مطلّقة في المدرسة... الشرف الرخو

السبت 10 سبتمبر 202201:11 م

"لا"



كنت أظنّ أن العالم ينتظرني على ناصية الرصيف. حصلت على الشهادة الإعدادية فحصلت على هديتي من العائلة: زواج من أحد أقاربي.

رفضت. هذه حياتي وهذا مستقبلي وجسدي، هذه حياتي ما سيتحطم وجسدي ما سيُداس. ولأن النساء ليس لهن وجود أصلاً ليمتلكن رأياً بالأساس عاقبني والدي بالضرب المبرح. كانت العلامات على جسدي زرقاء وبنفسجية.

بكيت أمام المرآة وأمام الله، لكني امرأة والنساء لا يتواجدن داخل شفقة الآلهة. اشتكيت إلى كل الأقارب ولم ينصرني أحد. وجدت نفسي في بيت زوجي وأنا عندي 15 عاماً، مسؤولة عن إرضائه في السرير وعلى طاولة الطعام، وليس لدي أدنى فكرة عن الحياة الزوجية، أو الحياة الجنسية، أو إدارة منزل، ليس لدي فكرة عن نفسي حتى. وجدت نفسي في هاوية وأنا لا أعلم ماذا تعني كلمة هاوية أصلاً.

لم أستطع التحمل. بعد مرور 30 يوماً فقط هربت. كنت حينها في القاهرة، ولا أعرف كيف يمكن أن أعود إلى بيت أهلي وأخوتي الصغار، إلى حجرتي الصغيرة وعرائسي. ليس معي جنيه واحد في جيبي، ولا أعرف الطريق. جلست على الرصيف أبكي. لمحني رجل في عمر أبي. تقدم نحوي وسألني: "أنت بتعيطي ليه؟". شرحت له بكلمات مبهمة، بين شهقات خوف ويأس. لا أعتقد أنه فهم شيئاً من غمغمتي، لكنه فهم بقلبه. أخذني إلى موقف "عابدين" وحجز لي مقعداً، ودفع لي الأجرة وأوصى السائق أن يرعاني حتى أعود إلى البيت.  

عدت إلى بلدتي. لو ألقيت بنفسي تحت عجلات القطار لكان الموت أرحم بكثير من المصير الأسود الذي ينتظرني. أخذني خالي إلى الطبيب وأجرى لي تحليلاً. قال الطبيب: "مبروك". يا إلهي، أحمل طفلاً وأنا طفلة؟ سيأتي طفل أرعاه وأنا نفسي أحتاج إلى الرعاية.

*****

بلغت العائلة كل جهدها كي تعيدني لحظيرة الزوجية لكنني صممت على ألا أعود مهما بلغ العذاب. مرت تسعة أشهر واستقبلت طفلي، وأبي يهددنا دائماً بأنه يريد أن يحرقنا وأنه سيمنع أخواتي من الذهاب للمدرسة، وأنه سوف يجعل منا خادمات. لم يكن هو وحده الذي يضغط علينا ويخيفنا، بل كل رجال العائلة، كل أقاربه كانوا يخيفوني ويدفعوني للانتحار لأنهم يروني عاراً على العائلة: كيف لمثلي أن تعترض وتقول لا؟

كان شرف العائلة يتهاوى تحت أقدام طفلة بالكاد تبلغ السادسة عشرة. 

كنت أظنّ أن العالم ينتظرني على ناصية الرصيف. حصلت على الشهادة الإعدادية فحصلت على هديتي من العائلة: زواج من أحد أقاربي...مجاز

*****

استقبلت طفلي وأنا لا أعرف ماذا أفعل به، ماذا أصنع له حينما يصرخ؟ كيف أرضعه وبأي طريقة أعرف شكواه؟ تسبب ذلك في إصابتي بخرّاج في صدري. رفض والدي أن يعرضني على الطبيب. قال: "سبوها. يكش تموت وتغور في داهية تاخدها".

هربت للمرة الثانية إلى منزل خالي. طلبت منه مساعدتي لرؤية طبيب. أخذني إلى الطبيب وأجريت عملية جراحية بعد ولادتي بأربعة أشهر. كان الناس في القرية يطلقون شائعات بأنني لا أريد إرضاع الطفل حتى يموت. كنت أغرق في سيل كراهية عائلي. كانت الحرب قد أعلنت بين الأم/الطفلة والعائلة/الوحش.

مرت الأيام. حاولت أن أتحمل ثقل العيش مع أبي الذي قاطعني لمدة عامين بسبب فشل زواجي، وكلمات أمي تحرق كبدي ليلاً ونهاراً. كنت لا أخرج من المنزل نهائياً ومُنعت من مقابلة زميلاتي وصديقاتي. كان أبي يقول دائماً: "حتى صحابك كرهوكي". لكني كنت متأكدة أنهم يحبونني ويتلمّسون ألمي، لكنهن عاجزات، مثلي.

قررت أن أعود لاستكمال تعليمي. أبي رفض بالطبع. كنتُ عاره و"لا" كبيرة في وجهه. حاولت أن ألعب على وتر الحنين عند الأمهات وأجعل أمي تساعدني. وافقت. لم ينته كلامها السامّ اليومي، لكنها اقتنعت أن الأمر ربما يتغير عندما أتعلم. اعتقدتُ أن التعليم سوف يجعلني قوية، ويسمح لي أن آخذ حقي الذي أضاعه أبي، الذي جعل كل من هبّ ودبّ يتحدث بالسوء عني. سمعت ابن عمتي يقول لأبي: "أربطها بحبل وعلقها وأنزل فيها ضرب لحد ما تقول حقي برقبتي".

كان حقي فعلاً في رقبتي، لكني نويت أن أخلّصه من قبضة آسريه.

نجحت في استمالة مشاعر أمي. هربتني من البيت لأستكمل أوراق دخول المدرسة الثانوية. حينما ذهبت لمدرسة عبدالرحمن أبو المكارم الثانوية، بقرية دلجا بالمنيا، تم طردي من المدرسة لأني مطلقة. أخرجني المدرس من بين الفتيات وطلب مني مغادرة المدرسة. تتبعني حتى خرجت من الباب ليتأكد أن "النجاسة" خرجت نهائياً.

كان شرف العائلة الرخو يتهاوى تحت أقدام طفلة بالكاد تبلغ السادسة عشر

شعرت بالانكسار والحرج الكبير كأنني موصومة بالعار. ووقفت أمام الباب أبكي بذلّ وحدتي وضعفي. لم أتركه ينتصر. ذهبت لليوم التالي أشكو ذلك المدرس لمدير المدرسة. كانت حجته أنه أمسك بي داخل الفصل بين الطالبات استمع للدرس. قلت: "نعم أمسكت بي وأعرف أني طالبة منتسبة وليس لي حق الحضور، لكن هناك طالبات منتسبات أيضاً ويحضرن الدروس، وأنا أحضر لأنني لا أمتلك مالاً يساعدني في الحصول على درس خاص". قال المدير: "لما أنتي عاوزة تتعلمي اتجوزتي ليه من الأول؟". وكأن الزواج أمر أستطيع البتّ فيه وانا ابنة 15 سنة.

حاولت في السنة النهائية بالثانوية العامة أن أبذل ما استطيع حتى أتخلص من هذه المدرسة التي تذلّني. نجحت بتقدير 86%. أذهلت الجميع. هؤلاء الذين يظنون الظنون بكل امرأة مطلقة، وأولئك الذين يكرهون النساء ويؤلمهم نجاحهن، رجال الشرف الرخو، ذكور المنع والحجابات. شعرت بالانتصار الأول في حياتي. أن أحصل على شهادة الثانوية التي كانت من أصعب أحلامي، خاصة كلما رأيت زميلاتي من نفس دفعتي وهن يقفن على الطريق ينتظرن السيارة لتأخذهن إلى الجامعة. أقف وأبكي خلف النافذة. انتصرت. رأيت شبح زوجي السابق ووالدي. مددت لهما لساني ومضيت.

شعرت بالانكسار والحرج الكبير كأنني موصومة بالعار. ووقفت أمام الباب أبكي بذلّ وحدتي وضعفي. قال المدير: "لما أنتي عاوزة تتعلمي اتجوزتي ليه من الأول؟". وكأن الزواج أمر أستطيع البتّ فيه وانا ابنة 15 سنة... مجاز

زادت حماسي ورغبتي في الحصول على حقوقي والدفاع عن حريتي ووجودي في الحياة بدخول الجامعة. تفاجأ أبي من رغبتي بالالتحاق بالجامعة، حيث لا يوجد فتيات بالعائلة التحقن بالجامعة. لم يرفض. كان هذا تحولاً رهيباً في شخصيته، وعندما انهالت عليه العائلة طالبة منه عدم تحقيق رغبتي، رفض، وقطع تعامله معهم. سمعته يقول لأحد الأقارب الذي جلس معه بالتحديد ليقنعه بعدم السماح لي بدخول الجامعة: "أنا هاسيبها تتعلم. مش هنخسّرها كل حاجة". أخيراً، أصبح للحجر قلب.

*****

التحقت بجامعة المنيا. اخترت لنفسي كلية الآداب كي ألتحق بقسم الإعلام. كنت أخرج من البيت وفي يدي طفلي وهو في العام الثاني. أودعه الروضة ويودّعني. كنت أسمع الفتيات الصغيرات في الشارع يتحدثن ويسألن: "دا ابنها ولا أخوها؟". كنا نلتقط صور السلفي معاً، واسترد معه طفولتي المسلوبة.

كنت أنفق على دراستي بالجامعة وبالمدرسة من المعاش الذي كان يصرف لي كمطلّقة، وكان حينها 145 جنيها مصرياً، ثم ازداد إلى 350 جنيهاً. كنت أشارك في كل المسابقات بالجامعة التي تمنح جوائز مالية كي أصرف منها على دراستي، وأصرف المنح التي تقدمها الجامعة والمحافظة للطلاب وقدرها 400 جنيهاً تمنح سنوياً. كنت أدفع مصاريف الكتب الدراسية على مراحل، لأنه كان من المستحيل أن أدفع تكلفة الكتب في وقت واحد. كنت أتقدم. بصعوبة لكنني أتقدم.

في الجامعة، لم أخبر أحداً من زملائي عن زواجي أو طلاقي. في الحقيقة خفت أن يطردوني من الجامعة كما طردوني مسبقاً من المدرسة، وهي طريقة تفكير تناسب سني حينها. في الكثير من الأوقات كنت آخذ طفلي معي. يسألونه زملائي عن صلة القرابة بيننا، كان يقول: "دي ماما"، لكنهم لم يصدقوا.

بدأت تدور على ألسنة بعض الزملاء أخباراً عني، حينها قررت أن أخبرهم جميعاً، وظهرت في لقاء تلفزيوني مع لميس الحديدي، وهي إعلامية مصرية شهيرة. كانت الحلقة حينها تتكلم عن زواج القاصرات. ضمتني بين ذراعيها أثناء اللقاء كأنما أرادت أن تطبطب على قلبي وتمحي ولو نصف قطرة من الألم الذي عشته.

لم يكن الاختراق سهلاً. كانت هناك محاولات عديدة للابتزاز من بعض الذكور الذين اعتقدوا أن أي مطلقة هي جسد مباح للجميع. أحدهم أرسل لي يهددني عبر الإنترنت أنه يحمل لي مقاطع فيديو إباحية وسوف ينشرها إن لم أسلّم نفسي له، وآخر أرسل لي يهددني أنه سوف يتقدم ببلاغ في الجامعة ضدي أنني أدير شبكة دعارة، وآخر طلب مني أن نكون أصدقاء، وإن طلب مني أي شيء يجب أن أنفذ رغبته وإلا يا ويلي منه. كان استقلالي جداراً يحميني من الذئاب، وكنت قد امتلكت زمام حياتي، أخيراً.

التحقت أخواتي بالجامعة بسببي، وحتى بنات عمي التحقن بالجامعة أسوة بي. وجدت فتيات من قريتي يرسلن إعجابهن بي وبصمودي وقدرتي على تحقيق النجاح، لي ولابني. أخرجت نفسي من بركة الظلام والظلم والتخلف، وها أنا ذا أعيش الآن في النور. أكتب عن حياتي التي أنقذتها وعن استقلالي الذي أنقذني.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard