها كامرأة مهاجرة يجب أن تعمل 10 مرات أكثر، لأخذ التقدير الذي يأخذه رجل أبيض فنان.

لوحة للفنانة علياء أبو خضور 

ومن التحديات أيضاً: "اللغة، فمهما أتقنت اللغة الألمانية فستبقى ليست لغتي الأم، بالإضافة للتمييز والتفرقة في أوروبا، رغم أن هناك مؤسسات تبحث عن التنوع والتعدد، لكن عالم الفن في نهاية المطاف محكوم من رجال بيض أغنياء، أما النساء، وأفراد مجتمع الميم - عين والملونون/ات، القادمون/ات من خلفيات فقيرة، وخلفيات غير فنية فرصهم/ن أقل في مجال الفن".

 "التأطير أول التحديات التي تواجهني، فهم يستبعدوننا من أي مشاريع لا علاقة لها بالهجرة والحرب"، وترى علياء إنها كامرأة مهاجرة يجب أن تعمل 10 مرات أكثر، لأخذ التقدير.

تؤكد "أبو خضور" أنها أصبحت فنانة لأنها حصلت على الدعم المادي من زوجها طوال فترة تجربتها الفنية ومرحلة خلق اسمها الفني: "مستحيل أن ينجح الفنان دون دعم، دون صحافة، معارض، غاليريات، بلا الناس، بلا العائلة، بالإضافة للدعم المعنوي من الأصدقاء".

تطمح علياء أبو خضور أن تصبح فنانة عالمية وتنشر أعمالها في مختلف أنحاء العالم، ولا تكتفي بالانتشار الأوروبي أو العربي، تقول: "أفكر في أن تكون أعمالي المستقبلية بثلاثة أبعاد، وتكون متحفية أكثر وتتخذ حيزاً من المكان، بدلاً من كونها لوحة فقط، ولها أبعاد ثانية، أحاول تحدي طريقتي هذه بالتفكير".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard