المماليك الصلاحية وقصة أبناء صلاح الدين الأيوبي

الخميس 21 أكتوبر 202111:10 ص

خلال الحروب المسيحية - الإسلامية على أراضي الشام، عرفت القوات الصليبية عديد الأشكال من القوات الخاصة التي قاتلت كوحدات نخبة ضمن الجيوش المسيحية، وذلك مثل "الإسبتارية" و"الداوية" وغيرها.

بالمثل شهد الجيش الإسلامي عمليات تشكيل قوات خاصة مشابهة من المماليك، نسبت كل واحدة منها إلى قائدٍ محدّد، وكانت توكل لها مهام قتالية معقدة كحماية السلطان خلال الحرب، وتأمين دخوله وخروجه، والدفاع عن حياته حتى الموت.

يقول ستيفين هيديرمان، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة هامبورج، لرصيف22 إن فكرة "الجيوش الخاصة" المعنية فقط بالقتال ظهرت في كلا الجانبين، لأن كليهما عانا من نفس المشكلة، وهي أن الاستعانة بأهل البلاد في القتال ستجعل الجيش "موسمياً، لأن كافة الرجال المحليين المتاحين للتجنيد والقتال يشتغلون بالزراعة كمهنة رئيسية، لذا سيكون عليهم العودة إلى الوطن كل موسم لِلّحاق بموسم الحصاد.

شهد الجيش الإسلامي عمليات تشكيل قوات خاصة، نسبت كل واحدة منها إلى قائدٍ محدّد، وكانت توكل لها مهام قتالية معقدة كحماية السلطان خلال الحرب، وتأمين دخوله وخروجه، والدفاع عن حياته حتى الموت

من ناحيته، اعترض دكتور أمين نصر أستاذ الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية لرصيف22، على هذه المقاربة الشكلية والوظيفية بين كلا القوتين المسيحية والإسلامية، معتبراً أن الفرق الإسلامية العربية، لم تمنح نفسها طابعاً دينياً مثلما فعلت القوات الصليبية التي كانت قياداتهم تتلقى مباركة خاصة من البابا والكنيسة الكاثوليكية، أما الفرق العسكرية، كـ"الصلاحية" وغيرها، فكانت مجرد وحدات خاصة في الجيش، تتبع السلطان إدارياً ولا يلعب رجال الدين أي دور في قيادتها أو تحفيزها دينياً.

وهو ما يوضحه نيال كريستي أستاذ التاريخ اللاتيني في جامعة كولومبيا البريطانية لرصيف22، بأن "الصلاحية" كانت فقط وحدة عسكرية متفوقة، لكنها لم تحظَ برعاية دينية مثل الفرق الصليبية، كما أن أعضاء "الصلاحية" لم يكونوا أكثر تديناً من باقي أعضاء جيش صلاح الدين.

أشهر تلك الوحدات المملوكية هي "القوات الصلاحية"، وهم جماعة المماليك الذين تشكّلوا على شرف صلاح الدين الأيوبي، وأدّت كبيراً في مقاومة الصليبيين وحكم مصر خلال حياة صلاح الدين أو حتى بعد موته.

تشكيل القوة

تقول الباحثة السورية آلاء الجعفري، في الدراسة التي أعدّتها عن كتاب "ذيل مرآة الزمان" لأبي موسى اليونيني: سار الحكام الأيويبيين على نهج الدول التي سبقتهم في الإكثار من شراء المماليك، وتكوين الفرق العسكرية منهم. وهنا يجب ذِكر أن الجيش الذي قاده أسد الدين شيركوه إلى مصر لدعم خليفتها الفاطمي كان يتكوّن أغلبه من المماليك، بحسب ما يقول علي الصلابي في كتابه "السلطان سيف الدين قطز".

وكانت كل فرقة تنسب إلى صاحبها، فأطلق أسد الدين شيركوه على جنوده اسم "المماليك الأسدية"، لذا لم يكن بالغريب أن تعرف مماليك صلاح الدين الأيوبي بـ"المماليك الصلاحية" أو "المماليك الناصرية"، نسبةً إلى لقبه "الملك الناصر" (هذا اللقب منحه إياه الخليفة الفاطمي العاضد حين تولى الوزارة)، وإن كانت التسمية الأولى هي الأكثر شيوعاً.

أتى هؤلاء المماليك من عناصر مختلفة؛ من الأتراك والمغول والصقالبة والجراكسة وغيرهم، لكن بحسب كتاب "التاريخ الاقتصادي للدولة المملوكية" لمصطفى غازي بدور، فإن الأيوبيين فضّلوا الأتراك القفجاق (تحالف واسع من قبائل عاشت في تركيا) عن بقية العناصر الأخرى.

جهادهم ضد الصليبيين

ضمّ صلاح الدين قادة المماليك الصلاحية إلى مجلس حربه وكانوا من أخلص وأحكم مستشاريه. يمنحنا محمد كرد علي صورة وردية لهم في كتابه "خطط الشام" بقوله: "كان مماليك صلاح الدين وخواصه وأمراؤه وأجناده أعفّ من الزهاد والعباد، والناس على دين ملوكهم".

"كان مماليك صلاح الدين وخواصه وأمراؤه وأجناده أعفّ من الزهاد والعباد، والناس على دين ملوكهم"

بينما في كتابه "معركة أرسوف"، يوضح دكتور محمد مؤنس، أنهم كانوا ضمن القيادات الرئيسية للجيش الأيوبي بجانب العادل أبو بكر، شقيق صلاح الدين، وابنه الأفضل نور الدين علي، موضحاً أن صلاح الدين اعتمد على الأمراء: شكار موسك، أبعوش وقيماز الطويل، جميعهم من مماليك صلاح الدين، وتمتّعوا بكفاءة حربية عالية، أجمعت عليها المصادر العربية والصليبية على حدٍّ سواء.

يقول حسين عاصي: لم تمنع قوة صلاح الدين ولا شدة مهابته معارضة مماليكه ومخالفتهم له في الرأي في بعض الأحيان، إذ أنكروا عليه عزمه التحصّن في بيت المقدس انتظاراً لمجيء ريتشارد قلب الأسد، وبعثوا له برسالة يقولون فيها: "إنه لا مصلحة في ذلك، والرأي أن يباشر القتال"، وفي ذلك دليل على مدى ما بلغته المماليك من القوة والكثرة، ما جعل صلاح الدين يستجيب لمشورتهم.

وبالطبع لم يقتصر اعتماد السلطان الناصر على المماليك الصلاحية في شؤون الاستشارات العسكرية فقط، وإنما شكّلت جزءاً رئيسياً من جيشه خلال حروبه المتصلة ضد الصليبيين.

وفيما يتعلّق بأعدادهم، لم تذكر لنا كتب التاريخ أرقاماً دقيقة على مدار التاريخ، لكن يمكن استنتاج أن "المماليك الصلاحية" شكلت نسبة لا يستهان بها من قوة جيش صلاح الدين، ليس فقط من حيث الأعداد وإنما من حيث قوتهم وجودة تدريبهم.

يدلِّل على ذلك جراهام لاود أستاذ العصور الوسط في جامعة ليد الإنجليزية، بتوضيحه لرصيف22: في معركة حطين، شكّلت قوة صلاح الدين الخاصة وحرسه الشخصية قرابة ألف جندي من مجموع جيشه البالغ 12 ألف مقاتل على الأقل. من ضمن هذه القوة شكّل صلاح الدين مجموعة قتالية أخرى أكثر خصوصية يمكننا اعتبارها "نخبة النخبة"، وهم فئة من الجنود يكونون مسؤولون عن حماية السلطان خلال المعركة، عرفوا بِاسم "الحَلقة".

لم تمنع قوة صلاح الدين ولا شدة مهابته معارضة مماليكه ومخالفتهم له في الرأي في بعض الأحيان، إذ أنكروا عليه عزمه التحصّن في بيت المقدس انتظاراً لمجيء ريتشارد قلب الأسد، وبعثوا له برسالة يقولون فيها: "إنه لا مصلحة في ذلك، والرأي أن يباشر القتال"

في حالة قوة "الحَلَقة" نواجه استثناءً تنظيميّاً وحيداً، وهو أن تلك المجموعة من المماليك يقودها السلطان صلاح الدين شخصياً وليس واحداً من مماليكه الخواص.

يقول دكتور عبدالرحمن زكي في كتابه "الجيش المصري في العصر الإسلامي من الفتح العربي إلى موقع المنصورة": تعتبر الفرق الثلاثة؛ النورية، الأسدية والصلاحية، أهم قوات الجيش الثابتة، فهم يقومون بأهم الأعمال الحربية والغزوات، وأطلق على رؤسائهم لقب "مقدمو المماليك السلطانية".

لا أدل على ذلك أكثر من تردد ذِكر استشهاد أحد أفراد المماليك الصلاحية، خلال تنفيذه مهمة خاصة كلّفه بها صلاح الدين، خلال صراعه الطويل مع الصليبيين.

تحدّثت مرويات التاريخ الأوروبية عن "حرس الحَلَقة" الذين ارتدوا اللون الأصفر، وتعرضوا لهجومٍ شديد من قِبَل القوات الصليبية في معركة أرسوف، وبالرغم من تراجعهم في المعركة، الذي أفضى لهزيمة كاملة للجيش الأيوبي في نهاية الأمر، إلا أن المرويات الأوروبية تتحدّث بإعجاب عن استبسال "فرسان الحَلقة" في القتال، وتمكنهم من الحفاظ على حياة السلطان رغم الهزيمة.

حكى لنا الدكتور عبدالعزيز الحميدي في كتابه "الأمويون والعباسيون والعثمانيون والدويلات المستقلة" عن المناوشات الأولى لمعركة حطين بين المسلمين والصليبيين، قائلاً: "حمل مملوك من مماليك صلاح الدين على الأعداء حملة قوية، فقاتل قتالاً عجب منه الناس، ثم تكاثر الأعداء عليه فقتلوه، عند ذلك حمل المسلمون حملة قوية ضعضعوا بها الكفار وقتلوا منهم كثيراً".

ويضيف علي داود جابر في كتابه "معجم أعلام جبل عامل": في 585هـ استشهد أيبك الأخرش، وهو "من مماليك صلاح الدين الخواص"، خلال تنفيذه مهمة من السلطان بالقرب من جسر القاسمية، وينقل عن الأصفهاني قوله عنه: "كان شهماً بالوقائع يتحرّش، وثبتاً بالروائع يتشوش، وأنيساً بالحوادث لا يتوحّش".

وفي ذات العام، أرسل صلاح الدين مملوكه التركي أيبك الساقي زاده، على رأس قوة من المماليك الصلاحية، لجذب جيوش الصليبيين إلى كمينٍ أعدّه لهم صلاح الدين بين تبنين وصور، فشلت الخطة وكشفهم الصليبيون، وأصيب أيبك الساقي إصابات بالغة، لكنه شفي منها، وتابع قتاله مع صلاح الدين.

فور وفاة الملك صلاح الدين عام 589هـ، تنازع أبناؤه على ملكه؛ استأثر ابنه الأفضل علي بدمشق وأغلب الشام، فيما استحوذ ابنه العزيز على مصر وبيت المقدس، بينما انفرد ابنه الظاهر غازي بحلب

في كتابه "الكامل في التاريخ" لابن الأثير، وخلال استعراضه لأحداث عام 588هـ، جرت مناوشات بين قوات إنجليزية وقوات إسلامية قرب عسقلان، أشهرها السرية التي قاد فيها فارس الدّين ميمون القَصري، جماعة من "المماليك الصلاحية"، وخرج بها على قافلة كبيرة للفرنج، فأخذها وغنم ما فيها.

بعدها استمرّ اعتماد صلاح الدين على قوته الخاصة في توغله الحذر داخل أراضي الشام، وبذلت جهوداً في إسقاط المدينة الشامية التالية؛ يافا.

بحسب ذات الكتاب، أدّت "المماليك الصلاحية" دوراً مختلفاً خلال حصار يافا، ليس قتالياً هذه المرة، وإنما إدارياً انضباطياً.

يقول ابن الأثير: "وقف المماليك الصلاحية على أبواب المدينة، وكلّ من خرج من جند الفرنج ومعه شيء من الغنيمة أخذوه منه، فإن امتنع ضربوه وأخذوا ما معه قهراً".

ويضيف المفكر السوري محمد كرد علي، في مقالة له بجريدة المقتبس، أنه في إطار مساعي الملك ريتشارد لإقناع صلاح الدين بالصلح، خطّط لتحجيم قوة "المماليك الصلاحية"، فسعى لمصادقتهم والتودد إليهم، يقول كرد علي: "دخل معهم دخولاً عظيماً بحيث كانوا يجتمعون به في أوقات متعددة، وكان في كل هذا يخلط الجد بالهزل حتى يتوصل إلى مأربه، ألا وهو استرجاع بيت المقدس الذي استخلصه صلاح الدين منهم".

وفاة صلاح الدين: وقود صراع السلطة

فور وفاة الملك صلاح الدين عام 589هـ، تنازع أبناؤه على ملكه؛ استأثر ابنه الأفضل علي بدمشق وأغلب الشام، فيما استحوذ ابنه العزيز على مصر وبيت المقدس، بينما انفرد ابنه الظاهر غازي بحلب، في الوقت الذي استقلّ فيه العادل شقيق صلاح الدين بالكرك، ورفض الانصياع لملك أيٍّ من أبناء أخيه.

يقول حسين عاصي في كتابه " تقي الدين المقريزي: مؤرخ الدول الإسلامية"، إن المماليك الصلاحية أدّت دوراً كبيراً في إثارة هذا النزاع داخل البيت الأيوبي، بسبب مساندتهم العزيز، ما قوّى شوكته وجعلته يطمع في نصيب إخوته من الحكم. رعَى العم العادل اتفاقية تقاسم سلطة حقناً لدم القتال بين أبناء صلاح الدين. لكن بعد عامٍ واحد خرق العزيز الأيوبي الاتفاق، وعبّأ جيشه طمعاً في ضمِّ دمشق لسلطته.

يفسّر المؤرخ المصري ميخائيل شاروبيم هذه الخطوة في كتابه "الكافي في تاريخ مصر القديم والحديث": سبب تراجع العزيز عن وعوده أنه استمع لنصيحة مَن عنده من مماليك أبيه، مثل فخر الدين جركس، قرا سنقر وقراجا وغيرهم، أضمروا الكراهية للأفضل الأيوبي (حاكم دمشق)، وحرّضوا أخيه عليه، وهي الخطوة التي ثبت فشلها، وتلقى العزيز هزيمة مذلة على أسوار دمشق، بل تمكّن الأفضل من بسط سيطرته على مصر بدلاً من أخيه.

برغم هذه الهزيمة، وفشل الصلاحية في تنصيب العزيز على دمشق، إلا أن ابن نظيف الحموي اعتبر أن هذه السنة شهدت "إنذار تفاقم أَمر المماليك الصلاحية"، بعدما بقوا كتلة عسكرية لا يستهان بها، يجب أن يتواءم معها أي حاكمٍ لمصر.

في النهاية، ضجّ العمّ الملك العادل من صراع أولاد أخيه على الإرث الصلاحي، فأزاحهم جميعاً عن السلطة، ونصّب نفسه زعيماً للأيوبيين وبات ملكاً على مصر وبيت المقدس ودمشق وغيرها.

لم ترق هذه الخطوة للأمراء الصلاحية بسبب كراهيتهم للعادل. يقول منذر الحايك في كتابه "العصر الأيوبي": "في عام 597هـ حدثت الوحشة بين العادل والصلاحية، فراسلوا الظاهر في حلب والأفضل في صرخد، ودعوهما لقصد دمشق وحصرها، ليخرج العادل إليهم، فإذا خرج إليهم من مصر انقلبوا عليه، ومكّنوهما من حكم مصر".

بالفعل، تمرّد الأخوَان على عمهما، وهي الخطوة التي انتهت بصلحٍ جديد لمّ شمل البيت الأيوبي وأبقى العادل ملكاً على مصر والشام.

لم ينسَ العادل ما فعله ضده المماليك الصلاحية، فأمر بنفي الملك المنصور بن الملك العزيز بن صلاح الدين مع كافة إخوته إلى الرها، حتى يباعد بينه وبين المماليك الصلاحية، وحتى يتفرّغ للتنكيل بهم.

يقول حسين: أصيب المماليك الصلاحية بحالة الضعف التي نالت من أبناء صلاح الدين وأحفادهم، وزادهم وهناً وفاة أبرز زعمائهم، مثل: جهاركس وعز الدين أسامة، واضطهاد العادل لهم بسبب ولائهم القديم لأبناء صلاح الدين بدلاً منه، وأمره بإضعاف شوكة ما بقي من زعمائهم بالاستيلاء على حصونهم وقلاعهم، حتى ضاعت سيرتهم بمرور الزمن.

ويضيف كريستي: "أصابت تصرفات العادل الصلاحية بالإحباط بعدما أخذ أراضيهم، فامتنعوا عن التعاون معهم، وتدريجياً تخلّص العادل من قادتهم، وكان آخر صلاحي مؤثر وردت سيرته في كتب التاريخ، هو الأمير عز الدين أسامة، وكان آخر ما عرفناه عنه أنه سجِن في الكرك عام 1212م".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard