"لا نريد إلا سلطاناً رئيساً مولوداً على الفطرة"... ثورات "العربان" ضد المماليك في مصر

السبت 17 سبتمبر 202211:22 ص

ثارت القبائل العربية التي سكنت أطراف مصر ضد سلطة المماليك أكثر من مرة، رافضةً الخضوع لهم، لأسباب اجتماعية واقتصادية وسياسية... وبالرغم من الهزائم التي منيت بها، إلا أنها كانت تتجدد كلما حانت الفرصة.

وارتبط وجود القبائل العربية في مصر بالهجرات التي وفدت من شبه الجزيرة العربية، منذ الفتح العربي لمصر، بحثاً عن حياة أفضل، واستقرت هذه القبائل في جميع أنحاء البلاد، وامتزجت بالمصريين، غير أن قلةً منها ظلت في أطراف الوجهين القبلي والبحري، وسُمّيت بـ"العربان"، حسب ما يذكر محمود محمد الحويري في كتابه "مصر في العصور الوسطى من العصر المسيحي حتى الفتح العثماني".

نفوذ وثروات طائلة

عاش "العربان" في مصر، خارج القرى الآهلة بالفلاحين من أهالي البلاد، على زراعة القليل من الحبوب، وتربية المواشي، يروي الحويري، ولهذا كانوا ينتقلون في جزء معيّن من السنة إلى الريف، حيث تتوفر المراعي الجيدة، فإذا ما انتهوا من تسمين مواشيهم، عادوا إلى مواطنهم.

وكان مشايخ "العربان" يتولون مسؤولية حفظ النظام وتوفير الأمن في القرى والأرياف، ووصل بعضهم إلى درجة عالية من الثراء لامتلاكهم قطعاناً ضخمةً من الأغنام والجمال.

وزاولت قبائل "العربان" التي استقرت عند حدود مصر الجنوبية التجارة مع النوبة، وجنت من ورائها أرباحاً طائلةً. وفي ما عدا ذلك، كانت غالبية "العربان" لا تمتلك شيئاً، ولذلك أغارت على القرى المجاورة الآمنة، واستولت على كل ما تصل إليه أيديها من مواشٍ وحبوب.

في كتابه "تاريخ القبائل العربية في عصر الدولتين الأيوبية والمملوكية"، يستعرض محمود السيد، خريطة تمركز القبائل العربية في مصر: في مدينة قوص في الجنوب استقرت قبائل بلي وجهينة وبني هلال وبني كنز، وفي الأشمونين في الصعيد الأوسط استقرت قبائل الجعافرة والطليحيين والقرشيين، وجمعت بين هذه القبائل الثلاث صلة نسب وقرابة، فكانت يداً واحدةً، وفي البهنسا استقرت قبائل بني الزبير وبني مصلح وبني رمضان وبني شيبة.

وفي الوجه البحري، استقر عدد من القبائل العربية في الشرقية، ومنها جزام اليمنية وبنو ثعلب وبنو جرم، وفي المنوفية قبائل لواتة الذين انتسبوا إلى قبيلة قيس عيلان، وفي البحيرة نزلت قبائل بني سنبس وهم بطن من قبيلة القحطانية، وهوارة، ونواتة وبني عوف، وفي الجيزة قبائل محارب وبني عدي وعرب العزالة وبني كلب.

وفاق مع الأيوبيين وصراع مع المماليك

في العصر الأيوبي (569-648هـ/ 1173-1250م)، ساد نوع من الوفاق بين القبائل العربية والأسرة الأيوبية الحاكمة، فالدولة كانت تبذل نوعاً من الرعاية والتعهد بالحماية لهذه القبائل، ويُقابَل ذلك بعرفان بالجميل وشعور بالطاعة، ما أدى إلى الاستقرار والانضباط واستتباب الأمن في كل أنحاء البلاد، بحسب السيد.

وبعد مصرع توران شاه، آخر سلاطين الدولة الأيوبية عام 648هـ/ 1250م، رفض العرب أن يؤول إرث الأيوبيين إلى المماليك، وأعلنوا معارضتهم لهم في حكم مصر، وأظهروا تعاطفهم مع أمراء البيت الأيوبي البائد، ومن ثم قاموا بثورات ضد السلطة المملوكية منذ بدء نشوء الدولة المملوكية حتى نهايتها.

راية العصيان والمقاومة

ويرى سيد محمود عبد العال، في دراسته "ثورات العربان وأثرها في الاقتصاد المصري زمن سلاطين المماليك (648-923هـ/ 1250-1517م)"، أن "العربان" حملوا راية المعارضة وعبء المقاومة ضد سلطنة المماليك دون شرائح المجتمع المصري جميعها. وبالرغم من الأساليب الوحشية التي استخدمها ضدهم المماليك، إلا أن ثوراتهم لم تخمد طوال هذا العصر، ولم تخلُ سنة من السنوات من ثورة في الصعيد أو في الوجه البحري، بهدف ضرب المماليك ومهاجمة الإقطاعات التي يحوزونها، والاستيلاء على المحاصيل الزراعية.

وينقل عبد العال، عن مصادر تاريخية معاصرة للدولة المملوكية، وصفها ثورات "العربان" بأنها نوع من "الفساد" و"العبث" و"الفتنة" و"العصيان" و"النفاق" و"الخروج على الطاعة" و"الأذى" و"الضرر"، ما يبين أن هذه المصادر تبنّت وجهة نظر الدولة، الأمر الذي يفقدها في أغلب الأحيان الموضوعية، لأنها لم تعرض وجهتيْ نظر الطرفين، علماً أننا لا نجد أي مصدر تاريخي يعرض لوجهة نظر "العربان" بشكل صريح.

اعتبر "العربان" المماليك غرباء عن مصر، ونظروا إليهم بدونية لأنهم كانوا مستعبَدين في السابق، وعدّوا أنفسهم أحق بحكم البلاد...

ويدلل عبد العال، على ذلك، بإطلاق المصادر التاريخية المعاصرة على القبائل العربية التي كانت تعيش في أجزاء مختلفة في الوجهين القبلي والبحري، اسم "العربان"، وهو اسم مرادف لكلمة "البدو"، والسبب في إطلاق هذا الاسم أنها كانت تعيش في طور الانتقال من حياة التنقل إلى حياة الاستقرار، وصار اسم "العربان" وصفاً للإخلال بالأمن والاعتداء على الآمنين من أهالي القرى والمدن، ما يوضح أن وجهة النظر وقتئذٍ كانت تنتقص من شأن القبائل العربية.

أسباب الثورة

تعددت أسباب ثورات "العربان" في العصر المملوكي، بين أسباب سياسية وأخرى اقتصادية أو اجتماعية. نظر "العربان" إلى المماليك على أنهم غرباء عن البلاد، وعدّوا أنهم هم، أي العرب، أحق بحكم مصر، لذا ما أن تولّى عز الدين أيبك، السلطنة عام 648هـ/ 1250م، حتى ثار "العربان" ضده بقيادة حصن الدين بن ثعلب، في عام 651هـ/ 1253م، وقال: "نحن أصحاب البلاد، ومنع الأجناد من تناول الخراج، وصرح هو وأصحابه بأنّنا أحق بالملك من المماليك، وقد كفى أننا خدمنا بني أيوب، وهم خوارج على البلاد، وأنفوا من خدمة الترك، وقالوا: إنما هم عبيد للخوارج"، حسب ما نقل عبد العال عن تقي الدين المقريزي في كتابه "السلوك لمعرفة دول الملوك".

ولم يكن هذا الموقف من المماليك حكراً فقط على "العربان"، بل كان موقف معظم المصريين الذين كرهوا حكم المماليك، خاصةً أنهم كانوا يعدّونهم أولاد "رقّ". ففي كتابه "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة"، ذكر ابن تغري بردي، موقف المصريين من سلطنة عز الدين أيبك: "أما أهل مصر، فلم يرضوا بذلك إلى أن مات، وهم يسمعونه حتى في وجهه إذا ركب ومر بالطرقات، ويقولون: لا نريد إلا سلطاناً رئيساً مولوداً على الفطرة"، أي إنساناً حراً لم يمسّه الرق مثل المماليك. وبدورهم، نظر المماليك إلى "العربان" نظرة استعلاء واحتقار واستخفاف، بحسب عبد العال.

كذلك، جاءت ثورة "العربان" نتيجةً للوضع الاقتصادي المتدهور بفعل قسوة الطبيعة، وما ترتب عليها من أوبئة ومجاعات وفرض ضرائب على الرعية وإلزامهم بالسداد، ما أدى إلى تذمرهم وشق عصا الطاعة، فانتشرت الاضطرابات والقلاقل والثورات التي كان يصعب على السلطات المملوكية حسمها إلا بالقهر والاستبداد.

يضاف إلى ذلك حرمان "العربان" من الإقطاعات التي كانت مورداً مالياً مهماً، فقد استولى الأيوبيون والمماليك من بعدهم، على جميع أراضي مصر عن طريق نظام "الإقطاع الحربي"، وكان "العربان" إذا أُعطوا إقطاعات تكون في أطراف البلاد، وهذا النوع من الإقطاع الذي عُرف بـ"الاعتداد"، كان ضعيف الإنتاج، بحسب عبد العال.

كما كان من سياسة المماليك فرض رسوم مالية عالية لتجهيز جيشهم ضد أعدائهم، وكانت هذه السياسة عاملاً مباشراً في ثورات "العربان"، مثلما حدث في عام 700هـ/ 1300م، حين تجهّز المماليك لحرب المغول، ففرضوا أموالاً على المصريين وندبوا الوزير سنقر الأعسر ليجبي الأموال من الناس، وتحصّل من هذه الحركة على نحو مئتي ألف دينار وكسور، وسُمّي ذلك بـ"مقرّر الخيالة".

بجانب ذلك، برز تعسف أمراء المماليك في تحديد أثمان المنتجات الزراعية واحتكارها والتلاعب في أسعارها، وكان ذلك من أسباب ثورات "العربان"، فقد أدى احتكار بعض أمراء المماليك للغلال، خاصةً في الوجه القبلي، إلى الإضرار بالناس في كل أرجاء البلاد، فارتفعت الأسعار، مثلما حدث في عام 874هـ/ 1469م، بسبب احتكار الأمير يشبك بن مهدي لغلال الصعيد، ومنع المراكب من حملها إلى القاهرة.

سبي نساء واعتقال زعماء

ومن الأسباب التي أدت إلى ثورات "العربان"، سوء سلوك المماليك حيالهم، ومحاولات إذلالهم من خلال سبي نسائهم، وهي إهانة كبيرة دفعتهم إلى قطع الطرقات، والإغارة على القرى والمدن المصرية.

ويروي عبد العال ما حدث عام 873هـ / 1468م، عندما وصل يشبك بن مهدي من بلاد الصعيد، بعدما نهب وخرّب قرى عدة، وبدد شمل "العربان"، وسبى أربعمئة من نسائهم، وحبسهن في وكالة، وتركهن من دون طعام، فثار "عربان" الصعيد وقطعوا الطريق، وأخذوا بعض المراكب المحمّلة بالغلال القادمة من الصعيد، وأخذوا ما فيها، ثم أحرقوها، ما تسبب في ارتفاع أسعار القمح والغلال في القاهرة.

كان من سياسة المماليك فرض رسوم مالية عالية لتجهيز جيشهم ضد أعدائهم، وكانت هذه السياسة عاملاً مباشراً في ثورات "العربان" عليهم في مصر...

وكان لاعتقال أحد زعماء العرب أثر مباشر في قيام العربان بقطع الطرق والاستيلاء على الأموال. فعام 717هـ/ 1318م، اعتُقل والي قوص، فياض أمير عرب برية عيذاب، فقطع العرب الطريق على رسول صاحب اليمن، واستولوا على الهدايا التي يحملها، وعلى أموال التجار، فجهزت الدولة حملةً عسكريةً ضد "عربان" برية عيذاب.

مواسم الثورات

في دراستها "العربان في مصر بين الاعتداء والولاء زمن المماليك الجراكسة (784- 923هـ/ 1823- 1517م)"، تذكر إيمان مصطفى عبد العظيم، أن "العربان" كانت لهم أوقات خاصة يقومون بثوراتهم فيها، فكان معظمها يندلع عند قيام سلطان جديد، أو في أثناء حكم سلطان قاصر، وهي فترات الاضطرابات عادةً في تاريخ دولة سلاطين المماليك.

كما اعتاد "العربان" أن ينتهزوا فرصة حدوث فيضان، عندما تكسو مياه النيل أراضي الحياض، فيصبحون في مأمن من وصول قوات العسكر من العاصمة لردعهم، وعندئذ يغيرون على القرى ويستولون على كل ما تصل إليه أيديهم من غلال ومواشٍ، كما تقول عبد العظيم.

وأمام هذه الاعتداءات وتكرارها، رأى الحكام المماليك أن يسيروا على نهج سابقيهم من الدول المستقلة في مصر، خاصةً الدولة الطولونية التي اتخذت في عهد خمارويه إجراءات عدة من شأنها حماية الناس من قطاع الطرق "العربان"، بتجنيد هؤلاء في الجيش، وإيكال أمر حراسة الطرقات إليهم.

غير أن هذا السلوك السلمي لم يكن الوحيد من جانب المماليك، فقد لجأت السلطة إلى الشدة والعنف في أحيان عديدة لقمع ثورات "العربان" وتمردهم، وبالغت في ألوان القمع والضرب على أيديهم، فكانت التجريدات العسكرية، وكان التعذيب والتجريس، وبذر بذور الفرقة والانقسام بينهم، فضلاً عن التنكيل بهم عبر التسمير والشي والرجم بالحجارة.

تداعيات ثورات "العربان"

كان وقودَ هذه الثورات الفلاحون وأهل القرى. يذكر عثمان علي محمد طه في كتابه "الأزمات الاقتصادية في مصر في العصر المملوكي وأثرها السياسي والاقتصادي والاجتماعي (648هـ-923هـ/ 1250م-1517م)"، أن الفلاح المصري وقع بين نارين، نار "العربان" الذين يحرقون زرعه ويفسدون أرضه، ونار المماليك الذين يتهمونه بمساعدة "العربان" على الثورة فيفسدون زرعه عقاباً.

ويشير طه إلى أن ثورات "العربان" كانت سبباً في تدهور الأحوال في مصر، إذ لم يسلم الفلاح من غاراتهم على المزارع للاستيلاء على المحاصيل وإعلان العصيان، كما كانت الحكومة المملوكية ترسل حملات عسكريةً لتأديب "العربان"، ما يعود على الفلاحين بأبلغ الضرر، إذ يخرّب المماليك البلاد التي ينزلون فيها، ويحرقون الجرون (أماكن حفظ الغلال)، ويفسدون الزرع ويقتلون الناس، وينهبون كل ما تصل إليه أيديهم.

ومثال ذلك ما حدث عام 752هـ/ 1357م، حين ثار "عربان" الصعيد ونهبوا الغلال وكثرت حروبهم، وخاف الناس من المشي في الطرقات، ولم يستطع الفلاحون الذهاب إلى زراعة أراضيهم. وأيضاً في عام 754هـ/ 1359م، ثار عرب الصعيد ونهبوا الغلال من الجرون، وخرج إليهم السلطان الصالح بنفسه ومعه جميع الأمراء، ووقعت معركة شرسة بين الفريقين، قُتل فيها من "العربان" نحو عشرة آلاف شخص، وصار الأمير المملوكي شيخو يقطع رأس كل من رآه من الفلاحين لشكّه في أنه من "العربان"، حسب ما روى طه.

وأثّرت ثورات "العربان" على الحركة التجارية، فكانوا يهجمون على القوافل المتجهة من قوص إلى ميناء عيذاب على البحر الأحمر، وينهبونها، ففقدت عيذاب أهميتها كميناء تجاري مهم.

كما ضعفت الحركة التجارية بين مصر وسوريا منذ عام 875هـ/ 1470م، إذ كانت القوافل تحتاج إلى قوة عسكرية تحميها عند اجتيازها الصحراء من القاهرة إلى غزة، خوفاً من هجمات "العربان".

وعام 918هـ/ 1512م، نجح "العربان" في طرد مباشري الدولة من المنوفية، واستولوا على القرى، ونهبوا الزرع، فأرسل لهم السلطان الغوري، الأمير طومان باي لمحاربتهم. وفي عام 922هـ/ 1516، نهب "العربان" بلدات عدة من المنزلة وغيرها من ضواحي الشرقية، ولم يتركوا لأهلها شيئاً، إلى درجة أنهم أخذوا منهم حيواناتهم، وحليّ نسائهم وقتلوا عدداً كبيراً من الفلاحين، بحسب طه. كما هجم العربان على بعض المدن المصرية، خصوصاً القاهرة، ونهبوا أسواقها، وحدث مثل ذلك في عامي 876هـ/ 1471م، و879هـ/ 1474م.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard